مقالات

الدّراما التركية بين خلافتين

 

انتشرت الدراما التركية في المحطات العربية انتشار النّار في الهشيم منذ عقد من الزمان، بداية كانت المسلسلات المدبلجة التي قام بترجمتها الصديق المرحوم عبد القادر عبد للي، ثمّ كثر المترجمون بكثرة الطلب على تلك المسلسلات بعد النجاح الكاسح لمسلسل "نور" ومسلسل "وادي الذئاب".

الضجة التي صحبت مسلسل نور ومهند رافقتها ظاهرة غريبة تشبه تلك التي كانت أيام عبد الحليم حافظ ومع أنّ السّائد في العالم العربي التغني بالأسمر وعشق السّمار بسبب العندليب الذي احتلّ قلوب المراهقات لعقود من الزمن أثناء حياته وحتى بعد وفاته، جاء الممثل التركي ليطيح بها كلّها ولتنقلب الأذواق وتختلف، وصارت زيارات مهند للدول العربية والعروض التي تتهافت عليه في التمثيل مع تهافت المراهقات وانتشار حالات الطلاق والضجة الإعلامية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، كلّ ذلك كان مؤشراً للانحدار الذي وصلت إليه المجتمعات العربية قبل الربيع العربي..

الغزو الفنزويلي:

قبل أن تغزو الدّراما التركية الديار العربية كان الاجتياح الفنزويلي (الذي أطلق عليه العامة اسم مكسيكي) بمسلسل ظلّ يعرض على الشاشات لسنوات طويلة.. في العرض الأوّل للمسلسل على التلفزيون السّوري ظهرت الشوارع وكأنّها في حالة منع التجول.. هادئة لا حركة ولا ناس ولا سيارات حتّى معظم المحلات مغلقة ماعدا تلك التي فيها أجهزة تلفزيون!

أصبحت كاسندرا حلم الشباب، ولويس دافيد معشوق الصبايا، وبالتّأكيد كان صوت الممثلة اللبنانية سميرة بارودي التي أدّت دور كاسندرا في "الدبلجة" ذا تأثير كبير في إغناء الشخصية ومنحها جمالاً خاصاً. وانتشرت أزياء كاسندرا، وأكسسواراتها بشكل غير طبيعي حتّى صبغ الفترة بالزي الغجري الذي كانت ترتديه في المسلسل.

أحلام الخلافة والسلطنة:

تشهد الدراما التركية _حالياً_ نقلة نوعية في الموضوعات وطريقة التناول وضخامة الإنتاج ويأتي ذلك كلّه وكأنّه ردّة فعل مباشرة على مسلسل "حريم السلطان" الذي أثار ضجة كبيرة لتعرضه بشكل غير منصف لحياة السلطان سليمان القانوني وخوضه في حياته الخاصة مما جعل البرلمان التركي يطالب بوقف عرضه، وقد قال البرفسور التركي "إيلبار أورتا بيل" في حوار صحفي لقناة 24 التركية بأنّ المسلسل حرّف تاريخ سليمان القانوني الذي كان أعظم السلاطين العثمانيين وأقواهم وذلك بهدف التقليل من شأن السلطان الذي أقلق منام الغرب وأعداء الدولة الإسلامية.

دبلج المسلسل باللهجة السورية وتابعه ملايين المشاهدين على طول الوطن العربي وعرضه..

ومن إفرازات ذلك المسلسل أنّ قامت بعض السوريات من العائلات الغنية في سوريا عام 2013 بعمل حفل في منتجع يعفور أطلقن عليه اسم حفل "حريم السلطان" وبلغت تكاليف نقل الفساتين من أوربا إلى سوريا والتي ارتدتها تلك السيدات 18 مليون ليرة سورية وتم التحفظ على ثمن الملابس التي ارتدينها وهي الأزياء نفسها التي ارتدتها الممثلات التركيات في مسلسل "حريم السلطان" والذي حمل في نسخته التركية اسم "القرن العظيم". وكان ذلك العهر العلني رقص واحتفال بدماء السوريين التي تراق في جميع المدن السورية الواقعة تحت القصف بالبراميل والصواريخ.

مسلسل السلطان عبد الحميد:

المسلسل الذي أعاد الاعتبار للسلطنة العثمانية وأظهر الوجه المشرق للخلافة الإسلامية وصلابة مواقف السلطنة على الرغم من المكائد التي حاكتها الدول الأوربية مجتمعة ضدّ السلطنة هو مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني.. والحق يقال إنّ المسلسل على الرغم من الدراما المبالغ فيها بالنسبة لقصص الحب بين خديجة وكمال الدين باشا والأمير عبد القادر وفيروزة قد أنصف فترة حكم السلطان عبد الحميد الذي كان يلقّب بالسلطان الأحمر "أي الدموي" من قبل أعدائه.. وحظي المسلسل بانتشار كبير ولقي تجاوباً شعبياً حتّى على مستوى الرئاسة في تركيا.

وكذلك مسلسل "قيامة أرطغرل" الذي صرّح أردوغان بأنّه يتابعه وعائلته معه، كما قام داوود أوغلو بزيارة موقع التصوير ليشكر فريق العمل وقد مازحه الممثل الذي قام بدور "ابن عربي" بقوله إنّ الدور يليق به كونه يبقى مبتسماً دائماً!

البطل الفرد:

على الرغم من العدد الهائل للشخصيات الفاعلة في المسلسلات إلاّ أنّها تقوم عموماً على البطولة الفردية بدءاً من إطلاق اسم الشخصية المحورية على المسلسل (السلطان عبد الحميد، قيامة أرطغرل) مما يعيد إلى أذهاننا النموذج الأسطوري للبطل المطلق، هذا البطل الذي بإمكانه أن يقهر العدو بقوته ودهائه ويخرج أقوى دائماً من كلّ فخ يقع فيه وبعد كلّ مكيدة، حد أنّه يعود إلى الحياة بعد أن يعتقد الجميع أنّه مات! إنّه البطل الملحمي الحي دائماً، البطل الأسطورة!

وهذا المفهوم للبطولة المطلقة كرّسته السينما الأمريكية من قبل من خلال شخصيات مثل "جيمس بوند" و "سوبر مان" وغيرهم.

اسم المسلسل يوحي إلينا مباشرة أنّ البطل لا يمكن أن يموت فتعبير "القيامة" استنفد في مسلسل "قيامة أرطغرل" معانيه الميثولوجية والدينية والواقعية..

فقد "قام" البطل _بعد كلّ حلقة تشعرنا أنّه انتهى بين يدي الأعداء_ وعاد ثانية إلى الحياة والحروب. المسلسل لا يدّعي أنّه تاريخي وثائقي بل اعتمد على التاريخ وأخذ بعض الأحداث منه وتوسع في القصص الدرامية فحفل بالأكشن وتصاعدت فيه المواقف حداً جعلته أقرب إلى الخرافة من التاريخ.

وما بين "قيامة أرطغرل" و"عبدالحميد الثاني" يقف المرء متسائلاً عن النيّة في توقيت ظهور المسلسلين، وعمّا إذا كان ثمّة علاقة بين الفني والسياسي فإعادة إنتاج شخصية البطل الملحمي إلى الأذهان بعد أن قضت عليه الرواية منذ بداياتها الأولى يعكس رغبة سياسية واضحة بتكريس مفهوم الخليفة وإبراز رئيس الدولة على أنّه امتداد طبيعي لجيل العظماء، وبكلّ تأكيد لا شيء يمتلك القدرة على ذلك غير الفن خاصة التلفزيوني منه، فللتلفزيون سحر واضح يجعل من الجموع البشرية مجرد قطعان ترعى حيث يشاء لها الراعي.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة