المفكر الرقّاصة:

 

يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، لكنّ الغرابة ليست في كونه عنوان مقال بل في كونه عنوان كتاب نقدي للدكتور أيمن بكر المُدرّس في جامعة الكويت! غرابة عنوان الكتاب تأتي من الجمع بين نقيضين أحدهما في الشرق والآخر في الغرب، بالمقدار الذي يكون فيه المفكّر جاداً وحيادياً وأكاديمياً يتنوع الرقص بين اللهو والترفيه والخلاعة والابتذال..

ومع أنّ العنوان يحيل إلى كتاب فضائحي يتناول فساد النّقد والنّقاد إلاّ أنّ الكتاب ليس كذلك. ولو لم يكن كتاباً نقدياً أكاديمياً لأمكنه أن يتتبع تلك السّقطات التي وقع فيها النّقاد منذ عقود ثلاثة أو على الأدق منذ بدأت سلطة المال تطغى على الاعتبارات الأخلاقية ومهنية العمل مهما كان نوعه.

وقبل سلطة المال كانت سطوة السّلطة السّياسية فمن المعروف ارتباط الأدب وجميع الفنون بالراهن السّياسي، وخضوعه في معظم العصور لسطوة الفئة أو الحزب الحاكم، أو سلطة الدين.

نستطيع تحديد بدء سلطة المال وانجراف النّقاد وسعيهم إلى امتلاك القوة المادية في العقود الأربعة الأخيرة. منذ منتصف السبعينيات طغت تلك الظاهرة مع انتشار الفضائيات وظهور برامج المسابقات التي شملت الشّعر بنوعيه الفصيح والشّعبي، وللمسابقات الأدبية دورها أيضاً، فالقصص المتداولة عن لجان التحكيم يندى لها الجبين، فقد ضجت الأوساط الصحفية بأخبار النّقاد الذين يتقاضون مبالغ مالية لإدراج عمل ما ضمن جائزة أو يضمنون لكاتب ما الفوز بالجائزة مقابل نصف المكافأة المالية. وهو ما يقوم به بعض المُحكّمين في برامج المسابقات التلفزيونية، وهذا الفساد بدأ من الجامعات بظاهرة انتشرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وهي ظاهرة بيع أسئلة الامتحانات، ومنح الطالب علامة النّجاح مقابل مبلغ محدد ولهذا العمل سماسرته من اتحاد الطلبة الذين يتوسطون بين الدكتور الجامعي والطلاب.. والبعض كشف وجهه تماماً ولم يكن بحاجة لوساطة بل يتعامل مباشرة مع الطالب.. هذا ما كان يحدث في جامعة حلب مثلاً.

ارتباط الرقص بالسياسة:

تناولت السينما هذه العلاقة من خلال فيلم “الراقصة والسياسي” ولبطلة الفيلم عبارة تقول فيها للسياسي بأنها تهز وسطها لتجني المال وهو يستخدم لسانه، كناية عن الأقوال والأفكار التي يخدع بها الشّعب ليصل إلى أهدافه المتمثلة بالسلطة والشّهرة والمال.

لكنّ الفيلم تناول العلاقة بين رجل السياسة والراقصة ولم يتطرق إلى العلاقة أو الارتباط العميق بين السياسي “فكرياً” والرقص سوى من خلال العبارة السابقة التي نطقت بها الراقصة.. فالعلاقة النفعية المتبادلة بين السّياسة والرقص جاءت في الفيلم من طرف واحد هو المنفعة التي تريد الراقصة الوصول إليها عن طريق علاقتها برجل السّياسة، ولم يتناول الفيلم الجانب الأهم وهو اعتماد رجل السّياسة على الراقصة واستخدامها كأداة للوصول إلى أهدافه.. الفيلم أراد إدانة “الراقصة” وتبرئة السّياسي أو على الأقل إيجاد العذر له وتبرير أخطائه..

بينما الواقع يرفدنا بقصص كثيرة أبطالها سياسيون وصلوا إلى السلطة عبر أجساد راقصات وحكّام لم يستطيعوا حكم العالم إلا عن طريق المرأة التي تعتبر جسراً فقط في جميع الأحوال. والأطرف أنّ لدينا حكّام يمتهنون الرقص الفكري بكلّ أطيافه وأشكاله بدءاً بخداع الشّعب بخطابات رنانة مدروسة وليس انتهاءً ببيع ممتلكات الدولة.

الراقصة والمفكر:

الفرق بين الراقصة والمفكر فرق بين المادي والمعنوي، فالمفكر يعيش حياته فقيراً مهملاً وقد يموت بمرض عادي لا يجد من الدولة دعماً أو علاجاً، بينما تصل الراقصة إلى الثراء الفاحش وتمتلك القصور والخدم والأصدقاء من جميع المستويات بالإضافة إلى الشهرة.. لا شكّ أنّ المجد الذي تصل إليه الراقصة ينتهي بانتهاء جسدها، بينما يصل المفكر إلى المجد بعد أن ينتهي جسده ويوارى التّراب، فالدولة لا تكرّم المفكرين في حياتهم ولا تطبع كتبهم على حسابها الخاص ولا يهمها كيف يعيشون أو من أين يحصلون على لقمة الخبز والدواء..

في هذا السياق تحضر إلى الأذهان قصة حدثت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي تداولها الناس عن الراقصة سهير زكي التي كانت في ذلك الزمن في أوج مجدها. بالتّحديد عام 1982 والحدث داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون في القاهرة عند شبّاك توزيع الرواتب.

 كان الدكتور “حامد جوهر” العالم والمفكر الذي كان يقدّم برنامجاً تلفزيونياً في ذلك الزمن اسمه “عالم البحار”.. وكان حامد جوهر قد حصل على جائزة الدولة التقديرية ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. وقف الدكتور في “الطابور” بانتظار دوره ليقبض راتيه الذي كان لا يتجاوز 25 جنيهاً، وبعد طول انتظار وتململ دخلت الغرفة امرأة تفيض جمالاً وأنوثة وتضع نظارات سوداء، تجاوزت الدور ووصلت إلى شبّاك الخزنة، فنهض الموظف “الصرّاف” رحّب بها، وناولها مبلغ “250” جنيهاً، فامتعضت سهير زكي وقالت: “أنا أرقص ربع ساعة بالملاليم دي”!

علّق كثيرون على الأمر ممن كانوا يقفون في الطابور ومن بينهم ارتفع صوت الدكتور “حامد” المميز والذي بقي في أسماع المصريين والعرب سنين طويلة، قائلاً: “أنا يا أستاذة أحضر من الإسكندرية، وأجهّز للحلقة قبلها بأيام، وأقرأ الكتب والمراجع، ومدّة الحلقة نصف ساعة، ويعطونني خمسة وعشرين جنيهاً”. فالتفتت إليه سهير زكي وقالت عبارتها المشهورة: “طيب وأنا مالي ما تروح ترقص يا أستاذ”!

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة