مقالات

خارطة الطريق لم تتحقق بعد

العنف هو النهج المتبع لمواجهة المتظاهرين في أنحاء البلاد.

                     

في الثالث من يوليو/تموز 2013 ظهر وزير الدفاع المصري -حينها- السيسي وبجواره عدد من الشخصيات السياسية والدينية والشبابية، ليعلن على الشعب خارطة طريق توصلت إليها قيادة الجيش بعد لقائها مع عدد من الرموز الوطنية والسياسية.

ورغم أن ما حدث يعد انقلابا عسكريا واضحا على الرئيس الشرعي المنتخب، فإن كثيرا من النقاط التي ذكرها الجنرال في بيانه لم تتحقق بعد، رغم مرور حوالي خمس سنوات.

أولا: أكد الجنرال في مستهل بيانه ” أن نداء الشعب للقوات المسلحة استدعى دورها الوطني وليس دورها السياسي”، وحتى يؤكد ذلك المعنى كرره في الفقرة التالية حين قال: “إن القوات المسلحة كانت أول من أعلن ولا تزال وسوف تظل بعيدة عن العمل السياسي”.

وهكذا أكد -مرتين- ابتعاد الجيش عن العمل السياسي وقتها ومستقبلا، وهو ما كرره في لقاءاته العامة بعد ذلك حين قال باللغة العامية المصرية ” إحنا ملناش طمع في حاجه وها تشوفوا “، ورغم ذلك فقد ظهر بعدها بزيه العسكري معلنا ترشحه لمنصب رئيس الدولة بعد احتجازه لمن كان يشغله بالانتخاب الحر. وفى الانتخابات الحالية حال دون ترشح غيره من العسكريين ممن كانوا يشغلون مناصب: رئيس أركان حرب الجيش أو قائد القوات الجوية أو ضابط متوسط الرتبة.

ثانيا: إعلان رفض القوات المسلحة لترويع وتهديد جموع الشعب المصري، لكن المصريين شهدوا بعدها للمرة الأولى في تاريخهم، طائرات جيشهم تطلق نيرانها على المتظاهرين في رابعة العدوية وميدان رمسيس وبعض القرى، كما قتل طلابا داخل الحرم الجامعي، إضافة إلى اعتقال سيدات وشابات في مشهد غير معتاد مجتمعيا، كما تكررت حالات اقتحام حرمات البيوت، وتم الزج بعشرات الآلاف للسجون، مما استدعى بناء عدد من السجون الجديدة لاستيعابهم بعد تكدس السجون القديمة وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز بمعسكرات الأمن المركزي.

  الخارطة منعت إقصاء أحد

ثالثا: تأكيد البيان على انعقاد الأمل على تحقيق وفاق وطني، يضع خارطة مستقبل ويوفر أسباب الطمأنينة والاستقرار للشعب ويحقق طموحه، لكن الواقع المجتمعي يشير إلى غياب هذا الوفاق تماما في ضوء التصدي العنيف لكل من رأى النظام أنه ينتمي لتيار الإسلام السياسي، ثم امتد البطش ليشمل أشخاصا وتيارات أخرى يسارية واشتراكية وليبرالية وحتى من أنصار النظام، بل إن الغريب أن بعض من التفوا حول الجنرال خلال إلقائه للبيان، قد اختفوا من الساحة: بين من ترك البلاد وأقام بالخارج أو تم إقصائه أو تحجيم دوره.

رابعا: التأكيد على أن خارطة الطريق تستهدف بناء مجتمع قوى ومتماسك، لا يقصى أحدا من أبنائه وتياراته وينهى حالة الصراع والانقسام، وهو أمر تحقق عكسه تماما بزيادة الانقسام المجتمعي والذي وصل إلى حد الفرقة بين الزوج وزوجته أو الشخص وأشقائه وأقاربه وجيرانه وزملاءه بالعمل.

أما حالة الإقصاء فلم تشهد البلاد من قبل ما شهدته من مظاهر لها، سواء على المستوى الحزبي أو السياسي أو حتى الوظيفي إذ تم إبعاد كل مسؤول يٌشتم منه مجرد التعاطف مع تيار الإسلام السياسي، أو عدم إعلان التبرؤ منه، كما امتد الأمر إلى النقابات والاتحادات والجمعيات الأهلية والتحفظ على أموال وشركات رجال الأعمال، مما زاد من معدلات الهجرة خارج البلاد بعد مطاردة المئات، ولم تجد أسر ضحايا أحداث قتل المتظاهرين السلميين بالميادين والمحافظات المختلفة أي عون من قبل أجهزة الدولة، بل على العكس كان من نصيب بعضهم الزج بالسجون والتشهير الإعلامي، والتحفظ على الأموال والمنع من السفر والإدراج على قوائم الإرهابيين.  

بيان الجيش كفل حرية الإعلام!

خامسا: تشكيل لجنة تضم كافة الأطياف والخبرات لمراجعة التعديلات الدستورية المقترحة على الدستور الذي تم تعطيله مؤقتا، وما تم عمليا بعدها هو إلغاء الدستور المعطل واستبداله بدستور جديد، لم يشارك في إعداد سوى أنصار النظام، لكن الأمر الأغرب هو التعطيل العملي لنصوص ذلك الدستور الجديد خاصة فيما يخص الحريات العامة والحقوق.

سادسا: وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة، وحتى الآن لم يظهر هذا الميثاق الإعلامي، وتم انتهاك حرية الإعلام في نفس لحظات إلقاء البيان، باقتحام القنوات الفضائية على الهواء، وتعطيلها منذ ذلك الحين.

وما تلا ذلك من أشكال متنوعة من الانتهاكات الإعلامية، شملت التحويل للمحاكمة العسكرية لبعض الإعلاميين، وتعطيل صحف وحجب مواقع إلكترونية ومنع المعارضين من الكتابة بالصحف سواء القومية أو حتى الخاصة، ومنعهم من الظهور بوسائل الإعلام الحكومية والخاصة بل حتى بالأجنبية العاملة داخل البلاد، وشراء أجهزة سيادية لقنوات فضائية وإنشاء أخرى والنتيجة إعلام للصوت الواحد بامتياز.

 وغابت القواعد المهنية عن وسائل الإعلام في ضوء شن حملات قاسية للتشهير بالمعارضين، وإلصاق كل نقيصة بهم وشيطنة تيار الإسلام السياسي وأنصاره رغم وجود معظمهم بالسجون، وتم إذاعة المكالمات التليفونية الخاصة لبعض المعارضين رغم تعارض ذلك مع الدستور.

  الخارطة دعت للمصالحة الوطنية

سابعا: اتخاذ الإجراءات التنفيذية لتمكين ودمج الشباب في مؤسسات الدولة، ليكون شريكا في القرار، كمساعدين للوزراء والمحافظين ومواقع السلطة التنفيذية المختلفة؛ وهو أمر لم يحدث إذ اقتصر الأمر على اختيار عدد من الشباب الموالين، وحشدهم في مؤتمرات كديكور خلف الجنرال وهو يستعرض ذكرياته وإنجازاته وطموحاته.

وزاد عدد الشباب خلف القضبان من مختلف التيارات، وتكررت وعود الإفراج عنهم، لتقتصر على عدد محدود منهم، وحتى من تم اختيارهم كنواب ومساعدين لبعض الوزراء لم يكونوا في سن الشباب، واستقال عدد من هؤلاء كما حدث بوزارات التخطيط والمالية وغيرهما، كما زادت معدلات البطالة والانتحار والرغبة في الهجرة لدى الشباب.

ثامنا: تكوين لجنة عليا للمصالحة الوطنية، وهو أمر لم يتم حتى الآن بل تم التشهير بكل من يدعو للمصالحة، ولو كان من أنصار النظام وكأنها أمر مذموم.

التظاهر السلمي مكفول بالبيان!

تاسعا: ذكر البيان أن القوات المسلحة تهيب بالشعب بكافة أطيافه الالتزام بالتظاهر السلمي، وتجنب العنف الذي يؤدى إلى المزيد من الاحتقان وإراقة دم الأبرياء، ورغم ذلك خرج قانون متشدد ضيق مجال التظاهر السلمي، وشدد عقوبة من يخالفه للسجن من سنة إلى سبع سنوات، حتى أصبح التظاهر غير ممكن على المستوى العملي.

والغريب أن السلطات لم تلتزم حتى بنصوص قانون التظاهر الذي أصدرته، حين واجهت المتظاهرين السلميين بالرصاص المطاطي والحى مباشرة، رغم أن القانون يوجب التدرج في التعامل معها، بداية من المطالبة بالانصراف الطوعي بتوجيه الإنذارات الشفهية المتكررة بصوت مسموع، والمتضمنة تحديد الطرق التي يسلكونها لدى انصرافهم.

 ثم تأتى مرحلة تفريقهم باستخدام خراطيم المياه، ثم ثالثا مرحلة المواجهة بالغاز المسيل للدموع، ثم مرحلة المواجهة بالهراوات، ثم مرحلة استخدام الطلقات التحذيرية، ثم مرحلة استخدام قنابل الصوت أو قنابل الدخان، ثم بالمرحلة السابعة استخدام طلقات الخرطوش المطاطي.

كما طلب القانون في المادة الخامسة عشرة منه بتحديد منطقة كافية بكل محافظة، تباح فيها الاجتماعات العامة أو المواكب أو التظاهرات السلمية للتعبير السلمي فيها عن الرأي، دون التقيد بالإخطار المسبق للجهات الرسمية قبل التظاهر أو الاجتماعات العامة.

ورغم تحذير البيان من استخدام العنف وأنه يؤدى للمزيد من الاحتقان وإراقة دماء الأبرياء، فقد كان العنف هو النهج المتبع لمواجهة المتظاهرين بأنحاء البلاد، مما زاد من الاحتقان الشعبي وأزهق أرواح المئات من الأبرياء في مختلف المحافظات، ولعل ما حدث بشمال سيناء من دمار وضحايا خلال السنوات الأخيرة، أحد شواهد نتائج استعمال العنف المفرط. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة