الجهاد في ليبيا

“ما أشبه الليلة بالبارحة”

احتلال إيطاليا لليبيا فيه آيات للسائلين ودروس للمعتبرين؛ لا سيما بعد أن أعادت الأيام دورتها، وأعاد التاريخ كرته، وعاد الشعب الليبي إلى الجهاد من أجل حريته والحفاظ على استقلال بلده من الاحتلال الحديث الذي غير وجهه، وحدث وسائله، واستخدم في الصفوف الأولى مرتزقة من بني جلدتنا.

بدأ الاحتلال الإيطالي عام 1911 وقاومه الليبيون من اليوم الأول وأظهروا شجاعة وبسالة أحيت روح الجهاد والاستشهاد وأصبحت مضرب الأمثال عند الحاضر والباد، وبزغ إبان ذلك نجم الشيخ المجاهد عمر المختار، الذي بدأ حياته مهتما بالوعظ والتربية ثم انتقل إلى قيادة الثورة على المستعمر والجهاد ضد المحتل مدة عشرين سنة، فعل بهم فيها الأفاعيل حتى استحق عن جدارة لقب أسد الصحراء، وشهد بعبقريته العسكرية الأعداء والأصدقاء على حد سواء، حتى وقع في الأسر في العام 1931 وكان في كتيبة استطلاع في عدد قليل من جنوده وأصبحوا وجها لوجه مع الجيش الإيطالي فقاتلوا قتال الأبطال واستشهد منهم عدد كبير، وأصيب عمر المختار إصابات بالغة وعقر جواده فوقع في الأسر، فشكلوا له محكمة صورية، كان قضاتها يحاكون شكل المحكمة والتحقيق في الوقت الذي ينصب فيه الجنود أعواد المشنقة قبل النطق بالحكم !

أسلاك شائكة

وبالفعل حكموا عليه بالإعدام شنقا وهو في الثالثة والسبعين من عمره ونفذ الحكم بعد أربعة أيام من أسره في 16 من سبتمبر/أيلول 1931، فاجتمعت كلمة المجاهدين على اختيار الشيخ يوسف بورحيل قائدا للجهاد وعزم من بقي على استكمال مسيرة المختار، لكن موسوليني والحزب الفاشستي الإيطالي أخذتهم نشوة النصر بإعدام القائد الرمز والبطل الفذ، وزادت ضرواتهم في سحق أهل لبيبا، حتى أنهم دخلوا بلادا فقتلوا كل من فيها من النساء والشيوخ والأطفال، وهجروا بلادا أخرى فكانوا يطلقون الرصاص، على من يضعف عن المشي في الطريق أو يعتريه المرض، وأخذوا بعض الأطفال إلى إيطاليا لتنصيرهم وتغيير لغتهم، ولن يغفر لهم التاريخ ما ارتكبوه من هتك أعراض الشريفات المصونات، حتى إن عمر المختار لجأ في بعض الأوقات إلى تأمين إقامة نساء المجاهدين وبناتهم في مصر التي أوى إليها الأمير إدريس وكانت حاضنة شعبية قوية للمجاهدين، حيث كانت تمدهم ببعض المؤن عن طريق قبيلة أولاد علي ذات الجذور المشتركة، وكانت الصحف المصرية تنشر بعض بيانات الشيخ عمر المختار ويتناقل الناس أخبار بطولاته .لذا عمدت إيطاليا إلى إقامة أسوار شائكة بين مصر وليبيا بلغ طولها ثلاثمئة كيلو متر، ودارت بالقرب من هذا السور معارك ضارية بين المجاهدين والمحتلين.

واستشهد القائد يوسف بورحيل وثلة من القادة الميدانيين فخبت جذوة الثورة وظن الطليان أنهم أمسكوا بزمام الأمور، فعمدوا إلى تغيير التركيبة السكانية واستقدموا كتائب المنصرين، وأحرقوا الكتب الإسلامية، وضيقوا على تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم، واستمر الوضع هكذا حتى 1943 حيث دخلت إيطاليا الحرب العالمية الثانية إلى جوار ألمانيا وهزموا من قبل الحلفاء الذين بدأوا في السيطرة على ليبيا، فاحتلت بريطانيا برقة ومصراته وطرابلس، واحتلت فرنسا فزان حتى نالت ليبيا استقلالها في 1951 بعد نضال سياسي هيأت له وآتت أكله نتائج الحرب العالمية الثانية.

وخرج الطليان بعدما قتلوا وهجروا نصف الشعب الليبي الذي جاهدهم عشرين سنة كاملة وقدم آلاف الشهداء فجاءهم النصر من عند الله ولو بعد حين، وتلك سنة الله في النصر والتمكين فيمن أخذ بالأسباب واستفرغ جهده وطاقته في مقارعة الظالمين ومراغمة الطواغيت.

ومازال أحفاد المختار الآن يعيدون صورة أجدادهم في الصبر والثبات، حيث تكالب عليهم البعيد وخانهم القريب وأصبحت الحملة الصليبية الجديدة بغطاء مصري وتمويل إماراتي ووجدوا في داخل ليبيا من طلاب السلطة وفلول الاستبداد ومرجئة المتدينين من يعينهم على ذلك.

فما أسعد أعدائنا بأذنابه ورعاياه؛ لكن الأمل في الله كبير فالأيام دول،ودائما ما تفرض الشعوب الحرة كلمتها في النهاية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه