ميركل في الحكم والنازيون في البرلمان!

رغم الفوز الباهت لحزب ميركل الديمقراطي المسيحي، فإن الانتخابات البرلمانية الألمانية أسفرت عن فوز كبير غير متوقع لحزب “البديل من أجل ألمانيا” المعروف بعدائه الشديد للمهاجرين والمسلمين، وحصوله على حوالي 89 مقعدا من أصل 600 مقعد هي عدد مقاعد البوندستاغ. 

تضاءلت كل أخبار الانتخابات والأحزاب الألمانية المختلفة بجانب هذه المفاجأة الكبيرة، فهذا الحزب ليس له برنامج محدد كباقي الأحزاب، إنما ينصب كل همه في مجاهرته بالعداء للأجانب، ويطالب بترحيلهم من ألمانيا، ووقف كل عمليات الهجرة ولم الشمل، والمطالبة بالانسحاب من الاتحاد الأوربي. من أبرز سمات هذا الحزب اشتهار أعضائه بالتصريحات العدائية الشديدة تجاه المسلمين والمهاجرين، حتى إن أحدهم طالب بإطلاق النار عليهم على الحدود، أما أخطر ما يتبناه الحزب هو نفي أن تتحمل ألمانيا الذنب في بدء الحرب العالمية الثانية، ومن ثم اتهام بولندا بأنها هي من تسبب في بداية الحرب، ومن المعروف أن الحرب العالمية الثانية بدأت بسبب غزو هتلر للأراضي البولندية.  

التعاطف مع النازية

وجود هذا الخطاب المتعاطف مع النازية بشكل رسمي من شأنه أن يثير حفيظة العالم ضد ألمانيا، وسوف يثير مخاوف كبيرة من تجدد الإرث النازي في الحياة السياسية الألمانية، ومن المؤكد أن رفضا كبير من العالم سيبدأ خطواته ضد هذا الحزب المتطرف. المثير للفضول أنه فور إعلان النتائج قالت:” أليس فايدل” مرشحة حزب البديل أن حزبها سوف يسعى لتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الخروقات القانونية، التي ارتكبتها المستشارة انغيلا ميركل فيما يتعلق بأزمة اللاجئين، ومن ثم قرارها بفتح الأبواب أمام مليون لاجئ. والحزب يرى أن ميركل يجب أن تمثل أمام العدالة بسبب تجاهلها للقوانين الأوربية التي تنظم دخول اللاجئين إليها وأهمها تقديم طلبات اللجوء في أول دولة يدخلها طالب اللجوء في الاتحاد الأوربي. 

  أما ميركل السياسية المخضرمة فقد ردت على اتهامات الحزب بهدوء وقالت: إنها ليست خائفة من تشكيل هذه اللجنة فيما أكد رؤساء باقي الأحزاب في مناظرة نظمها التليفزيون الألماني عشية الانتخابات عن رغبتهم في سن قانون جديد ينظم عمليات الهجرة إلى ألمانيا.

مراقبون ألمان يعتقدون أن البرلمان المقبل “البوندستاغ” سيتحول إلى ساحة معارك سياسية من العيار الثقيل، وهذا ما أكده أحد قيادات حزب البديل الكسندر غاولاند الذي قال إن النتيجة الجيدة التي حققها حزبه في الانتخابات البرلمانية اليوم هي بمثابة إعلان حرب على الحكومة الألمانية المقبلة بزعامة ميركل مؤكدا على قيام حزبه بمطاردة الحكومة حتي استعادة البلاد والشعب على حد وصفه.

الهجوم على الإسلام

الإسلام والمسلمون احتلوا أيضا جزء لا بأس به من حرب الانتخابات الألمانية، فبينما ركز حزب البديل هجومه على الإسلام معتبرا أنه يمثل تحديا مباشراً للسلام الداخلي للبلاد، كما وأن تزايد أعداد المسلمين وأسلمة المجتمع يمثل تحديا كبيرا لأنه يتناقض مع التقاليد الألمانية كدولة حرة تتمتع بسيادة القانون.. فإن المستشارة ميركل رأت من جهتها أن الإسلام جزء من ألمانيا، وهذا ما أكدت عليه كثيرا في مناسبات عدة من قبل، أما مارتن شولتز زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاصل على المركز الثاني في الانتخابات فهو يري أن الإسلام يمثل طائفة دينية مثل أي طائفة أخرى قابلة للاندماج في ألمانيا.

مراقبون سياسيون يعتقدون أن سياسة ميركل المتسامحة مع اللاجئين هي التي أدت إلى التصويت لهذا الحزب المغمور، وهي التي أعطته فرصة الدخول ممثلا في أعلى سلطة تشريعية في البلاد، ويعتبرون عودة هذا الحزب المتطرف النازي إلى الحياة السياسية في ألمانيا هي الأولى منذ 70 عاما، ومعروف أن المستشارهيلموت كول وجيرهارد شيرودر وقفا بشدة في مواجهة تلك الأحزاب اليمينية المتطرفة ولم يسمحا بوجودها في البرلمان الألماني.

أمام كل هذا الانزعاج العالمي حاولت ميركل التخفيف من مظاهر عودة المتطرفين إلى البرلمان وقالت: أنها ستعمل جاهدة مع باقي الأحزاب الألمانية من أجل الحفاظ على الديمقراطية الألمانية، وعلى استعادة أصوات الألمان التي ذهبت إلى حزب البديل. 

الاعتراف

ميركل تعرف أن سياستها الإنسانية في فتح الباب أمام مليون لاجئ هي التي قسمت البلاد، لكنها أعربت أكثر من مرة أمام هذا الوضع الإنساني بأن الإنسانية ليست خيارا وإنما فرضا في أوقات الأزمات..  وأنها كانت أمام وضع مأساوي لن يفيد فيه ترحيل المهاجرين الذين كانوا سيعاودون الكرة من جديد لدخول ألمانيا.

ليس هناك شك في أن ميركل ستقوم بتشكيل الحكومة الجديدة وهي في الأغلب ستتحالف مع حزب الخضر والحزب الليبرالي وبذلك ستصل إلى النسبة الكافية، أما وجود الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة مارتن شولتز منافسا لميركل في المعارضة فانه سيكون قرارا صائبا لأنه سوف يسد الطريق على حزب البديل من أن يتزعم المعارضة في البرلمان، ويصبح صوته عاليا.. أذ أن الطقوس البرلمانية في ألمانيا تعطي الكلمة والتعقيب على المستشارة الألمانية للمعارضة قبل أي من الكلمات الأخرى، لهذا أعلن شولتز أن الحزب الاشتراكي لن يتحالف مع حزب ميركل المسيحي الديمقراطي فيما يعني أنه سيتزعم المعارضة في البرلمان وهذا سيكون سبب كافي في عزل حزب البديل ووضع العراقيل أمامه في مواجهة تكتل الأحزاب الأخري مجتمعة.

أهم درس في الأنتخابات الألمانية أنها أكدت علي حق الشعب في انتخاب من يراه مناسبا، ولم تمنع الديمقراطية في ذلك البلد ترشيح حزب يذكر بماضي ألمانيا النازية.. فهكذا هي الديمقراطية التي تنتعش في ظل شعوب حيه تشارك في العملية السياسية في أروع مشهد ديمقراطي يمكن أن يتم عن طريق الانتخابات.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة