نبوءات مدمرة

وأطرف هؤلاء المنجمة: التي تنبأت لأردوغان بميتة رهيبة لكن للأسف ما تنبأت به لأردوغان كان من نصيب علي عبد الله صالح!

 

معرفة المستقبل هاجس أرّق الإنسان عبر التاريخ، خلقه الخوف من المجهول ومن مفاجآته المرعبة، ومنذ بدء التاريخ حاول بعض البشر ممن يمتلكون بصيرة نافذة وفهماً كافياً استغلال حالة الأرق لدى البشر من هذا الهاجس فوظفوا إمكاناتهم لخلق مساحة أمان محتمل يريحون فيها البشر من هذه الهواجس، فيصيبون أحيانا ويخطئون أحايين كثيرة، ولعلّ الكهنة كانوا أقدر النّاس على خلق تلك المساحة فقد تجاوزوا الواقع وخلقوا مساحة أمان تمتدُّ إلى ما بعد الموت وأرسوا حجر الأساس للقادمين من المستقبل كي يكملوا البناء.

يحدّثنا التّاريخ على سبيل المثال عن ” زرقاء اليمامة” وحكاية رؤيتها لجنود حسان الحميري وهم قادمون لغزو قبيلتها، يقال إنّها كانت ترى الشخص على بعد خمسين كيلو متراً.. وضخم البعض الحديث عنها وقالوا على بعد مسيرة ثلاثة أيام وهذا غير منطقي فعلمياً من المستحيل الرؤية على هذا البعد.

ما رأته زرقاء اليمامة “شجر يسير إلى قبيلتها” كان جنود حسان يتخفون وراء تلك الأشجار لعلمهم أنّ زرقاء تستطيع رؤيتهم وتنبيه قومها، وحين نبهت قومها سخروا منها.

تندرج الحكاية ضمن هذا الإطار التنبئي فصحيح أنها حادة البصر، لكنّها كانت تتمتع أيضاً بسرعة بديهة وفهم كافٍ للواقع، يؤكد ذلك النابغة الذبياني في قصيدته الشّهيرة:
قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا إلى حمامتنا ونصفه فقدِ

فحسبوه فألقوه، كما حسبت، تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزدِ

وتذهب إحدى الفرضيات إلى أنّ الشّعراء هم من سلالة الكهان وورثتهم، وذلك بعد أن فقد الكاهن الكثير من إمكاناته وتبدلت معظم وظائفه مع دخول البشرية عصر الأديان السّماوية. لذلك نرى بعض الشعراء يمتلكون حساسية عالية تجاه موضوع الغيب وأكثرهم تمسكاً بما هو متخيّل وقائم على التوقعات التي ترتكز على الحدس والتبصر ولا علاقة لها غالباً بالفكر ويقظة الذهن؛
بل هي تجارب روحية خالصة قد وصلت تلك التّجربة الرّوحية قمتها عند الشّاعر يزار باييخو (أو قيصر باييخو) أعظم شعراء الإسبانية والذي حافظ على المسافة الصّعبة بين الشّعبي والتّعقيد اللغوي فكان على الرّغم من صعوبة أعماله وتعقيدها أكثر الشّعراء الذين كتبوا باللغة الإسبانية شعبية وشهرة.. ولد يزار في جبال الأنديز في البيرو، وكتب قصيدة يقول فيها:

(يوماً ما..

سأموت في باريس تحت وابلٍ من المطر).

وقد مات في باريس تحت المطر تماماً كما جاء في قصيدته. لم تكن قصيدة يزار تلك نبوءة بالمعنى المتعارف عليه بل هي تجربة روحية يعيشها الكاتب والشاعر تعطيه مقدرة استثنائية على معرفة الأشياء وإدراكها، وتتجلى أحياناً من خلال منام أو رؤيا يضعها في قصيدة أو كتاب.

سعيد مكاوي الروائي المصري الذي توفي مؤخراً ليس بعيداً عن يزار في هذا الإطار؛ فالمتابع لصفحته على الفيس بوك يجد أنّه قد وضع قبل وفاته أغنية شادية “قلي الوداع”.. وآخر مقال له كان “التاريخ الذي أحمله على ظهري” وكتب أنّه الحلقة الأخيرة. لم يكتب مكاوي سعيد ذلك من فراغ ولم يسمع أغنية شادية عبثاً بل كانت روحه تخبره أنّ وقت الوداع ولملمة الأوراق قد حان!

بصّارات العصر الحديث

وإذا كانت المآلات الفردية هي الهاجس الأعظم في القديم إلا أنّ المآلات الجماعية (السياسية) لها نصيبها أيضاً فكاهنة الأمازيغ ديهيا ربما كانت السبّاقة في هذا المجال فقد تنبأت وهي في السادسة عشر من عمرها أنّها ستتزوج أميراً وسيقتل على يد عربي، وقد تزوجت فعلاً زعيم الأوراس “كسيلا” الذي أعلن إسلامه في عهد أبو المهاجر دينار الذي ألغى تخميس البربر وأعطى الحماية للمسلمين، تبدل الحال باستلام عقبة بن نافع فحاصر كسيلا واعتقله وأهانه، ثم قتل في معركة القيروان، واستلمت ديهيا بعده الحكم كما جاء في نبوءتها.

لم يتوقف التخيل والتنجيم ومحاولة التنبؤ حتى في عصر العلم والمعلوماتية بل خطى خطوات واسعة نحو الأمام بفضل علاقة الشراكة القوية التي جمعت رجل السياسة مع البصارة أو المنجم ومعروف أنّ الرئيس ليونيد بريجنيف كان يلجأ لمعرفة طالعه على يد ساحر روسي وأكثر من هذا فقد كان لخلفائه من الرؤساء وحتى عهد يلتسين كتيبة سرية من السّحرة لحماية الرئيس من القوى الشّريرة.

ولم تكن أجهزة المخابرات بمنأى عن هذه العلاقة مع البصارة، فلو تمعّنا قليلاً بكلام إحدى العرّافات اللبنانيات لوجدنا توقعاتها صادرة من مراكز صنع القرار الدولية وليست مجرد قراءة للنجوم في أبراجها فقد أخبرتها النجوم بخسارة قطر حق تنظيم تصفيات كأس العالم، وأنّ ولي العهد السعودي سيشكل ظاهرة عربية جديدة في القيادة والسياسة، وأنّ حكم سيف الإسلام قادم لامحالة، والأهم من ذلك فقد وشوشت لها النجوم بأنّ أكثر الجبهات في سوريا ستشهد هدوءاً بطريقة مفاجئة وستشهد مدينة الرقة مفاجأة عسكرية سياسية، فهل ستتحقّق نبوءات اللبنانية كما تحقّقت نبوءات البلغارية ” فانغا” التي تنبّأت بتفكك الاتحاد السوفييتي وتفجيرات برجي التجارة العالمية، لاشكّ سننتظر ما سيسفر عنه المطبخ الدولي من وجبات القهر والجوع التي تعدُّ لشعوبنا المتخلفة، كي نتأكد من صدق النجوم ومدى ارتباطها الوثيق بأجهزة المخابرات العالمية.. لكن النبوءة الأكثر وقاحة هي ما جاء على لسان الكثير من ضباط الأسد ومنجميه الإعلاميين والتي جاءت بصيغة التوكيد بأنّ “الرب” يسقط ولا يسقط بشار الأسد. فهذه النبوءة هي الأقوى دلالة على التصاق المنجمين بقوى الشرّ العالمية.

نبوءات 2018 على القنوات الفضائية المصرية

ظاهرة المنجمين على شاشات التلفزيون صارت موضة العصر، لكن بمجرد استعراض بسيط لهؤلاء يشعر أيّ إنسان مهما كان بسيطاً أو ساذجاً أنّه أمام مهرجين لا يكادون يعرفون التحدث، معظمهم مجرد عاهات لا شخصية لهم وكأنّ المحطة التلفزيونية التقطتهم من الشارع ولقّنتهم بضع جمل ليقولوها على الإعلام.. وأطرف هؤلاء: المنجمة التي تنبأت لأردوغان بميتة رهيبة لكن للأسف ما تنبأت به لأردوغان كان من نصيب علي عبد الله صالح!

وتصر أنّ أردوغان سيصيبه ما أرادته له سيموت بطريقة سيئة جداً، وأنّ قطر (والبتاع ح يحصل بينهم كده والدنيا هتبوظ) هذا ما قالته حرفياً ولا يمكن تحويله للفصحى.  

لا غرابة فهذه أمنيات السلطة في مصر التي جاءت بهؤلاء لتجعل منهم منجمين رغم أنوفهم! وهم لا يشعرون بالخجل من كذبهم، لأنّ العادي والطبيعي أنّ المنجمين كاذبون ولو صدقوا.

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة