مقالات

السيسي في مواجهة الدولة العميقة

على عكس ما هو شائع بأن السيسي يحتمي بالدولة العميقة، يبدو أن السيسي دخل مواجهة غير معلنة مع هذه الدولة العميقة التقليدية ليؤسس على أنقاضها دولته التي يضع هو شخصيا كل تفاصيلها ومفاتيحها وشيفراتها، ولا يسمح لغيره بمعرفتها، حتى يتمكن من الحكم طوال حياته، ليس بالضرورة أن ينجح السيسي في مسعاه، حتى لا يظن أحد أنه طالما أن الأمر أصبح قدرا مقدورا فلا داعي للمقاومة، بل الصحيح أن المقاومة الواعية هي التي يمكن أن تفشل مساعي السيسي.

يدرك السيسي جيدا دهاليز الدولة العميقة باعتباره أحد مرتكزاتها فقد ترأس جهاز مخابراتها الحربية، وعاش تفاصيل أدوارها المختلفة إبان ثورة يناير حتى تمكن جزء منها من الانقضاض على هذه الثورة، والإطاحة بالرئيس المدني الذي انتخبته من خارج أطر الدولة العميقة التقليدية، ويدرك السيسي أن هذه الدولة العميقة لن تتركه يتصرف على هواه أيضا بشكل تام، بل يخشى تقلباتها وانقلابها ضده شخصيا عند لحظة ما، لذا فقد سعى مبكرا لتكوين دولته الخاصة، ومراكز قوتها الخاصة التي ترتبط به شخصيا وجودا وعدما.

لا يطمئن للمؤسسة العسكرية

رغم أن السيسي هو أحد أبناء المؤسسة العسكرية، وأحد قادتها، وقد كان هو مرشحها الرسمي في 2014، إلا أنه لا يطمئن لها بشكل كامل بما فيها الحرس الجمهوري على عكس ما يبدو للعيان، ولذا فقد سعى لتكوين جيشه الخاص مبكرا ، وأعلن في 26 مارس 2014 عن إنشاء قوات التدخل السريع لأول مرة وهي القوات التي فاخر بقدرتها على الإنتشار في ربوع مصرخلال ست ساعات في مناسبة تالية، كما تفاخر السيسي عند الإعلان عن تلك القوات ( الجيش الخاص به) بأن السرعة في تأسيسها تمثل إعجازا حيث إن تأسيسها يستغرق وقتا طويلا في دول أخرى.، وقد أوضح المتحدث الرسمي للقوات المسلحة أن تلك القوات جرى تسليحها “وفقاً لأحدث نظم التسليح العالمية، مما يمكنها من الانتشار والتدخل السريع لتنفيذ كافة المهام بالتعامل مع الأهداف النمطية وغير النمطية، والوصول إلى مسارح العمليات داخل وخارج البلاد في أسرع وقت ممكن باحترافية وفي مختلف الظروف”.

لم تكن حملة السيسي الشاملة 2018 التي لا تزال تواصل عملياتها في سيناء بعيدة تماما عن مشاكل السيسي مع الدولة العميقة، وفي القلب منها القوات المسلحة، فقد صاحب عملية اعتقال الفريق سامي عنان تحديدا إضافة إلى العديد من الضباط الآخرين تذمرا لدى بعض الأوساط العسكرية، وبالتالي فقد أراد السيسي  شغلهم بهذه الحملة العسكرية، بعيدا عن التركيز عليه، إضافة إلى الأهداف الأخرى للحملة بطبيعة الحال.

وإذا كان جمال عبد الناصر قد أسس منظمة الشباب والتنظيم الطليعي اللذين خرج منهما غالبية كوادر الدولة في الستينيات فإن السيسي يسعى حاليا لتأسيس إطار شبابي بدأه بمؤتمرات الشباب التي يستجلب لها فئات مختارة من الشباب من المحافظات المختلفة، ثم أعلن عن تدشين أكاديمية وطنية لتدريب الشباب على غرار المدرسة الوطنية الفرنسية للإدارة، متجاهلا وجود أكثر من مركز قومي لإعداد القادة سواء مركز إعداد القادة في العجوزة أو مركز إعداد القادة في حلوان أو ذاك الذي يتبع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ، أو حتى أكاديمية السادات للعلوم الإدارية الخ، ولأن السيسي لا يؤمن بفكرة الأحزاب، ولم يسع لتشكيل حزب داعم له، حتى وان ادعت بعض الأحزاب القيام بهذا الدور، فإنه حريص على بناء تنظيم شبابي بمواصفات خاصة، تختلف بالتأكيد عن منظمة الشباب في الستينيات التي مهما اختلفنا معها إلا أنها خرجت العديد من الكوادر المثقفة فعلا بغض النظر عن سلبياتها الأخرى، بينما لا يريد السيسي شبابا واعيا حتى لا ينقلب عليه لاحقا، وإنما يريد شبابا غارقا في “النفعية” لا يستطيع منها فكاكا، يتربط مصيرهم بمصير السيسي نفسه وجودا وعدما، وهذا هو شان السيسي مع كل التشكيلات والتغييرات التي يؤسسها.

العاصمة الجديدة

كان تأسيس السيسي لعاصمته الإدارية الجديدة التي كلفت مصر مليارات الدولارات هو جزء من تصوره لدولته الجديدة أيضا ، ففي تلك العاصمة سيجمع حوله دواوين الحكومة ويحيطها بسور وحماية لتصبح هي المنطقة الخضراء التي لا يسمح بدخولها إلا وفقا لإجراءات أمنية خاصة جدا، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقد أنشأ السيسي قضاءه الخاص الجاهز دوما لإصدار ما يرغب من أحكام بالإعدام أو الأشغال الشاقة الخ، وأنشأ أيضا إعلامه الخاص غير مكترث بالإعلام التقليدي الموروث من أسلافه وخاصة قنوات وإذاعات ماسبيرو والصحف القومية، ليؤسس قنوات وصحف ومواقع جديدة أو يشتري قنوات وصحف ومواقع خبرية قائمة، عبر واجهات مدنية تابعة لجهاز المخابرات الحربية التي فرضت سيطرتها على 70% تقريبا من الإعلام الخاص الأكثر انتشارا في مصر، ولا تزال تتفاوض لشراء المزيد من القنوات والصحف، وهي حين تفعل ذلك فهي تستبطن ماحدث من تلك القنوات في انتخابات 2014 والتي أظهرت اللجان خاوية على عروشها من الناخبين فيما بدا أنه “كتف قانوني” من أصحاب تلك القنوات للرد على السيسي الذي طلب منهم إتاوات ضخمة لصندوقه “تحيا مصر”، كما تتجه مخابرات السيسي الحربية للسيطرة على الإنتاج السينمائي والفني  والبث الرياضي من خلال واجهات مدنية أيضا، ظهر بعضها مؤخرا مثل مصر للسينما وسينرجي للإنتاج وبريزنتيشن سبورت.

تتنوع مظاهر التأسيس الجديد لدولة السيسي التي يريدها أن تحل محل الدولة العميقة الحالية، بين بناء عمراني، ومؤسسي، وعسكري، لكن السؤال هل سيستطيع السيسي إكمال بنائه لدولته دونما مقاومة من الدولة العميقة التقليدية التي عرقلت العديد من خطط سابقيه وطموحاتهم؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام، وهو ما يستلزم أيضا تحركا قويا من المجتمع المدني لإنقاذ البلاد منه.  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة