الحكم بعمامة الدراويش ومباخر المشعوذين

عندما كان حسني مبارك نائبا لأنور السادات رصد أمن الرئاسة تردد «مبارك» على سيدة في حي مصر الجديدة وبالتحقيق تبين أنها عرافة مشهورة

الدروشة والسحر والشعوذة والارتكان إلى الغيبيات وعلى الموروثات الشعبية أمر طبيعي بين البشر وبين الشعوب وتختلف مستوياتها بحسب اختلاف الثقافات، وبحسب الظروف المحيطة بالشخص أثناء التعامل مع أي منهم، إلا أنها تصبح من الأمور والتصرفات الغريبة وربما الشاذة عندما يتعامل بها حكام أو وزراء أو مسؤولون كمفردات وأدوات يمارسون بها مهامهم الوظيفية.
بالأمس القريب قال وزير قطاع الأعمال المصري «عندي حل لكل الأزمات بس خايف من الحسد»!!، ومن قبله بررت وزيرة التضامن الزيادة السكانية في مصر بأنها نتيجة علاقة السلايف (السلفة زوجة أخو الزوج) ببعض!!!

 رب الدار بالدف ضارب

وكما يقول المثل المصري «إذا كان رب الدار بالدف ضاربا، فشيمة أهل البيت الرقص»، ونستطيع أن نستنتج أن رب الدار هنا هو كبيرهم الذي علمهم السحر، ذو البركة الإلهية التي جعلته يتصور أنه متساو بالأنبياء والمرسلين عندما قال في خطاب من خطاباته وهو يزكي نفسه بأنه صاحب قدرة على فهم أمور لا يفهمها بشر أنعم الله عليه بها مستشهدا بالآية القرآنية «وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء]، وساوى «السيسي» نفسه بسيدنا سليمان في أنه صاحب حكمة لا يفهمها بشر وبالتالي فلا يناقشه أو يجادله أي بشر، وهذا هو مربط الفرس والهدف على نحو ما سنرى.
الواقع يشير أن الارتكان إلى الغيبيات والسحر والشعوذة والبركة الإلهية حالة بشرية عامة منتشرة في العالم كله وحتى بين كثير من حكام العالم ومنهم حكام دول متقدمة جدا علميا كانوا يتعاملون سرا مع الغيبيات، ومن المنطقي أن ترتفع حدة الظاهرة في المجتمعات الأقل تقدما والبعيدة عن العلم وتقل في المجتمعات المتقدمة بحكم المنطق العقلي الذي يؤكد أن العلم ينزه صاحبة ويحميه من الارتكان للخرافات والغيبيات، وحتى الإيمان بالأديان في الدول المتقدمة يختلف عن الإيمان في الدول الأقل تقدما. ففي الحالة الأولي يرتكن إلى العقل والمنطق وفي الثانية إلى النقل واتباع رجال الدين وربما المتصوفة.
ما علينا المهم أن ندرك أن هناك فرقا بين ارتكان بعض الساسة والحكام إلى الغيبيات والبركة الدينية بفعل القناعة والوعي الشخصي وارتكان البعض الآخر لهذه الأمور بهدف عملي وهو الهيمنة والسيطرة على الشعوب وتبرير ديكتاتورية الحاكم باعتباره مُلهم من السماء أو الأرواح أو حتى الأشباح وهذا أمر يتعارض مع المجادلة والمناقشة وبالتالي مع مفردات الديمقراطية والمشاركة الشعبية، وهذا تماما يفعله معظم حكام مصر وخاصة الآن.
الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر كان في زيارة لمصر في منتصف السبعينيات وسأل عن سيدة غجرية تعيش في نزلة السمان وقال: إنها قابلته أثناء زيارة له لمصر في الستينيات وتنبأت بأنه سيصبح رئيسا للولايات المتحدة، هذا الأمر ظل في دائرة حياة الرئيس الأمريكي الخاصة ولم يخرج كأداة يستخدمها للتأثير على الشعب الأمريكي في الانتخابات أو للهيمنة عليه وفرض قرارات فردية بالتعارض مع الممارسة الديمقراطية، ولو فعلها «كارتر» لكان قد خسر الانتخابات الرئاسية، فوعي الشعب هو المحدد لسلوك الحكام والرؤساء وليست النوايا الحسنة.
و تشابهت حالات رؤساء كثيرين مع حالة «كارتر» منهم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش والروسي «بوتين» والفرنسي السابق «ساركوزي»، ولكن لم يستخدم أي منهم هذه الأمور أو المعتقدات الخاصة كمفردات للحكم، وذلك على عكس الخلط أو الاستخدام الذي استخدمه الرئيس السوداني السابق جعفر النميري في تفسير إجهاض مؤامرة للانقلاب عليه في محاولة لفرض صورة ذهنية عن قدسيته وتحصينه من السماء، فبعد الكشف عن المؤامرة روي النميري أنه عندما كان ضابطا صغيرا بجنوب السودان فوجئ بشخص غريب يظهر فجأة من بين الأشجار ويتنبأ له بالحكم والسلطان ثم يختفي وعندما تولى الحكم في السودان فوجئ بنفس الرجل يظهر في بيته ويترك عصا ثم يختفى وقال: إنه ظل محافظاً على تلك العصا لا يتركها من يده حتى كان اليوم الذي انكسرت فيه فحزن ولم يخرج من بيته إلى مبني الاتحاد الاشتراكي حيث الاجتماع السياسي المهم ليكتشف رجاله مؤامرة انقلاب عليه وقتله لينجو من القتل بسبب وجوده في منزله، وأصبح جعفر النميري أمام شعبه جنديا من جنود السماء وملهما من الله لا يناقشه بشري.
ونفس المنهج اتبعه رئيس دولة بورما «تان شوى» الذي استغل جهل شعبه وتأثره بالسحر والسحرة، فعندما أراد نقل العاصمة من مدينة «يانجون» لقرية اسمها «نيبيداو» داخل الغابات لا يوجد فيها مياه وكهرباء لأسباب تخص أمنه ومصالحه في الحكم، ولكي يقنع شعبه أشاع أنه قام بهذا الإجراء بسبب تنبؤ المنجم بسقوط الحكومة إذا لم ينقل العاصمة!!
أما الإعلام العراقي وقت حصار بغداد فأراد أن يقدم الدليل على أن انتصار صدام على الأمريكان هو حتمية يضمنها الله ووعد منه لعبده صدام، فنشر أن من أهم أدلة انتصار صدام على الأمريكان  هو وجود «شعرة» من رأس صدام داخل أي مصحف موجود في العراق، فكان كل من يفتح المصحف يجد شعرة في أي من صفحاته (وهذا أمر وارد حدوثه لسقوط شعر من القراء الكثر للمصاحف) فيرى برهان الله، وكثرت الشعيرات وانهزم صدام ووقع في الأسر وتم شنقه واحتل الأمريكان العراق.

 أهل الشر

ومن الظلم أن نخص «السيسي» وحده من بين الحكام المصريين باستخدام الخطاب المعتمد على الغيبيات والقدسية الإلهية فالأمر معروف منذ زمن لدى الحكام المصريين بنسب مختلفة وبأهداف مختلفة، وإن كانت حدته قد زادت في الفترة الحالية وانتقلت من الحاكم إلى الوزراء والمسؤولين، وربما نجد منهم من يضع الأحجبة السحرية في زوايا مكتبه أومن يطلق البخور وربما نجد منهم من يُطعم هيئة مكتبه بأفراد من عباد الله المباركين يجلبون له الرزق والنجاح ويصدون عنه مكائد أهل الشر، وهو التعبير الذي اعتاد «السيسي» استخدامه في خطابه السياسي للتأكيد على وجود متربصين بالوطن.
كان القصر الملكي في عهد الملك فؤاد والملك فاروق شاهدا على كثير من الأحداث التي تدور حول الأعمال والسحر سواء للإيقاع بين الملك وزوجته أو للوصال، وحتى بعد عام 1952 وانتقال مصر من الملكية للجمهورية لم يكن حكام مصر  بعيدين عن السحرة والمشعوذين فقد كانوا دائما في حالة إحساس بمؤامرات تحيط بهم ولم يكتفوا بالعسس والمخبرين الذين نشروهم لينقلوا لهم المعلومات والأخبار فلجأوا للغيبيات، ومنهم جمال عبد الناصر الذي كان له نصيب في جلسات قراءة الفنجان والأرواح والعفاريت مع الشيخ محمد لبيب، واقترن موت «ناصر» برواية عن سحر أسود قام به حاخامات يهود ينتمون لمنظمة اسمها «القابلاه» (التصوف اليهودي)، أدى لموت جمال عبد الناصر، وروي عن جيهان السادات أنها كانت تستعين ببعض العرافين في الكنيسة للحفاظ على حبها مع أنور السادات.

 نجم مبارك الصاعد

عندما كان حسني مبارك نائبا لأنور السادات رصد أمن الرئاسة تردد «مبارك» على سيدة في حي مصر الجديدة وبالتحقق تبين أنها عرافة مشهورة وكان يتردد عليها أمراء وملوك عرب، وعندما سألها أمن الرئاسة عن زيارات حسني مبارك لها قالت: إنه كان يسألها عن مستقبله السياسي وأنها قالت له إن نجمه سيصعد، ولم تكن هذه هي العلاقة الأولى لمبارك مع العرافين فقد روى أنه عندما كان ضابطا في السودان تقابل مع عراف سوداني تنبأ له بأنه سيصبح رئيسا لمصر، وكانت كل هذه الملابسات ممهدات منطقية لدراويش السلطة وكهنتها في مصر لكي يصدروا فتاوى حول جذور حسني مبارك الممتدة لآل البيت وأنه ضمن جماعة الأشراف ومن نسل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ماحدث بعد ذلك مع عبد الفتاح السيسي.

طبيب الفلاسفة

ورغم أن «السيسي» بدأ عهده بالهجوم على استخدام الخطاب الديني والغيبي في السياسة إلا أنه منذ اللحظة الأولى لم يتوقف هو ومريدوه عن هذا الخطاب الغيبي الديني بمبالغة وصلت إلى حد أنها أصبحت مادة للسخرية بين المصريين، فمثلا عندما بدأ «السيسي» في استخدام تعبير «أهل الشر» واتهامهم بأنهم يسعون لتدمير مصر وإسقاط نظامه، خرجت علينا مجلة علمية متخصصة وهي مجلة «لغة العصر» الصادرة عن مؤسسة الأهرام بفيديو زعمت أنه يظهر معارضين السيسي من أهل الشر وهم يستخدمون السحر الأسود لإسقاط نظامه!!!!!
ولم يتوقف «السيسي» عند حد مساواة نفسه بسيدنا سليمان، فقد خرج عنه تسريب صوتي قال فيه: «أنا من الناس اللي كان ليهم تاريخ طويل من الرؤى»
أما الكاتب محمد الباز رئيس مجلس إدارة جريدة الدستور والذي يعتبر نفسه أحد مفكري النظام الحاكم فقد وصف الرئيس السيسى بأنه ولى من أولياء الله الصالحين وكتب «لقد منح الله عبد الفتاح السيسي كرامات أوليائه الصالحين، وليس هذا تفخيما للرجل بقدر ما هو إقرار بواقع رأيناه بأعيننا، لا ينكره إلا من ختم الله على عقله وقلبه وضميره»، مضيفا: «إن الواقع يقول إن لدينا رئيسا يمتلك الرغبة الكاملة ليس في العمل فقط ولكن في تغيير وجه العالم».
ولم ينف السيسي عن نفسه الحكمة والقدسية والإلهام الإلهي والذي كما يقول أبهر العالم كله فقال أثناء لقائه بالجالية المصرية في ألمانيا «ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده، أبقى عارف الحقيقة وأشوفها، ودي نعمة من ربنا، اسمعوها مني، وزعماء كل الدنيا خبراء المخابرات والسياسيون والإعلاميون، وكبار الفلاسفة، قالوا للناس اسمعوا كلام الراجل ده».
الكلام كثير عن كرامات «السيسي» ومنها ما يتعلق بنبوءات حكمه منذ العهود الفرعونية ومنها ما يتعلق بعلم الفلك ومنها ما أشارت إليه أحلام ورؤى الصالحين.
الشاهد في نهاية مقالي أن معظم حكام مصر مارسوا بطشهم وظلمهم وفاشيتهم من تحت عمامة الدراويش والمشعوذين وفي أردية إيمانية زائفة، ولكن أكثرها تأثيرا عمامة الحكم الآن التي تتسع بسرعة رهيبة لإغراق المتبقي من الوطن لولا مقاومة المقاومين والشرفاء.
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة