هل آن الأوان لذبح البقرة؟

إنهم جبناء يملكون المال، ولا يملكون الشجاعة”، وفي مايو/أيار 2015 وصف ترمب، السعودية بـ”البقرة الحلوب”.

 

في حوار أجرته المذيعة الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري مع “دونالد ترمب” عام 1988، قال فيه: “سأجعل حلفاءنا يدفعون ما عليهم من حصص، إنهم يعيشون كالملوك، أفقر شخص منهم يعيش كالملوك ومع ذلك لا يدفعون، ونحن نوفر لهم إمكانية بيع نفطهم لماذا لا يدفعون لنا 25 في المئة مما يجنونه؟”.

وخلال حملته الانتخابية في عام 2016، قال ترمب أيضا: “دول الخليج لا تملك سوى المال سأجعلهم يدفعون، نحن مدينون بـ 19 تريليون دولار لن ندفعها نحن، هم سيدفعون”. 

المملكة تحت قصف لسان ترامب

إذن خطط ترمب لسحب المليارات من الخزائن الخليجية ليست وليدة الأشهر والسنوات الماضية، وإنما هي عائدة إلى 30 عاما خلت، وخاصة ما يردده دائما عن المملكة العربية السعودية، والتي أصبحت فى الآونة الأخيرة هى الخزينة الأمامية للنظام الأمريكي منذ أن تولى ترمب الرئاسة.

لم يظهر الكلام الخاص بالمملكة بهذه الصورة المكشوفة إلا فى عهد ترمب، وواضح للأسف أنه ليس محكوما بتقاليد الرؤساء والقادة السياسيين؛ فهو تاجر، ومن كثرة وضوحه أصبح الأمر سخيفا ووقحا الى حد كبير، فهو يفضح أصدقاءه قبل اعدائه لأن مهنته علمته الوقاحة والصراحة المفضوحة، إنه لا يخشى شيئا، وما يجول فى نفسه يقوله على الملأ، من دون خجل ولا وجل.. وهو متزوج من عارضة  كانت تظهر على أغلفة المجلات عارية من دون خجل، فهل سيضحي زوجها “خضرة الشريفة” مثلا؟ ولأن الطيور على أشكالها تقع كما يقول المثل، فلا تثريب على ترمب فيما يفعله، فقد وصف الجنرال السيسي بصفة ولفظ خارج وقح، ولم ينبس الجنرال ببنت شفة، وإن كان الرد قد جاء سريعا بالتودد اليه ومقابلته على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة! كما أنه ظهر معه فى الصور وهو فى قمة السعادة والحبور؛ لأن الكاوبوي ما زال راضيا عنه ولم يرفض مقابلته، أما ما ذكر  الصحفي الأمريكى على لسان ترمب، فبرره الصحفيون والإعلاميون الذين يدافعون عن الجنرال بأن الجملة فيها اختلاف كبير فى الترجمة للعربية وأنه يستهدف معنى جميلا .

إهانات متكررة

ونعود إلى معاملة ترمب للسعودية التي يطالبها كل فترة بدفع الملايين للخزانة الأمريكية في صورة صفقات أسلحة لا تستخدمها المملكة واستثمارات بالمليارات، ولم يكتف خلال جولته السابقة لدول الخليج والتي أخذ فيها من المملكة ما تجاوز الـ 460 مليار دولار، فأصبح كل فترة يهين المملكة والملك بكلام ينتقص من سيادة وكرامة الأخير، وذلك من دون رد من المملكة بدعوى أن “ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب” وأن العلاقة بين المملكة وأمريكيا علاقة زواج كاثوليكي لا فكاك منها سوي بالموت.

بعيدا عن الود المتبادل بين أمريكا والسعودية حاليا، فإن  هناك تاريخا طويلا من الإهانات وجهها ترمب للسعودية، أغلبها كانت إهانات مشغولة بالوضع الاقتصادي للسعودية، باعتبارها الدولة الغنية التي لا تدفع ثمن حمايتها، حيث كتب في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 على حسابه الشخصي بموقع تويتر مهاجما السعودية، في نص تغريدته: “السعودية لا تملك سوى الألسنة والتخويف، إنهم جبناء يملكون المال، ولا يملكون الشجاعة”، وفي مايو/أيار 2015 وصف ترمب السعودية بـ”البقرة الحلوب”، معتبرا أنها ذهب ودولارات بحسب الطلب الأمريكي، وطالب السعودية بدفع ثلاثة أرباع ثروتها مقابل الحماية التي تقدمها القوات الامريكية لها داخلياً وخارجياً.

البقرة الحلوب

وقال ترمب الذي كان مرشحا للرئاسة الأمريكية وقتها: “آل سعود يشكلون البقرة الحلوب، ومتى ما جف ضرع هذه البقرة ولم يعد يعطي الدولارات والذهب؛ عند ذلك سنأمر بذبحها أو نطلب من غيرنا ذبحها أو نساعد مجموعة أخرى على ذبحها وهذه حقيقة يعرفها أصدقاء أمريكا وأعداؤها وعلى رأسهم آل سعود”.

كما عيرهم بأنهم هربوا في حرب الخليج، وأنقذهم المارينز من صدام، ومؤخرا وفى تصريح يخالف أبسط الأعراف الدبلوماسية، قال أمام تجمع انتخابي في ولاية ميسيسبي وسط الولايات المتحدة: “نحن نحمي السعودية، ستقولون إنهم أغنياء، وأنا أحب الملك سلمان، لكني قلت له “أيها الملك، نحن نحميك، ربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين من دوننا، وعليك أن تدفع لجيشك”.

وجاء موضوع اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجى منذ دخوله قنصلية بلاده في تركيا؛ ليعطي لترمب الفرصة لحلب المزيد من ضرع البقرة كما قال سابقا، وفي نفس الوقت سوف يجبر المملكة على تقديم المزيد من التنازلات في قضايا معينة، بالإضافة طبعا لمليارات الدولارات.

ولن يفوّت ترمب هذه الفرصة؛ وسيخرج منها بمكسب كبير، وليست الحريات ما يشغله، فجمال خاشقجى لن يمثل له إلا مليارات الدولارات التى سوف يجلبها من المملكة لتحسين وضعه بعد سلسلة الأزمات التى تلاحقه واستقالة بعض معاونيه مؤخرا،  فهو لن يقطع علاقاته ولا يفرض عقوبات بسبب موت شخص ولا ألف شخص مثل خاشقجي؛ فهو يرى أن التجارة شطارة والحى أبقى من الميت، وظهر ذلك في تصريحه مؤخرا، والذي قال فيه على خلفية اختفاء الكاتب والإعلامي جمال خاشقجي: “لا أريد أن أوقف بلدا عن إنفاق 110 مليارات دولار، وهو رقم قياسي في كل وقت، لندع روسيا تأخذ تلك الأموال، أونترك الصين تفعل ذلك”.

خاشقجي الكنز الجديد

وهناك من يصف سياسة ترمب الخارجية بأنها تسير وفق عقلية التاجر، بل وحتى تقديم خدمات عسكرية مقابل المال، كما جاء في مقال إيشان ثارور، المعلق في صحيفة “واشنطن بوست”. ويقول ثارور “إن الطريقة التجارية التي تسيطر على ذهنه غالبا ما تقوده للحكم على الأمور”، قاصدا الرئيس الأمريكي في كلامه.

وقبل اختفاء الكاتب السعودي “جمال خاشقجي” كانت له رؤية فى كتابته يرى فيها أن السعودية لم تحصل على ما تريد من أمريكا مقابل التزامها بمبلغ 460 مليار دولار، وأن الأمر يتطلب موقفا عربيا موحدا -أو خليجيا على الأقل- من أجل الحوار مع الرئيس الأمريكي، كما يقول خاشقجي. ولكن المنافسة والتسابق السعودي الإماراتي القطري يمنع ذلك، وأكد “خاشقجي” أن السعودية تريد إخراج إيران من سوريا، وتريد موقفا أمريكيا من قطر، وكذلك تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية”، ولكن السعودية لم تحصل على أي شيء من ذلك.

لنفهم من كل هذا أن السياسة الأمريكية كانت هكذا دائما ولكن الجديد هو أن ” ترمب” جعل الأمور أكثر علانية ومكشوفة للجميع، ليبقى السؤال: هل حان ذبح البقرة، أم أن الضرع مازال يدر الحليب وسيتم الإبقاء عليها إلى حين؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه