القدس .. معركة وجود مع التطرّف الأمريكيّ الإسرائيليّ

الاعتراف الأمريكيّ بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، ليس قضية بسيطة، أو عابرة، أو مجرد قرار متسرّع، أو لوثة عقل من رئيس غير خبير بعالم السياسة، ومسؤولياتها، والتزاماتها الدولية، إنّما قرار معتمد ومتّفق عليه قبل فوز ترمب بالرئاسة، قرار متأصّل في الذاكرة الدينية الأصولية عند داعمي ترمب الذين يتلاقون مع نظرائهم في إسرائيل في الإيمان بأن القدس هي مركز دولتهم الدينية اليهودية التاريخية في أرض الميعاد المزعومة، وعد ترمب، الوجه المقابل لوعد بلفور بعد 70 عاماً.

صحيح أن ترمب عقلية تجارية، طوال حياته العملية وهو منهمك في البيع والشراء، كان يعلن إفلاسه أحياناً حتى يفلت من أزمات مالية، ثم يعود إلى نشاطه مرة أخرى، لكن الصحيح أيضاً أنه ليس نبتاً شيطانياً، ليس بمفرده، أو منبتّ الصلة عن وعاء وحاضن سياسي وأيديولوجي يقف خلفه ويدعمه ويفكر ويخطط له، وهو عليه التنفيذ، والصحيح كذلك أنه ليس عليه إجماع داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وهو ليس انتماءً عضوياً منظماً وأصيلاً، إنما ارتباط بالتيار المحافظ المتشدّد فيه، ولا مانع أن نقول التيار المتطرف فكرياً وسياسياً الذي يؤمن بالقوة وعنفوانها وحدها في الإخضاع وفرض السيادة الأمريكية على العالم، هذا التيار يبحث دوماً عن مرشحين مستعدين تماماً لتنفيذ أجندته، ويكونون طوع أمره، سبق أن ساندوا بوش الابن الذي كان عابثاً لاهياً، وغير مؤهل لحكم ولاية، وليس الولايات المتحدة كلها، وكان والده الرئيس بوش الأب يسخر منه، ولا يثق فيه، ولا يعتبره جديراً بحمل إرث عائلة بوش، وكان يعدّ شقيقه “جيب” ليكون سياسي العائلة، والمرشح القادم للرئاسة، لكن تغيّرت الموازين، وتم تأهيل بوش الابن، وإعداده ليدخل الحلبة، وكان وراءه التيار المحافظ فصار دميةً في أياديهم، وعلى رأسهم نائبه ديك تشيني، ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، ومستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس، ومستشارون من أمثال ريتشارد هاس، وريتشارد بيرل، وبول وولفويتز، وديفيد فروم، ودوغلاس فيث، وبقية أمراء الظلام الذين كانوا يهندسون الأرضية الفكرية والسياسية والقرارات العدوانية من وراء الستار، وكان ما كان من غزو أفغانستان والعراق على إثر تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

النسخة قبل التهذيب

ترمب هو النسخة المماثلة لـ بوش الابن قبل تهذيبه وتأديبه سياسياً ليحكم من 2000 حتى 2008، ومن المفارقات أن جيب أمل عائلة بوش الذي تجمد أمام طموح شقيقه جورج الذي أخذ الرئاسة منه، خسر أمام ترمب في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016 ليخرج من لعبة السياسة، وترمب يعمل وتقف وراءه مؤسسة متشعبة تضم جنرالات وساسة وكتاب ومفكرين وباحثين ومثقفين، وجماعات ضغط أمريكية ويهودية، ومنظمات صهيونية، وكنائس أصولية، ورجال دين، وتيارات متطرفة ونازية، وأقول دوماً إن التيار اليميني القومي المتطرف في الغرب هو الوجه الآخر الأنيق لداعش والقاعدة في الشرق، التنظيمات الدموية عندنا تنفذ إدارة التوحش بشكل عملي ومفزع، يجعلها مكروهة، ويوحد العالم ضدها، أما التنظيمات والأحزاب المتطرفة في أوربا وأمريكا فإنها تمارس التوحش فكراً وأيديولوجيةً، برامجها وخطاباتها وأفكارها ومساراتها وسياساتها في الحكم وفي المعارضة تكشف عن بن لادن وظواهري وزرقاوي وبغدادي وعدناني آخرين، لكن دون ذبح بالسكين، وقتل بالرصاص، وحرق بالنار، ورمي من أماكن مرتفعة أمام الكاميرات، هم يفعلون ذلك وأكثر بحق دول وشعوب، لكن بالسياسة وبالأناقة، من يراجع تصريحات ومعتقدات المحيطين بـ ترمب سواء من غادر منهم موقعه، أو من لا يزال باقياً، أو من يعمل في الظلام سيكتشف أهوالاً في التحريض والكراهية والعنف السياسي ضد الآخر، وهذا الآخر هو الإسلام والمسلمون بالأساس، في عقيدتهم المتطرفة أننا خطر على العالم، والإسلام دين أيديولوجيته العنف الكامن في مفاصله، وأنه يجب إيقاف المد الإسلامي، وتحجيم بناء المساجد، ومحاربة القرآن، وإهانة رموز الإسلام، وخلخلة العقيدة الدينية، ووضع قوائم للمسلمين المتطرفين والمحتملين لمراقبتهم، وكل مسلم هو بالضرورة مشروع متطرف، أو إرهابي عندهم، وابتكر ترمب قرارات عنصرية غير مسبوقة بمنع دخول مواطني 6 دول إسلامية، بجانب دعوته للنظر في قوانين الهجرة، واليوم يتوجون عدوانيتهم بالقدس.

مثل المجنون

ترمب التاجر لا يريد أن يخسر قضية القدس، ولذلك كان مثل المجنون هو ومندوبته في الأمم المتحدة نيكي هيلي وهما يهددان من يصوت لصالح القدس بالعقاب والطرد من الجنة الأمريكية، وقطع أموال المساعدات عنه، وهم لا يتفكهون، بل جادون، ورغم التأييد الكبير لقرار القدس ” 128 دولة” فإن هناك 64 دولة أخرى ما بين رافضة “7 دول، بخلاف أمريكا وإسرائيل”، وممتنعة “35 دولة”، وغائبة “21 دولة” عن الجلسة، ولذلك خرجت هيلي لتزعم أن هذا العدد اصطف بشكل أو بآخر بجانب قرار ترمب، وبالتالي يكون أمام كل صوتين مؤيدين للقرار في الجمعية العامة صوت معارض لهما، وهي حسبة تخفف عنهم وطأة الهزيمة بعض الشيء رغم أنها متخيلة، وإذا كان ترمب لا يقبل الخسارة بالمعنى التجاري، والتيارات التي تدعمه لا تقبل الخسارة بالمعنى السياسي فإنهم سيضغطون على الدول الـ 64 لإقناعها بنقل سفاراتها للقدس، ومعهم نتنياهو الذي يبشر بأن 10 دول مستعدة لنقل السفارات، وقد بدأت النتائج من غواتيمالا، والخطوة التالية ستكون الدول الـ 6 الباقية التي صوتت ضد القرار، ثم سيلعبون على كتلتي المتغيبين، والممتنعين، إما بالتوازي، أو كتلة بعد الأخرى، وبين هؤلاء من قد يتجاوبون سواء بذهب ترمب، أو بسيفه، خاصة أنهم لم يعلنوا موقفاً نهائياً، فالممتنع يقف بين التأييد والرفض، والمتغيب يتهرب، وهذا يسهل جذبه أولاً.

هي حرب سياسية أمريكية وجودية تستهدف القدس لذاتها، فهي درّة التاج الفلسطيني، علاوة على تصفية القضية الفلسطينية، وما لم يتم ذلك في عهد ترمب فإن إسرائيل لن تتمكن من تنفيذ خطتها في أمد قريب، وما لم يحقق ترمب نصراً كبيراً يوازي هزيمته الكبيرة في تصويت الجمعية العامة فإن مشروع “صفقة القرن” سيسقط.

القادم

والاثنان ترمب التاجر، وتيار الدعم والتفكير السياسي له لن تتوفر لهما فرصة سانحة كما هي اليوم من موقف عربي مشتت بائس كله حروب وأزمات وصراعات وخلافات غير مسبوقة، بجانب متغير إضافي مهم وجديد وهو أن أنظمة عربية متماهية تماماً مع ترمب وأجندته بشكل يثير الأسى عليهم، وهم على استعداد لفعل ما يريده مهما كانت خطورته على الثوابت العربية والفلسطينية التاريخية الوجودية، كما أنهم يتقرّبون من إسرائيل دون أدنى خجل أو حياء، هل قرأتم تغريدة وزير خارجية عربي بأن القدس قضية جانبية، ولا يجب أن ندخل معركة مع أمريكا بسببها، وإيران أهم من القدس، هذه التغريدة تعكس عقل تيار عربي يسعى لفرض قيادته ورؤيته على العرب جميعاً استسلاماً وهزيمةً ماديةً ومعنويةً، ولو بالتفريط في القدس، وما تبقى من فلسطين، وفي سبيل ماذا؟، لا شيء، إيران ليست جمهورية موز حتى يتخلصوا منها بدعم ترمب، فلا هو سيحارب معركتهم، ولا هم قادرون على حربها، ولا هي معركة من الأصل.

القادم أسوأ أمريكياً وإسرائيلياً ما لم نحاصر ونفضح ونوقف مفاعيل الأيديولوجيا اليمينية الصهيونية الاستعمارية المتطرفة التي تحرك ترمب ونتنياهو، وكل من يتخلى عن عروبته، وجوهر إسلامه، ويسير خلفهما عبر المقاومة السياسية الشعبية، والرسمية من جانب ومن يؤمن بخطورة المشروع الصهيوني على الأمة العربية من جانب آخر، إنها معركة وجود بكل معنى الكلمة، والقدس فجرتها، فإما أن نكون، أو لا نكون.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة