مادَخل العرب بالهالوين؟

 

  من البلاهة أن أستهل هذا المقال بتعريف “الـهالوين”، فالعرب مُستغنون عن هذه الترجمة. لا لِسعة اطّلاع أو شغفٍ بالانثروبولوجيا أو حتى بالوثائقيات لا سمَح الله، ولكن شغفا بالأمرَكة. فالعرب يُقبلون طَوعًا على مُحاكاة مظاهر نمط العيش الغربي لمُعطيات نفسية طافت على سطح شخصية العربي مؤخرا تُؤكّد أزمة هويّة مُتنامية.

أرض الحرمين

   ما الغاية من تعريف أصل هذه المناسبة ووصول الاحتفال بها إلى  “أرض الحرَمين”؟ فالشباب السعودي بلغ من التّحرّر مبلغ تنظيم حفل هالوين منذ أيام في الرياض، اختلط فيه العاري باللابس وأُطلق فيه العنان لخرق حدود حسبناها كبائر في أعراف المملكة. حفلٌ بدا مُحكم التفاصيل والتّأمين، ثم قيل إنّ “القيادة الحكيمة” غاضبة وقد وعدت بمحاسبة مُنظّميه.

   كان من المُمكن أن نتغاضى عن الانتشار المُحتشِم للاحتفالات بالهالوين وأعياد رأس السنة الميلادية في البلدان العربية لو اقتصر الأمر على فهم الظاهرة في إطار النتائج الطبيعية لِلعَولمة، أمّا وقد صار الأمر مُلفِتا ويندرج في إطار مشروع احتلال ثقافي جارِف، فالحاجة للتعليق أصبحت واجبة.

أعداء الفرح

  حين يتعلّق الأمر بإحياء احتفالات رأس السنة الميلادية في وسائل الإعلام العربية والفضاءات التجارية، يتّهم المحتفلون ناقديهِم بأنهم أعداء الفرح، منغلقون، رجعِيّون، لا يتفهّمون أن هذه المناسبة اجتماعية أكثر منها دينيّة. وأنّ إحيائها مَحمود باعتباره مُؤشّر تصالح مع الثقافات الأخرى ولا يُهدّد خصوصِيّة العربي المُسلم في شيء. وفي المُقابل، ينسف “الرجعيّون” وجاهة هذا التبرير الأخير بالتّساؤل عمّا إذا كان امتناع المجتمعات الغربية عن مجاراة احتفالات المسلمين بأعيادهم الدينية مُؤشّر انغلاقٍ مثلا؟  لكن ورغم الجدل القائم، تكاد لا تخلو مدينة عربية في السنوات الأخيرة من مظاهر الفرح والاحتفال في أعياد راس السنة والفالنتاين (عيد فرح وحب أيضا) في تعبير صريح أن الأمر لا يتعلّق بمؤامرة ثقافية من الخارج بل إن المُواطن العربي/ المُسلم فاعِلٌ جدا فيه.

في تونس يحدث

   ففي تونس مَثلا، أصبح نمط عيش السّواد الأعظم من الأُسر في المدن دليلا واضحا على تمكّن مشروع التّصحير الهُووي من أطفالهم، والذي “تنفّذه” بكل تفانٍ وسائل الإعلام والمدارس الخاصة. وللأمانة، لا يُبدي البعض منهم تذمّرا من هذا المشروع، بل تجدهم شاكرين لكل مايُجرّدهم من أصولهم العربية الإسلامية. وهو أمر مفهوم جدا باعتبار أن هؤلاء الآباء تربّوا على عقدة الفوقية الفرنسية (تحديدا). أما المُقاطعون فيُعدّون على الأصابع. وأمّا أؤلئك الذين يتظاهرون بمقاومة هذا المشروع المستورد الهدّام، فتجدهم مُستسلمين لنمط الحياة العصري بكل تفاصيله بِدعوى إرغامات الحداثة. يُسلّمون فلذات أكبداهم كل صباح للمدارس الخاصة لترسم الخطوط العريضة لوعيهم بالمقاييس الغربية المستوردة. مدارس خاصة تنهب عرق الآباء الكادحين مقابل تعليم وشهادات “أجنبية” تفوق قيمتها في أسواق الشغل، التعليم المحلّي. لكن، وعلى مدى سنوات التعليم هذه، وَجَب على الآباء أن يُجاروا بأنفسهم ثقافة الأبناء التي يجلبونها من المؤسسة التعليمية. وشيئا فشيئا، يصبح الاحتفال برأس السنة (وربما عيد ميلاد المسيح وشجرته وهداياه) والفالنتيان والهالوين مناسبات مُقدّسة لا نقاش فيها، وإذا مانع الأب في إحياء الهالوين مثلا، فستُنفق الأم ولو خلسة لاقتناء متطلبات ديكور البيت والـ “خِرقٍ” المُخصّصة لهذه المناسبة في الفضاءات التجارية لإحداث أكبر قدر من التّرويع من أجل “إدخال البهجة” على نفوس الأطفال. ولا غرابة في أن تكون نفس هذه العائلات، حريصة على التذكير بـ “خصوصية” هويتهم العربية الإسلامية من حين لآخر لتخفيف الإحساس بالذنب تُجاه التفريط في مسؤوليّتهم في رسم وعي أبنائهم.

في مرحلته الوثنية

 العجيب أن الهالوين بشكله الهوليودي الجديد ساهم في تشويه المعنى الحقيقي للمناسبة الأصلية. فالاحتفال لم يكن يوما ترويعًا خالصا حتى في مرحلته الوثنية. أما التعديل الذي أجرته الكنيسة بإدماجه مع عيد القديسين منذ أكثر من 1500 سنة فكان إيجابيا جدا، إذ أصبح مناسبة لترسيخ معاني الحب وتجديد صلة الرحم باسترجاع العائلة ذكرى فقيديها وتَمَثّل العيش مع أرواحهم ليلة الـ 31 من أكتوبر/ تشرين الأول. وككل احتفال استبدّ به النظام الراسمالي الخبيث فحوّله الى مناسبة تجارية، فقد زاد الهَوَس بالهالوين حتى صار ثاني أكبر مناسبة تستنزف ميزانية المواطن الأمريكي بعد أعياد الميلاد. أمّا الخيال الهوليودي فقد اختصره في “الترويع”، وتفنّن في تأثيث ذاكرة المحتفلين بأفكار وصُور تعتمد التمثيل بالدّم والعنف من أجل بثّ الرعب في النفوس.

  والأعجب أن خيال المُحتفلين لم يَعد مُكتفيا بالأفكار الهوليودية، بل تاق في السنوات الأخيرة إلى أفكار طازجة وواقعية. فبعد أن شاعت موضة التنكر بأزياء الدواعش، هاهو الزي الخليجي والمنشار هذه السنة يطفو على ملامح بعض المحتفلين في أمريكا وكندا كآخر صيحة.

   بأيّ حال من الأحوال، لا أعتقد أن الهالوين يحمل جماليّة فريدة يمكن أن تُبرّر لمواطن عربي إقباله على الاحتفال به فحياتنا مُفعمة بمظاهر العنف والدم والترويع، وأينما ولّينا وجوهنا فستزكمنا رائحة الدّم المنساب من ضحايا الديكتاتوريات وستُخزّن ذاكراتنا مشاهد رعب وتقتيل وتجويع واقعي يعيشها إخوتنا في أغلب بلدان العرب. ولا أجد تفسيرا لاحتفال العرب بالهالوين سوى الاستسلام لآلة الاستهلاك الجارفة انبهارا بصانِعها.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه