أنقرة والرياض ومعركة تكسير العظام

السيناريوهات السعودية الجديدة، الرامية لتوريط أنقرة ومطالبتها بإلقاء القبض على عدد من العاملين لديها بحجة تورطهم في الجرم مع الجناة، دفع الاخيرة إلى تغيير سياستها

  
 
 
بات من الواضح أن الرياض حسمت أمرها بعد فترة من التصريحات الدفاعية الرخوة عقب اتهامها بالضلوع في جريمة اغتيال الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، وقررت الدخول في صراع علني مفتوح مع أنقرة، والمضي قدما في إثارة المشاكل كمحاولة أخيرة منها للخروج من مستنقع تلك الجريمة بأقل قدر ممكن من الخسائر، وإبعاد اسم ولي عهدها محمد بن سلمان بأي ثمن عن هذا الموضوع تماما، ولامانع من جر تركيا التى ترغب في كشف كافة حقائق وملابسات الجريمة إلى ذلك المستنقع؛ والزج بها إلى أتون المعركة التى سعت لوضع الرياض فيه.
 
إذ بدأت تنتشر على المواقع الاخبارية الالكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي بعض المقالات والمعلومات مروجة لأولى تلك السيناريوهات التى وقع اختيار بن سلمان عليها للبدء به، على ان يتم تنفيذ باقي السيناريوهات تباعا، رغم حجم المخاطر التى تحيط بكامل هذا المخطط الجهنمي، في ظل عدم التأكد من النتائج التى يمكن أن يفضي إليها، أو الصراعات التى قد تنتج عنه، مع إصرار تركيا وتصميمها على كشف الحقيقة كاملة من دون مواربة.
 
  المخططات السعودية للمواجهة
فمحمد بن سلمان – وفق المتداول – وافق على مقترح أحد مستشاريه للخروج من تلك الأزمة، وهو المقترح الذي يقر مبدأ رد الصفعة بمثلها تماما، فإذا كانت أنقرة أعلنت أن لديها تسجيلات وأدلة تؤكد أن من قاموا بعملية اغتيال خاشقجي تلقوا أوامرهم من شخصية قيادية في المملكة، فلم لاتقوم الرياض بعمل تسجيلات مضادة؟
 
تسجيلات تحوي اعترافات لعدد من المتهمين يعترفون فيها بأنهم أقدموا على خيانة وطنهم وأميرهم، وأنهم تعاونوا مع عناصر من استخبارات كل من الدوحة وأنقرة وبعض المنظمات الإرهابية المحظورة للقيام بعملية اغتيال خاشقجي داخل القنصلية، مستغلين في ذلك علاقتهم بالقصر الملكي بالرياض، ووجودهم المستمر بالقرب من ولي العهد محمد بن سلمان والعمل وفي خدمته، الأمر الذى سهل عليهم تنفيذ المخطط الشرير الذى رُسم لهم، معربين عن شديد أسفهم لما بدر منهم في حق ولي العهد والمملكة، طالبين من الشعب السعودي أن يسامحهم على ما ارتكبوه في حقه وحق بلادهم، واستعدادهم لتلقي العقاب المناسب على فعلتهم.  
 
حجم وأبعاد المؤامرة
الرئيس رجب طيب أردوغان لم يكن بعيدا عما يخطط له أولو الأمر في الرياض منذ البداية، بدا الرجل مدركا تماما لأبعاد المؤامرة الجديدة التى تستهدفه شخصيا وتستهدف استقرار بلاده، ولديه من الأدلة والمستندات مايؤكد أن جريمة اغتيال خاشقجي كان مخططا لها بسيناريو يختلف تماما عن المنحى الذى اتخذته، إذ إنه وفق الفيديوهات المأخوذة من كاميرات الأمن أمام القنصلية السعودية، والتى بثتها الرياض نفسها فقد كان من المفترض أن يتم الإعلان سعوديا عن اختفاء جمال خاشقجي في إسطنبول في أعقاب خروجه من مقر القنصلية، ويبث الفيديو الذى يتحدث عن دخوله قنصلية بلاده وخروج شبيهه منها على أنه هو، لتبدأ حملة إعلامية شرسة ضد تركيا واتهامها بعدم الأمن والأمان، والتسبب في اختفاء شخصيات عامة، ولنا في خاشقجي عبرة، تليها حملات تحذير للسياح من التفكير في الذهاب إلى تركيا التى تفتقر لأبسط القواعد الأمنية بما يستحيل معه الشعور بالأمان الشخصي، وهي الحملة التى كانت تستهدف تحقيق هدفين: أولهما ضرب الاقتصاد التركي في مقتل عبر قطاع السياحة، أحد أهم روافد الدخل القومي التركي، بعدما باءت مؤامرة ضرب الليرة بالفشل.
 
وهو الأمر الذي كان سيضع الحكومة التركية في موضع المتهم، وخنق قدرتها على كشف الحقيقة تحت ضغط مطالبتها بالكشف عن مكان جمال خاشقجي الذي اختفى على أراضيها بعد أن قاموا بتقطيع جثمانه وتذويبه حتى لايظهر له أثر، الشيء الوحيد الذي لم يكن في حسبان هؤلاء المتأمرين أن تصحبه خطيبته إلى القنصلية وتحتفظ بهاتفه المحمول معها، لينهار المخطط بأكمله على رؤوس أصحابه، وينقلب السحر على الساحر.
 
من هنا كان تشدد أردوغان؛ وإصراره على اجراء تحقيق شفاف للوقوف على ملابسات هذه الجريمة، وكشف المتورطين فيها أيا كانت شخصياتهم ومكانتهم، وأسبابها، فالهدف الذي كانت تركيا ـ وما زالت ـ تسعى إليه هو فضح تفاصيل المؤامرة التى تستهدفها في المقام الاول أمام الرأي العام العالمي، والتي راح ضحيتها المغدور.
 
    تحول الموقف التركي
ورغم أن تركيا كانت حتى وقت قريب حريصة على بقاء شعرة معاوية في علاقاتها مع المملكة السعودية، وتتعامل بكل حذر للوصول إلى كشف الحقيقة، مع عدم المساس بالعلاقات الدبلوماسية مع البلدين،فإن السيناريوهات السعودية الجديدة، الرامية لتوريط أنقرة ومطالبتها بإلقاء القبض على عدد من العاملين لديها بحجة تورطهم في الجرم مع الجناة، دفع الأخيرة إلى تغيير سياستها الدبلوماسية التى اعتمدتها خلال الفترة الماضية، لذا قامت بعرض التسجيلات التي بحوزتها على قادة دول العالم في أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا، وتسريب محتوى الحقائب التي كانت بحوزة فريق الاغتيال عند قدومه إلى تركيا وعند الرحيل عنها إلى وسائل الاعلام، التي قامت بنشره على الملأ ، وأخيرا المطالبة على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو بضرورة إجراء تحقيقات دولية للكشف عن خبابا تلك الجريمة البشعة، بعد أن أصبح واضحا أن الرياض تسعى بكل إصرار للتغطية على من أصدر التعليمات لقتل خاشقجي وحمايته.
 
  العالم ينتظر الحقيقة
الأمر الذي يعني تحولا تاما في موقف تركيا، وفي تعاطيها مع مجريات أمور تلك الأزمة، التى يبدو أنها ستشهد صراعا عنيفا بين مختلف أطرافها خلال الفترة المقبلة، بعد أن اتضحت الصورة الكاملة لحجم وأبعاد المؤامرة التى تحاك ضد أنقرة من قبل بعض الإخوة في المملكة، وإصرار القائمين على الأمر هناك على حمايتهم وعدم محاسبتهم عما اقترفوه من إثم، والسعي إلى نشر الأكاذيب التى تحقق لهم هذا الهدف.
لتزداد الأمور تعقيدا أمام المملكة، وتبدو محاولاتها لإقناع العالم بروايتها الجديدة الهزيلة والتي لاترقى لوحشية الجريمة التى قام بها رجالها في إسطنبول، بعد أن بدأت تركيا في نشر بعض من التسجيلات والأدلة الموجودة لديها، والتى تدين مسؤولين في المملكة، وجعلت العالم كله على دراية بها وينتظر بشغف الكشف عن باقي حقائقها، تلك الحقائق التى ستقضي على ماتبقى لها في نفوس المسلمين من احترام للمسؤولين مباشرة عن تلك الجريمة الوحشية، مع أنهم يتولون الإشراف على أقدس بقاع الارض.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه