عملية شرق الفرات.. هل تكتب نهاية “روج آفا”؟

ستعمل تركيا على مواجهة العبث السعودي الإماراتي بعمقها الاستراتيجي، والذي بدأ منذ فترة بزيارات قام بها وزير الدولة السعودي ثامر السبهان إلى محافظة الرقة.

” تركيا خسرت ما يكفي من الوقت حيال التدخل في مستنقع الإرهاب شرقي نهر الفرات بسوريا ولن نتحمل تأخير يوم واحد” ..
هكذا لخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمته الجمعة 14 ديسمبر/كانون الأول التحديات الضخمة التي واجهتها تركيا خلال السنوات الماضية نتيجة تعاظم المخاطر على حدودها الجنوبية ..
في ظل تصاعد النزعات الانفصالية التي يقودها حزب العمال الكردستاني (PKK) وأذرعه السورية سواء على الصعيد السياسي والمتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، أو العسكري الذي يمثله وحدات الحماية الكردي  (YPG) ..
هذه التنظيمات المترابطة تعمل وبدعم إقليمي ودولي على إنشاء ممر انفصالي شمالي سوريا أو ما يعرف بـ”روج آفا” والتي تعني في الأدبيات الكردية “غرب كردستان” أما بقية تلك المناطق فهي كالتالي: شرق كردستان في إيران، شمال كردستان في تركيا، جنوب كردستان في العراق.
و”روج آفا” تتكون من ثلاث مناطق رئيسية هي: عفرين، وعين العرب “كوباني”، ومنطقة الجزيرة السورية.
وهنا نتذكر كيف مثَّل سقوط كوباني في يد تنظيم داعش في سبتمبر/أيلول ٢٠١٤ صدمة مدوية لدى المكونات الكردية الانفصالية ما حمل حزب الشعوب الديمقراطي التركي على دفع عناصره إلى شوارع العديد من المدن التركية في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، والقيام بأعمال تخريب واسعة أسفرت عن سقوط قرابة خمسين قتيلا، وخلفت أضرارا مادية كبيرة، وهي القضية التي ما زال الرئيس السابق للحزب صلاح الدين دميرطاش مسجونا بسببها حتى الآن.
لكن الأكراد عادوا واستعادوا كوباني بعد دعم واسع من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وسماح تركيا لقوات البشمرجة العراقية للوصول إلى المدينة عبر المرور من أراضيها.
تلك التطورات أدت إلى توسع الأحلام الكردية خاصة عقب الدعم الهائل الذي تلقته من الولايات المتحدة منذ عهد إدارة الرئيس باراك أوباما والذي شهد طفرة كبيرة مع تسلم ترمب مقاليد السلطة الذي أمد وحدات الحماية الكردية بمئات الشاحنات المحملة بالأسلحة الثقيلة والمعدات العسكرية تزامنا مع رصد البنتاغون مئات الملايين لدعم التنظيمات العسكرية الكردية بزعم مكافحة تنظيم داعش.
هذه التطورات اللوجستية ترجمت على الأرض باستيلاء الأكراد على محافظة الرقة عقب طرد داعش منها، في أكتوبر  من العام الماضي، ورغم أن المكون العربي هو الذي يصبغ الرقة إلا أن ثمة مخاوف حقيقية من إعادة هندسة التركيبة الديموغرافية كما حدث في تل أبيض وتل رفعت وغيرهما من قبل، ما يفتح المجال لضمها إلى “روج آفا”.

 وتحت لافتة مكافحة داعش عبرت التنظيمات المسلحة الكردية تحت مظلة التحالف الدولي إلى غرب الفرات، وسيطرت على منبج الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للحديث عن توسع حدود الفيدرالية الكردية من الحسكة غربا إلى إدلب شرقا بغية تأمين منفذ للفيدرالية على البحر المتوسط، كما صدرت تصريحات بإمكانية ضم سنجار شمال غربي العراق إلى ذلك الكيان.
تطورات الشمال السوري شكلت تحديا وجوديا أمام تركيا التي شنت عمليتين عسكريتين هما درع الفرات وغصن الزيتون نجحت فيهما من طرد تنظيم داعش من جرابلس وأعزاز ومرج دابق وصولا إلى مدينة الباب ..
 كما طردت وحدات الحماية الكردية من عفرين ونواحيها والتي تشكل – كما قلنا – جزءا أساسيا من منطقة “روج آفا” 
توقف العمليات العسكرية عقب دخول عفرين، لم يكن يعني انتهاءها بقدر ما كانت تمثل استراحة تحتاجها تركيا لإعادة ترتيب البيت من الداخل وإتمام التحول للنظام الرئاسي وإنهاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وبينما كان الجميع يتوقع أن تكون وجهة العمليات المقبلة صوب منبج غربي الفرات إذ بالإعلان التركي على لسان رئيسها أن وجهة القوات شرق الفرات فما الأسباب التي دفعت أنقرة إلى اتخاذ ذلك القرار؟ على الرغم من مخاطره العالية في ظل احتمالية الصدام مع القوات الأمريكية.

الأهداف التركية من العملية العسكرية المرتقبة

1-    استكمال وأد فكرة إنشاء “روج آفا” خاصة في أعقاب نجاح عملية غصن الزيتون في السيطرة على عفرين التي تمثل مفصلا مهما في الفيدرالية، التي توقف تمددها غربا صوب إدلب..
لذا فإنه من المتوقع أن تكون الوجهة المقبلة للقوات التركية ومعها قوات الجيش السوري الحر هي مدينة عين العرب “كوباني”، وقد تنتهي تلك العملية على الأقل مرحليا بالسيطرة على تل أبيض والانتظار لمرحلة تالية للوصول إلى الحسكة والرقة؛ أخذا في الاعتبار أن العملية ربما تمتد إلى سنجار في العراق وهو ما بدأت إرهاصاته بالهجوم الجوي الذي شنته عليها المقاتلات التركية يوم الجمعة 14 ديسمبر.
2-    هدف آخر تسعى إليه تركيا وهو التخلص من العبث الأمريكي الواضح بأمنها القومي من خلال إصرار واشنطن على مساعدة التنظيمات الانفصالية التي انتهت بإنشاء نقاط مراقبة على الحدود التركية السورية، وقالت إنه لمتابعة الأنشطة الإرهابية مع تأكيدها على الالتزام بحفظ أمن تركيا ..
لكن التصريحات السلبية الصادرة من أنقرة تجاه تلك الخطوة، عكست ارتيابا في النوايا الأمريكية من إنشاء تلك النقاط، وتحدثت دوائر إعلامية مقربة من دوائر السلطة عن المهمة الحقيقية لتلك النقاط في حماية التنظيمات الانفصالية.
3-    كما ستعمل تركيا على مواجهة العبث السعودي الإماراتي بعمقها الاستراتيجي، والذي بدأ منذ فترة بزيارات قام بها وزير الدولة السعودي ثامر السبهان إلى محافظة الرقة بصحبة المبعوث الأمريكي في التحالف الدولي بريت ماكغورك وذلك بزعم بحث إعادة إعمار المدينة عقب طرد تنظيم داعش منها..
 لكن ما تكشف لاحقا عن دعم الرياض وأبو ظبي للميليشيات الكردية عرَّى تلك الفكرة، ووضع أنقرة أمام تحد جديد تزامنا مع الحديث عن تشكيل قوات عربية تعرف بـ “الناتو العربي” بزعم حفظ الأمن شمالي سوريا ..
 لكنها في الحقيقة ستمثل دعما للممر الانفصالي شمالي سوريا، تمهيدا لمد التصدعات والتجزئة إلى المناطق ذات الغالبية الكردية داخل تركيا .. 
حالة ربما تعيد إلى الأذهان مجددا ما واجهته الدولة العثمانية أواخر أيامها من أحداث مشابهة. الأمر الذي دفع رئيس تحرير صحيفة يني شفق إبراهيم قاراغول إلى استهداف وليي عهد السعودية وأبو ظبي بهجوم كبير قال فيه: ” أتظنون أنّ الحرب الذي أطلقها وليّا العهد السعودي محمد بن سلمان، والإماراتيّ محمد بن زايد ضدّ تركيا مقتصرة على قضية جمال خاشقجي؟
لقد بدأت معركتهما مع تركيا منذ وقت طويل، بدأت بالحرب في سوريا، بدأت بشرق الفرات، بدأت بالمحور “الإماراتي – السعودي – المصري – الإسرائيليّ” الذي أقيم ليعادي تركيا، وأمّا جريمة خاشقجي فقد كانت حيث ارتكبوا “خطأ” وألقي القبض عليهم متلبسين بالجرم.”

عملية شرق الفرات بين الواقع والمأمول

تشير بعض التقديرات إلى أن العملية المرتقبة قد تختلف في سيرها عن عملية غصن الزيتون السابقة التي اعتمدت استراتيجية التطويق البطئ لعفرين من ثلاث جهات والسيطرة على التلال والمرتفعات الاستراتيجية ثم اقتحام المدينة بأقل كلفة بشرية خاصة في أوساط المدنيين، وإجبار مسلحي تنظيم وحدات الحماية الكردية على الهروب وإخلاء المدينة.
أما في شرق الفرات فقد تلجأ تركيا إلى قصف الشريط الحدودي الممتد من شرق الفرات والذي يبلغ طوله حوالي ٥٠٠ كليو متر، وقصف النقاط التي يتمركز فيها التنظيم والتي تقدر بعشرات نقاط الارتكاز حيث يمكن للطائرات التركية التوغل نحو ٣٠ كيلو مترا داخل سوريا، مع قدرة المدفعية على ضرب أهداف في العمق السوري حتى مسافة ٤٠ كيلو مترا، الأمر الذي سيجبر المسلحين على إخلاء مواقعهم والاتجاه شرقا.
لكن الإشكالية الحقيقية التي ستواجه تركيا هو احتمالية الصدام مع القوات الأمريكية الموجودة بكثافة في تلك المنطقة، ذلك التخوف دفع البنتاغون لرفض العملية المرتقبة ووصفها بـ “غير المقبولة”، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان أردوغان بدء العملية خلال أيام.
لا شك أن تركيا استبقت الإعلان بدراسة جميع السيناريوهات وتداعياتها المتوقعة لكنها يبدو أنها اتخذت قرارها بمواجهة الأخطار بدلا من الانتظار حتى تدهمها في أنقرة وإسطنبول، ما يعني أن حلم “روج آفا” الذي تبدد بعضه في عملية غصن الزيتون قد يتم القضاء عليه مع دخول القوات التركية إلى عين العرب “كوباني” على الأقل في المرحلة الحالية. 
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه