مقالات

كيف قدّم الأدب فكرتي الخير والشرّ؟

تشترك الروايتان “الجريمة والعقاب” و”اللص والكلاب” في بحثهما عن فكرة الخير والشر، وبراعة الروائيين في رصد الحياة الداخلية للبطلين. لكنّهما تحتفظان بخصوصية المكان والعادات والتقاليد

الأشرار في الأدب العالمي:

تناول دوستويفسكي في معظم رواياته مفهومي الخير والشر والعلاقة بينهما، كما أثقلت عليه فكرة الحريّة والضرورة. تعمق في دراسة تلك العلاقة في روايته “الأخوة كرامازوف” ورواية الجريمة والعقاب. 
تحتل رواية دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” المرتبة الأولى في الحديث عن الجريمة وتحليلها والتعمق في نفسية البطل القاتل ودراسة أفعاله وتبريرها. وقد أخذ عن الرواية الكثيرون وحولوها إلى أفلام في السينما مع بعض التصرف لتناسب البيئات المتعددة التي صوّرت فيها.
يشعر القارئ أثناء القراءة بانجذاب للبطل وتعاطف كبير معه ويخرج في نهاية الرواية بقناعة تامة أنّ بطل الرواية على حق في كلّ ما قام به. لا يكمن السبب في الحقيقة بل بطريقة توصيل الفكرة وبراعة دوستويفسكي في تقديم شخصيته المنحرفة والمهدّمة داخلياً. لقد قام الروائي بدور خطير في ترسيخ مفاهيم وزرع أخلاقيات تتناسب والبيئة التي يحكي عنها والعصر الذي عاش فيه لكنّها مرفوضة تماماً في مجتمعات أخرى استطاع دوستويفسكي أن يتسلل إليها عبر رواياته وينشر فيها تلك الثقافة التي نستطيع أن نطلق عليها لفظ “هدّامة”.
هذه الرواية برّرت الخطأ بل جمّلته وحسّنت صورته، يقول دوستويفسكي على لسان بطل الرواية (إنّ الخطأ شيء رائع حقّاً؛ لأنّه يؤدي إلى الحقيقة). ورواية دوستويفسكي حافلة بالأقوال المؤسسة لثقافة مختلفة فهي تروّج أيضاً لسيادة القوي “بغير القوة لا يصل المرء إلى شيء والقوة لا تنال إلا بالقوة”. تكمن خطورة هذه المقولات أنّها جاءت على لسان كاتب كبير انتشرت كتبه عالمياً كالنّار في الهشيم وأسّس لنوع من الفكر والثقافة عن طريق أدبه، فحين يقول دوستويفسكي: “أن يخطئ المرء بطريقته الشّخصية خير من أن يردد حقيقة لقّنها إياه الآخرون”.  يبدو ظاهرياً أنّه يدعو للتفكير والتّجربة وعدم قبول الحقائق بسهولة، لكن من وجه آخر أيضاً ينسف دوستويفسكي كلّ ما هو حقيقي فالمرء يجب أن يجرّب ويخطئ والخطأ برأيه أفضل من حقيقة يلقّنها لنا الآخرون!

الأشرار في الأدب العربي:

اللص والكلاب:
اللص والكلاب الرواية التي شكّلت نقلة في أدب نجيب محفوظ، فهي أوّل رواية فلسفية ذهنية يكتبها نجيب محفوظ بحرفية عالية. دافع فيها عن بطله المظلوم “سعيد مهران” الذي حُمّل كلّ ما أراده الروائي من أفكار لم تؤثر على صناعة الحدث وسير الحكاية، فقد أخلص نجيب محفوظ لحكايته وتطورها الدرامي مع عمق دراسته للشخصية ولم تكن الأفكار المطروحة ثقيلة عليها، لقد قرأ اللص سعيد مهران تلالاً من الكتب على حدِّ تعبيره حين كان صديقاً لرؤوف علوان وهو ما يبرّر طريقته في التّفكير وفلسفته وتحليله للأمور. 
كانت حياة سعيد مهران “اللص” امتدادا لأفكار رؤوف علوان “الصحفي الانتهازي” الذي زيّن لسعيد مهران أن يسرق حين كانا فقيرين وصديقين، لكن بعد خروجه من السجن انقلب الحال، لقد أصبح رؤوف سيداً يسكن فيلا وله حرسه وسيارته وانشغالاته، لم يعد يأبه لسعيد ومصيره، 
سعيد فهم أنّ الكلام الطيب مكر، وأنّ الماضي لن يعود، وأنّه سيبقى في القاع لصاً منبوذاً ورجلا مقهوراً أنكرته ابنته وتزوج صديقه من زوجته أثناء سجنه ولم يبقَ أمامه سوى الانتقام.
الأفكار التي زرعها رؤوف علوان المثقف في ذهن سعيد مهران اللص عن الاشتراكية والفقر والغنى وأصحاب القصور أسست في وجدانه لفكر انتهازي اعتنقه من دون أن يدري الخطورة التي وضعه فيها رؤوف علوان، لقد وقع في الفخ، الأفكار العظيمة للصحفي المثالي.
الأفكار التي قادته إلى الاعتقاد بأنّه خلق لصاً ولا يصلح سوى لهذا العمل مع أنّه تعلّم الخياطة في السجن، أوّل بيت حاول سرقته هو فيلا رؤوف الذي كان مستعداً تماماً فقد عرف أنّه سيفعل ذلك معرفته لتحركات كلب ربّاه على يديه. هذا الموقف رسم لسعيد مهران خط سيره، لم يعد أمامه منفذ سوى الانتقام والبقاء في إطار اللصوصية التي قادته أيضاً للقتل. 
سارت الشخصية إلى نهايتها مخالفة توقعات القارئ ورغبته في أن ينجو سعيد مهران أو يجد منفذاً للهرب لكنّ نجيب محفوظ في روايته ذهب إلى النهاية الأكثر منطقية بالنسبة إلى فكرته الأساسية وهدفه من روايته.

بين لص محفوظ وقاتل دوستويفسكي: 

تشترك الروايتان “الجريمة والعقاب” و “اللص والكلاب” في بحثهما عن فكرة الخير والشر، وبراعة الروائيين في رصد الحياة الداخلية للبطلين. لكنّهما تحتفظان بخصوصية المكان والعادات والتقاليد والانتماء.
برع دوستويفسكي في سبر أغوار بطله “راسكو لينكوف” وكشف التناقضات في تصرفاته والشروخ التي أصابت روحه، وشرّح شخصيته بخبرة عالم في الطب النفسي. 
وفعل محفوظ ذلك في تقديمه لشخصية سعيد مهران، فهو لم يكتفِ بتقديم أفعال الشخصية وحكايتها بل غاص عميقاً في نفسية البطل ورصد التحولات والانفعالات وردود الأفعال وكلّ المؤثرات التي أدّت بسعيد مهران إلى امتهان السرقة وتحوله إلى مجرم في النهاية. 
لقد قدّم دوستويفسكي المبررات لبطله كما قدمها نجيب محفوظ، لكنّ محفوظ كان مقتنعاً وأراد أن يقتنع القارئ أيضاً بأنّ سعيد مهران يجب أن ينال العقاب على أفعاله مهما كانت المبررات والأسباب التي دفعته لارتكاب جريمته. 
ووجد دوستويفسكي مخرجاً لبطله بأن أحبّ سونيا التي دفعته للتكفير عن ذنبه بالاعتراف بجريمته، حكم عليه بالأشغال الشاقة سبع سنوات قضاها في سيبيريا حيث تبعته سونيا وتزوجته واستطاع المصالحة مع نفسه. 
المخرج نفسه كان بين يدي سعيد مهران فقد أحبّ “نور” العاهرة، كما أحبّ راسكو لينكوف سونيا، لكنّ نور لم تستطع إقناع سعيد مهران بتسليم نفسه والتكفير عن جريمته، مع هذا استسلم في النهاية عندما حوصر في المقبرة ونفد الرصاص من سلاحه.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة