مبادئ في التعامل مع أحكام غير المسلمين

هناك جملة من المبادئ والأصول تغيب عن بعض من يتناولون قضايا وأحكام غير المسلمين، وبخاصة في المجالات والجوانب الاجتماعية والسياسية وغيرها، فترى أحدهم مغرقا في التناول لها بعيدا عن ضبط المسائل، وبعيدا عن إدراكه لواقعها، ولا إدراكه لفقه نصوصها، وقد تناولنا من قبل في مقالين سابقين، خطورة البعد عن النصوص المحكمة، واللجوء للنصوص المتشابهة، وترك الكليات واللجوء للنصوص الجزئية، وبترها عن الكليات التي عُني بها التشريع الإسلامي، ولذا قبل الخوض في كيفية التعامل مع هذه القضايا رأينا أن نضع أصولا نحتكم إليها عند البحث في قضايا (المواطنة) أو غير المسلمين، وهي:

أولا:

 تحكيم نصوص الشريعة الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة: فما جاء في هذه الأصول فالعمل به واجب، وما وافقها فالعمل به صحيح، وما خالفها مما ليس منها فهو على أصحابه رد، والعمل به اجتهاد بشري لصاحبه – إن كان مجتهدا، أو مؤهلا للاجتهاد – أجره، وعليه – إن لم يكن كذلك – إثمه ووزره، ولسنا ملزمين به إلا في إطار اعتبار رأيه مجرد فهم يقترب ويبتعد عن الصواب بقدر قربه وابتعاده عن النصوص.

ثانيا:

 قبول ما تقتضيه المشاركة في الدار، أو الوطن أو المواطنة بتعبيرنا العصري، فكل ما يحقق مصالح المشتركين معا فيه جاز، وكل ما أهدرها فهو بالإهدار أولى وأحق. وقد قَعَّد هذه القاعدة الأصوليون والفقهاء حين قرروا:

أن الشريعة مبنية عموما على جلب المصالح، ودرء المفاسد، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده به فهو باطل[1]. ولا يبعد من يقول: إن هذه القواعد محل اتفاق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وتنوع منازعهم في الاجتهاد والفتيا والاستنباط.

ثالثا:

 إعمال روح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها، فكل قول، أو رأي، أو فعل، نافى روح الأخوة، فقد غفل صاحبه عن أصل من أصول الإسلام عظيم، نطق به القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وصدر عنه في أقوالهم وأفعالهم أصحاب رسل الله صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالحون، وتبعهم في كل عصر دعاة الإسلام الهادون المهديون، بل وعاش في ظله رعايا دولة الإسلام منذ كانت وإلى يوم الناس هذا: في مدنهم وقراهم، وأفراحهم وأحزانهم، وبيعهم وشرائهم، وأعيادهم ومواسمهم، حتى إنه لولا الاستمساك المحمود للمسلمين وغير المسلمين بشعائر دينهم الظاهرة، ما عرف منهم مسلم إسلامه ولا كتابي بكتابه.[2]

رابعا:

 الإسلام دين القسط والعدل والحق والبر، فكل رأي نافى هذه المبادئ التي أمر بها القرآن الكريم، أو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، أو الحق الذي به يحتمي الناس، فهو مردود ومناف لروح الإسلام[3]، ورحم الله ابن القيم حين قال: (الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.

فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل.

فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، ورحمته الدالة عليه، وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل). [4]

خامسا:

ما ورد في اجتهادات السابقين من أئمتنا رضوان الله عليهم، وأساتذتنا المعاصرين، مما لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، أو كان فهما منه لنص من القرآن والسنة، واجتهادا نابعا من روح عصره، فلنا أن ننتقي منه، وأن نختلف معه، ولكل أن يجتهد لزمانه وعصره، وليس من المعقول أن يجتهد هؤلاء لزمانهم، لنقف نحن عند هذا الزمان وهذا الاجتهاد، وكأن التاريخ والاجتهاد وقف عند زمن معين، وأئمة معينين، مدعين أنه ليس لنا أن نخرج عنهم، أو نخالفهم، أو نصحح ما ارتبطت فيه الفتوى بملابسات معينة، وبخاصة الفقه السياسي والاجتماعي الذي يرتبط ارتباطا كبيرا بالظروف والملابسات، وهو ما أصل له الفقهاء تحت باب: تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والنيات والمقاصد والأحوال والعوائد، فكل هذه عوامل تغير من فتوى الفقيه، ومعظم ما صدر عن فقهائنا في باب معاملة غير المسلمين، فكثير منه فتوى وليس حكما، وهو ما يعني أننا علينا أن نميز بين ما هو في باب الحكم الثابت، وما هو في باب الفتوى التي تقبل التغيير، بحسب مقتضيات التغيير المعتبرة عند الفقهاء والأصوليين.

هذه جملة مبادئ مهمة للتحاكم إليها في مثل هذه القضايا، وتبقى قضايا متعلقة بفقه النظر في مسائل أحكام غير المسلمين، نتناولها في مقالات قادمة إن شاء الله.

 

 


[1] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وعلى الأخص (2/142)، ومقدمة الأشباه والنظائر للسيوطي، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 90، والمدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقا (2/99).

[2] انظر: في النظام السياسي الإسلامي للدكتور محمد سليم العوا ص: 239،238. طبعة دار الشروق. وعنه نقلنا معظم الفقرات السابقة بتصرف.

[3] لمزيد من التفصيل حول هذه القيم الإسلامية الكبرى مثل: حرية الاعتقاد، والمساواة، والعدالة، والبر والرحمة، والإنصاف، والتسامح، وأهميتها في التعامل مع الآخر غير المسلم، انظر: التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي لناصر محمدي محمد جاد ص: 55-97.

[4] انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (3/15،14).

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة