الإصلاح بوضع شريط لاصق على الفم والعقل!

 

القائد الإصلاحي لا يعتقل أصحابَ الرأي، والفكرِ، والدعاة المصلحين، والأكاديميين، والمثقفين المستنيرين، كما لا يعتقل ناشطات في الدفاع عن المرأة وحقوقها، وإذا تم تغييب صفوة المجتمع، ونخبته في السجون، فمن سيكون عقل الإصلاح، وضميره، والقوة المحركة له، ومن سيبني وعياً عاماً بالتغيير، وضروراته، وفوائده؟!

والأصل أن هذه العقول، من مختلف المشارب، هم رافعة الإصلاح، وذخيرته، وهم يجب أن يكونوا أحراراً، وليسوا مسلوبي الحرية، والأصل الآخر أنهم لو كانوا قبلاً في المنع، أو السجن، أو النفي، لكان أوجب أن تزُول عنهم الموانع، ويغادروا زنازينهم، ويعودوا من المنافي.

تجربة آبي أحمد

 وبنظرة مثلاً على النموذج الإثيوبي في الإصلاح على أيدي القائد الشاب آبي أحمد، والذي لم يكمل سبعة أشهر بعد في رئاسة الحكومة، نجده تجاوز المُتخيَّل في خطواته المتسارعة الإيجابية..
ليسجل ريادة في نزع فتيل الأزمات، داخلية، وخارجية، ولملمة شتات المجتمع، وإطلاق الحريات، واحتضان كل صنوف المعارضة، وتوفير مناخٍ حرٍ ليتكاتف الجميع في بناء بلدهم، وهم في حالة من الرضا العام، شتان الفارق بينه، وبين ما يحدث في السعودية، رغم أنه لا مقارنة بين أوضاع اقتصادية وسياسية واجتماعية إثيوبية معقدة، وبين أوضاع سعودية مواتية ومريحة.

الإصلاحي يفتح المجال العام، ولا يزيد غلقه إحكاماً، ويدفع العقل النقديّ التحرريّ، للانطلاق في سماء التفكير الرحبة، دون رقابةٍ، أو قيودٍ، أو خوفٍ.

الدول التي انتهجت سياسة الإصلاح الهادئ التدريجي، بدأت بحرية الرأي والتعبير، وأطلقت الحوار العام في المجتمع، وحصَّنت التيارات والقوى السياسية على تنوعها من الغدر بها عندما تكتب وتتحدث، جوهر الحرية هو الحق المقدس في التعبير وإبداء الرأي، وإعلان الموقف، مثلما أن عنوان الديمقراطية التنافسية، هو الصندوق الشفاف.

الإصلاحيُّ يحارب الفساد، وهي معركة مقدسة، لكن حتى لا يختلط الحق بالباطل فيها، وحتى لا يقع تعسف وظلم، فإن مطاردة الفاسدين تكون بشفافيةٍ كاملةٍ، وفي ظل دولة قانون حقيقية..
ويكون الرأي العام على علم بالتفاصيل حتى تنشأ الثقة في الإجراءات، ولكي يحظى هذا التحرك بدعم المجتمع، ولا يُصاب أصحاب رؤوس الأموال، والمستثمرين، وطنيين أو أجانب بالذعر، وتتحول البيئة إلى طاردة للاستثمار، بدل أن تكون جاذبةً له، بعكس المراد من مواجهة الفساد.

في أي دولة تتمتع بسيادة القانون إذا انطلقت حملات ضد الفساد، واستمرت سنوات، فلن يَخشى مستثمرٌ أو مواطنٌ على نفسه ومصالحه طالما سجِلهُ نظيفاً، وسينام مطمئناً لأنه موقنٌ أن الناس لا تُؤخذ بالشبهات، وأن تحريات دقيقة، وإجراءات صارمة، ونزاهة مؤكدة، تسبق تحديد الفاسدين ومطاردتهم، ولا تستثني أحداً، ولا يكون لها أهداف أخرى.

ما جرى لخاشقجي

في عهد الإصلاحي لا يجب أن يختفي صحفياً، أو ناشطاً، أو سياسياً، أو مشاركاً في الشأن العام، أو أي صاحب رأيٍ مهما كان، طالما لا يدعو للعنف، كما لا يجب أن يتحدث الناس همساً، ولا يُوضع شريط لاصق على الفم والعقل، ولا يجب أن يكون مصير المختفي زنزانة مظلمة، أو حقنة مخدرة تكون فيها نهايته، ثم يكون مصير الجسد التقطيع بمنشار كهربائي على أنغام الموسيقى داخل مرفق دبلوماسي..
وهذا ما تقوله تسريبات أمنية كثيفة لا تتوقف بشأن ما جرى للصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في مدينة أسطنبول التركية، وبعد 18 يوما من الإنكار بشأن مصير خاشقجي، والزعم السعودي أنه اختفى في أسطنبول اعترفت السعودية فجر السبت 20 الجاري بـ “وفاته في شجار” حسب بيان النائب العام السعودي..
ومثل هذه الرواية خضعت فوراً للتشكيك، مثل التشكيك في خروجه من القنصلية بعد 20 دقيقة على دخوله له 2 أكتوبر الماضي، ومثل تحميل الإعلام السعودي دول وأطراف أخرى مسؤولية اختفائه أو تصفيته. 

التهديد، والوعيد ومحاولات الاستدراج للمعارضين والناقدين للإيقاع بهم، والانتقام منهم، يستحيل أن يكون بنداً في أي برنامج إصلاحي تم تنفيذه في أي دولة بالعالم، الإصلاح إحياءٌ للناس، وجعل حياتهم أفضل مما كانت، والإصلاح لا يمكن أن يكون اعتقالاً، ومطاردةً، وتصفيةً.

الفكر أساس كل حضارة على مر التاريخ، لا حضارة بمنجزاتها في العمران، والابتكار، والاختراع، والأخلاق، تنشأ من نفسها، لابد لها من أساس فكري يضعه العقل الذكي الجميل، ويظل الفكر في حالة إبداع حتى لا يتوقف المد الحضاري، وإذا توقف فإن هذا إيذانٌ بأفول الحضارة، وعندما يتم قمع الفكر، وتقييده، واغتياله، فإنه لا إصلاح، ولا بوادر لحداثة.

دور السينما، والمسارح، وحفلات الغناء، وقيادة المرأة للسيارة، ودخول النساء ملاعب الرياضة، والمنتجعات السياحية المفتوحة، وتقييد عمل هيئات دينية رسمية في مطاردة الناس، وغيرها من المظاهر مما يُتخذ في السعودية من إجراءات انفتاحية، خطواتٌ واجبةٌ وطبيعيةٌ تأخرت كثيراً، لكنها أبداً لا تعكس مضامين وصلب الإصلاح الذي يؤسس لدولة حديثة..
هذه المظاهر أمورٌ ثانويةٌ، أو شكليةٌ براقةٌ مثل المشهيِّات على المائدة التي لا تغني عن الطبق الأساسي، عنوان الإصلاح هو العقل الحر، والمجتمع الحر، والمشاركة الشعبية الحرة في صياغة خطط الحاضر، ورؤى المستقبل، حتى لو كان نظام الحكم تقليدياً يتمتع فيه الحاكم بصلاحيات مطلقة، فلا تعارض بين طبيعة الشرعية القائمة، وبين التحديث في الدولة، والتغيير في المجتمع.

إصلاحٌ أحاديٌ

عندما يضع أجندة الإصلاح فردٌ واحدٌ، ولا تكون الأجندة مطروحةً للنقاش العام، أو التفاعل المجتمعي، فهو إصلاحٌ أحاديٌ، ضيقٌ، موجهٌ من أعلى إلى أسفل، وبرامج الإصلاح الناجحة هي شراكة بين أصحاب الأفكار وقوى ونخب المجتمع وعموم الناس، فالجميع سيتحملون التكاليف والنتائج، وبالتالي من حقهم المشاركة في رسم معالم الطريق، وليس فقط الخضوع لما يُملَى عليهم، إذ أن نتاج العصف الفكري لعقول كثيرة أكثر جودة وأماناً من نتاج عقل واحد مهما كان ذكاؤه.

قضية خاشقجي جاءت عكس الإصلاح تماماً، ولو في حدوده الدنيا، لذلك يتحرك الغرب ويطرح أسئلة شائكة وصريحة بشأن ما جرى له وتحديد المسؤولين عنه، كما يعلن مواقف، وقد تكون هذه المواقف ترضية للرأي العام هناك، أو استشعار بالخجل من الدعم المفتوح لإصلاحيين مفترضين دون التيقن من أنهم إصلاحيون فعلاً، وليسوا مستبدين جدداً..
لكن هل يراجع الغرب نفسه ويرفع الغطاء عن الاستبداد المتوطن في الشرق الأوسط؟، أم أن منطق المصالح سيتغلب مرة أخرى على القيم والمبادئ؟، الضجة قد تهدأ تدريجياً، وتنتهي القضية لتدخل متحف تاريخ الظلم الإنساني المتخم بملفات من هذا النوع..
فالمتباكون اليوم في أمريكا وأوربا على دماء صحفيٍ مسالمٍ، وناقدٍ هادئٍ ظل يؤكد أنه ليس معارضاً، وأنه داعمٌ للإصلاحات شرط أن تكون جادة وشفافة، المتباكون هم شركاء في اختفاء الصحفي، وشركاء في الجرائم التي يتعرض لها الإنسان الشرقي، وكل إنسان في السلطويات المنتشرة في العالم، باستمرار التعامل معها، والصمت على ممارساتها، وأحيانا تشجيعها.

النهاية الدرامية

البناء الإصلاحي الذي يجري تشييده، والصورة البراقة التي يتم رسمها عبر شركات الدعاية، والعلاقات العامة، وجماعات الضغط، وبكلفة مالية كبيرة، هذا البناء يتداعى في قضية صحفيٍ واحدٍ لأنها كشفت أن من يقومون بالترويج لدى الغرب عن كونهم يؤمنون بقيمه، ويتطلعون لحداثته، يطعنون منظومة المبادئ والقيم السامية والتطور الإنساني والحضاري في الحريات وحقوق الإنسان.

صحفيٌ لم يكن يملك غير قلمه ولسانه، ولم يكن ثورياً، ولا متطرفاً، ولا داعيةَ عنفٍ، جاءت نهايته الدرامية لتقلب موازين وتغير مفاهيم كانت في طريقها للرسوخ.

 إنه القدر الذي قد يكون فيه موت رجلٍ واحدٍ إحياءً لملايين آخرين، وتصحيحاً لمسارات ضلَّت الطريق الصحيح.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه