“كارين كنايسل”.. استعراض أم إحراج؟

 

   سجّلت كلمة وزيرة خارجية النمسا كارين كنايسل في المداولات العامة للدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة، والتي ألقتها باللغة العربية، استحسانا كبيراً لدى الكثير من العرب وأشادت عديد صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بجرأتها وتثمينها للغة العربية، في وقت يتعرّض فيه العرب والمسلمون لشتّى أنواع التشويه والتقزيم في كل ما يتعلق بهويتهم. سياسة تشويه وتقليل من قيمة هذه اللغة العظيمة تمارسها فئة اجتماعية لا يُستهان بها من العرب أنفسهم. ولعلّ كلمة وزير الخارجية الجزائري من نفس المنبر تمثّل خير دليل، فاستبدال العربية بالفرنسية من طرف دبلوماسي عربيّ لا يمكن أن ينمّ سوى عن جهل بالترتيب العالمي للغات.

   قالت كنايسل في مقطع الفيديو الموجود على موقع “الأمم المتحدة” الإلكتروني، “العربية لغة مهمة وجميلة وجزء من الحضارة. عرفت في لبنان أثناء الحرب كيف يواصل الناس الحياة على الرغم من الظروف الصعبة. هناك نساء ورجال من بغداد إلى دمشق يواصلون الحياة. كل الاحترام لهؤلاء الناس“. وتابعت “نحن كلنا جزء من بني آدم، وهي كلمة أخرى للبشرية، ونحن هنا في هذه الجلسة نمتلك الصوت وعلينا استعماله خارج الأزمات والحروب، لاسيما في الشرق الاوسط“.

مغازلة العواطف

بعيدا عن استقامة المعنى وسلامة التعبير من عدمه، كان من الواضح أن وزيرة الخارجية قصدت جيّدا استعراض قدراتها في استعمال اللغة العربية (رغم إتقانها سبع لغات أخرى) ومُغازلة عواطف العرب في هذه المرحلة التاريخية المُعقّدة لغاية في نفسها. لكن بعيدا عن سوء الظّن بهذه السياسية ذات التوجهات اليمينية واكتفاءٌ بمفعول هذه “الومضة الدعائية” للغة الضّاد على العرب على الأقل، يمكن القول إن هذا التّكريم قد فضح كل العرب (وخصوصا السياسيين) الفاشلين في إتقان لغتهم الأمّ باعتبارها ركنا أساسيا من أركان الهويّة.

والأدهى من هذا أن هؤلاء العجزة والفاشلين، فيهم من يُفاخر بعجزه ويشقى في الاجتهاد في إتقان لغات بديلة. وقد ابتلينا في المغرب العربي منذ “الاستقلال” بتوجّه اجتماعي وسياسي يتبنّاه قوم يصرفون الغالي والنفيس من أجل ترسيخ اللغة الفرنسية. وهو أمر يثبت عقدة دونية حادة لدى هؤلاء، فهذه اللغة لا ترتقي حتى إلى المرتبة العاشرة في سلم المتحدثين الأصليين لكل لغة، لكن تقدّم ترتيبها في سُلّم اللغات المنطوقة يرجع أساسا لوفاء سُكّان مستعمراتها القديمة.

ففي الوقت الذي تعترف فيه فرنسا بضرورة دعم اللغة الإنجليزية كلغة تعليم رسمية بعد اللغة الأم (مثل باقي معظم دول العالم)، نجد أن من بين مستعمراتها القديمة من لا تُصنّف اللغة الفرنسية لغة أجنبية أصلا، وتعتمدها كلغة موازية للغة الأم تقريبا، ولم تتجرّأ أي دولة من دول المغرب العربي الثلاثة حتى على معادلة ساعات تعليم الفرنسية والإنجليزية في المعاهد. استعمار ثقافي، لم تشأ لا الإرادة السياسية ولا أصحاب الهوى الغربي التحرّر منه. ولعلّ أوفى هذه المستعمرات العربية للغة موليار، تأتي الجزائر في المقدمة، إذ يكفي أن نتابع مداخلات دبلوماسييها في المحافل الوطنية والدولية، بدءا ببوتفليقة نفسه (حين كان يخطب) حتى تقف على أن اللغة العربية هناك تعيش أوضح عصور عقوق أبنائها.

كلمة للبشرية

    استغرب الكثيرون جملة كنايسل “نحن كلنا جزء من بني آدم، وهي كلمة أخرى للبشرية”، على أساس أنها تكرار ركيك، لكن في الحقيقة عبارة “بني آدم” تثير إعجاب متعلمي العربية الأجانب، (وأذكر جيدا دهشة طلاب لي في جامعة برشلونة المستقلة استعمال هذا التعبير، أشادوا ببلاغة العبارة جدا) لأنه لا مقابل لها في اللغات اللاتينية على الأقل سوى لفظ البشر او البشرية، وقد قالتها وزيرة الخارجية النمساوية وإحساس الزهو باستعمال هذا اللفظ واضح على محياها. أما مضمون باقي الكلمة فلا يحتاج لتوضيح.

    صحيح أن كارين كنايسل عاشت بعض طفولتها في عمّان (باعتبار والدها كان طيّارا للملك حسين) وانطلقت من هناك في تعلّم العربية كما يفعل أغلب الأجانب في استغلال الفرص في التعلّم، لكن هذا لم يكن المُحفّز الوحيد بل ساهمت نشأتها في عائلة ذات علاقات سياسية وطيدة، في فتح شهيّتها لتعلّم هذه اللغة وتعزيزها بالعبرية إضافة إلى التخصص في دراسة القانون الدولي. وبفضل هذه المعارف الأساسية المتراكمة سنة بعد سنة، ثم عملها في مجال الصحافة والمجتمع المدني، نالت مناصب سياسية حساسة أهمها منصب وزيرة الخارجية رغم أنها تقدمت لانتخابات بلدها التشريعية كمستقلة.

اللغة الفاتنة

   في الحقيقة، ورغم تقصير السياسات العربية في وضع إطار مرجعي عالمي للغتهم على غرار امتحانات الأيلتس والتويفل في الإنجليزية مثلا، إلّا أنّ كُلّا من الطالب الأجنبي وأستاذه يكابدان جُهودا كبرى للحفاظ على هذا الشغف بهذه اللغة الفاتنة أمام الإساءات المُنفّرة التي تمارسها عليها وسائل الإعلام والشعوب العربية أنفسها كل دقيقة، إساءات ترقى لمرتبة الجريمة المُنظمة. هي إساءات تنِمّ عن جهل بمكسب معرفي أساسي فشل في تحصيله أهله وأقدم عليه الأجنبي رغم كل الصعوبات وأتقنه، ويكفي أن نتذكّر هنا فصاحة أفيخاي أدرعي حتى نحسّ بفظاعة هذا الفشل.

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة