مقالات

"الورقة الملعونة" في موضوع "خاشقجي"

لماذا كان الاصرارعلى ضرورة الحصول على تلك الورقة، التى يتطلب إستخراجها الذهاب إلى قنصلية بلاده التى تناصبه العداء، طالما ان هناك طريقة اخرى للارتباط به وإتمام الزواج؟!

 

                                      

رغم تواتر الأنباء عن تحركات دبلوماسية عالمية، وسيل التحليلات السياسية والأمنية التى يحاول أصحابها تحديد الكيفية التى تمت بها عملية اغتيال الكاتب والصحفي السعودي جمال خاشقجي ، إلا أنني وبشكل شخصي لاأزال اقف أمام بداية تلك المأسأة، أى منذ لحظة إصرار السيدة خديجة جنكيز خطيبة جمال خاشقجي على الزج به داخل جدران القنصلية السعودية للحصول على ورقة تفيد بأنه رجل مطلق وليس لدية زوجة أخرى ، تلك الورقة التى أودت بحياة الرجل بعدما جعلته صيدا سهل المنال لمن يلاحقونه ويرغبون في الخلاص منه، بعد أن دخل بقدميه إلى عقر دارهم، ليفعلوا به مايشاءون.

تلك الورقة الملعونة التى أودت بحياة الرجل، يطالب بها قانون الأحوال الشخصية التركي كل أجنبي يرغب في الارتباط بشخص يحمل الجنسية التركية رجلا كان أو امرأة، هدفها الوحيد التأكيد على أن طالب الزواج لايخالف القوانين التركية التى تجرم الجمع بين أكثر من زوج أو زوجة، وهو الأمر الذي يُعفى منه الأتراك نظرا لكون حالتهم الاجتماعية مسجلة ومعروفة لدى الدولة.

حتمية الزواج المدني

تحريم تعدد الزوجات في تركيا بدأ مع أوائل عهد الجمهورية التى اختارت النهج العلماني للدولة، وقامت بعملية تغيير واسعة طالت مختلف مناحي الحياة داخل الجمهورية، التى اُريد لها أن تتشح برداء العلمانية، وتنسلخ عن كل ماله علاقة بالأديان السماوية عموما، والدين الإسلامي على وجه الخصوص إرضاء لأوربا ورغبة في الحصول على إعتراف منها بأوربية الجمهوريةِ الوليدة، فكان قانون الاحوال الشخصية، أحد القوانين المستهدفة في هذا الاطار، والذى شدد على أهمية الزواج المدني كشرط أساسي لصحة عقد الزواج والاعتراف به من جانب الدولة ، بينما حذرت مواد داخل نفس القانون من مغبة القيام بطلب عقد زواج دينى أمام سلطة مدنية .

ورغم ان القانون المذكور لم يمنع الزواج الديني بالمطلق إلا أنه اشترط لذلك، القيام بعقد الزواج المدني المعترف به من جانب الجهات الرسمية قبله بفترة، الأمر الذي جعل من عملية الزواج الديني مسألة شكلية، لاقيمة لها أمام المحاكم، كما تم تجريم القيام بعقد مراسم الزواج الديني قبل الزواج المدني، وهو ماكان يعرض صاحبة ورجل الدين الذي قام بعقده للحبس لمدد متباينة.

تجريم الزواج الديني

الغريب في هذا الامر أن المادة 230 من قانون العقوبات التركي كانت تقربالحبس مدد تتراوح مابين شهرين و ستة أشهر لكل زوجين يسكنان سويا وفق عقد زواج ديني دون وجود مستند يفيد بزواجهم مدنيا، رغم أن القانون التركي نفسه يُبيح سكن الرجل مع المرأة دون وجود أى عقد زواج بينهما.

لذلك نجد أنه في القرى التركية بالأناضول وفي شرق وجنوب شرق تركيا وأماكن التجمعات الكردية السنية، لاتزال مسألة الزواج بأكثر من زوجة قائمة وموجودة بكثرة بين الاسر هناك، التي لا تعترف بتلك القوانين، وتعتبرها مقيدة لحق شرعي أقره المولى عز وجل.

فالرجل في تلك المناطق يتزوج بإكثر من زوجة زواجا شرعيا على يد شيخ الجامع بالقرية، إلا أنه لايقوم بتسجيل هذا الزواج مدنيا، حتى لايقع تحت طائلة القانون ويعرض نفسه للحبس.

أما المواليد الذين يولدون من تلك الزيجات المختلفة فيتم تسجيلهم باسم الزوجة الأولى المدون اسمها في دفتر العائلة كزوجة وحيدة للرجل أمام القانون التركي وفق عقد الزواج المدني، في حين يعلم الجميع في القرية أن هؤلاء الأبناء هم في الأصل أولاد الزوجة الثانية أو الثالثة وهكذا.

  الاعتراف بالزواج الشرعي

 تولي الإسلاميين لزمام الأمور في تركيا، أتاح أمامهم الفرصة كاملة لإدخال العديد من التغييرات على القوانين المعنية بالزواج عموما، والتى تخالف في إطارها العام الدين الاسلامي، ومنها مسألة الاعتراف بعقد الزواج الشرعي من جانب أجهزة الدولة، وجعله مساويا لعقد الزواج المدني دون أن يلغيه، وهو ماوافق عليه البرلمان التركي في نوفمبر / تشرين ثان من العام الماضي، حيث بدأ العمل وفق هذه التعديلات منذ ذلك التاريخ.

تلك التعديلات اشترطت على من يقوم بعقد الزواج الشرعي الذي تقره الدولة، أن يكون أحد رجال الدين التابعين لمؤسسة "رئاسة الشؤون الدينية "، وهي مؤسسة رسمية تابعة للدولة، مع الاعتراف رسميا بصحة عقد الزواج الشرعي بمفرده، أو قبل القيام بعقد الزواج المدني، الذي يقوم بعقده موظفون تابعون للبلديات المختلفة.

 وهو مايعنى أن التعديلات القانونية المذكورة ساوت بين الدور الذي يقوم به الموظف المدني عند عقد الزواج مدنيا، ودور رجل الدين فيما يخص عقد الزواج الشرعي، الذي بات معترفا به من جانب الحكومة، كون القائم على عقده موظفا أيضا لدى الدولة مثله في ذلك مثل موظف البلدية.

طُعم اصطياد خاشقجي

والسيدة خديجة جنكيز، وهي امرأة بالغة عاقلة ومثقفة، وتعمل باحثة في  الشؤون السياسية، ولها تجاربها وخبرتها في الحياة ، تعرف بالطبع كل تلك الامور المرتبطة بتعقيدات عملية الزواج في بلادها، وتدرك أن هناك إمكانية للزواج الشرعي على يد شيخ الجامع أو أحد رجال الدين الثقات، وهو عقد زواج شرعي صحيح من كافة الوجوه، الأمر الذى كان يعني إمكانية قيامها بالموافقة على مثل هكذا زواج، مثلما يفعل القرويون في بلادها، تقديرا لظروف الرجل الذى ترغب في الارتباط به، وتأجيل مسألة الزواج المدني لحين التوصل إلى حل لمشاكل جمال خاشقجي مع سلطات بلاده، وعدم تعريضه للموقف الذى أودى بحياته، خصوصا وأنه شخصية عامة معروفة، يمكنها الوثوق به.

إلا أن موقفها الذي يبدو غريبا، يثير الكثير من التساؤلات المشروعة في ظل وضع الرجل وظروفه، إذ لماذا كان الاصرار على ضرورة الحصول على تلك الورقة، التى يتطلب إستخراجها الذهاب إلى قنصلية بلاده التى تناصبه العداء، طالما أن هناك طريقة أخرى للارتباط به وإتمام الزواج؟! هل لم تكن السيدة خديجة على علم بتلك الخلافات التى بين زوجها المستقبلي والقائمين على السُلطة في بلاده؟! أم أن دفعه للذهاب إلى القنصلية كان لأمور أخرى لا تتعلق بمسألة الورقة تحديدا؟! هل هناك من استغلها واستخدمها كطعم في سنارة لاصطياد خاشقجي والتخلص منه بتلك الطريقة البشعة التى يتم تداولها في الفضائيات وعلى المواقع الاخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي؟! وهل كان الامر يستحق فعلا المغامرة بحياة الرجل الذي كان من المفترض أن يصبح زوجا لها؟! أم أن هناك أمورا أخرى لاتزال غامضة. وإليها ينسب القول: لم نكن نحتاج من القنصلية السعودية سوى "ورقة"

لقد أودت "الورقة" بحياته.

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة