لماذا يبيعون الأراضي الزراعية في مصر للأجانب؟!

فاجأتنا الحكومة ببيع الأراضي الزراعية في الصحراء الغربية للشركات الأجنبية، في الوقت الذي يطالب فيه المصريون بزيادة الرقعة الزراعية لتوفير الاحتياجات الغذائية المتصاعدة، وبدلا من الاستعداد لجفاف النيل بعد توقيع عبد الفتاح السيسي بالتنازل عن المياه لأثيوبيا، تسعى الحكومة باندفاع جنوني لتدويل غرب مصر ونقل ملكية الأراضي الصالحة للزراعة بمساحات شاسعة إلى هيئات دولية بمزاعم الاستثمار!

في إطار أغرب مزاد لبيع ممتلكات ومقدرات دولة، أعلنت شركة تنمية الريف المصري الجديد المسئولة عن مشروع المليون ونصف المليون فدان عن مفاوضات لبيع 100 ألف فدان لشركة صينية لزراعة القطن طويل التيلة، وأن هذه المساحة مجرد بداية أي أنها ستحصل على مساحات أخرى، وهذا التوجه من الشركة الصينية لزراعة القطن في مصر لضمان إمداد المصانع الصينية بالقطن المصري بأسعار التكلفة لأهم محصول مصري له شهرة عالمية.

ومع الإعلان عن صفقة الشركة الصينية وافقت الحكومة المصرية على بيع 300 ألف فدان لشركة من كوريا الجنوبية وهي المساحة الأكبر التي تحصل عليها شركة في العالم بغرض الاستثمار الزراعي، ومن المعروف أن كوريا الجنوبية من أهم الدول التي تستورد القطن المصري طويل التيلة، وهذا يعني أن الكوريين الجنوبيين حلفاء الولايات المتحدة وجدوها فرصة ليزرعوا القطن ويحصلوا عليه بأقل تكلفة لتشغيل مصانعهم.

يبدو أن تجربة النهب التي يتعرض لها قطاع البترول المصري تتكرر في القطاع الزراعي، فكما أن الاتفاقات المجحفة مع الشركات الأمريكية والبريطانية جعلتنا نشتري البترول المستخرج من أرضنا لتغطية الاستهلاك المحلي حيث أن الشركات تستولي على ثلثي الإنتاج تقريبا، فإن الاستثمارات الجديدة في القطاع الزراعي ستحرمنا من احتياجاتنا التي تتزايد كل يوم، أي نموت من أجل أن تحيا الشركات التي تستولي على أراضينا!

تجاهل المجاعة القادمة

إن بيع الأراضي الصالحة للزراعة جريمة كبرى، وخيانة للجيل الحالي والأجيال القادمة، فمصر تنتظر العطش والمجاعة بسبب سد النهضة الأثيوبي الذي سيخزن مياه النيل وسيمنع وصول الفيضان إلى بحيرة ناصر، وسيؤدي نقص المياه إلى الجفاف ونقص الحاصلات الزراعية والدخول في مرحلة الجوع التي لن تبقي ولن تذر.

كان التفكير الطبيعي أن تتوسع الدولة في الزراعة وتوظيف العمالة المصرية التي تعاني من البطالة في التنمية الزراعية غربا، بل والبحث عن زراعة الأراضي في السودان استعدادا للعجز الغذائي القادم، والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي -الأشقاء السودانيون يرحبون بذلك- ولكن الحكومة اتجهت إلى الطريق المعاكس وهو التخلص من الأراضي (فرصة الإنقاذ المؤكدة) وبيعها في أغرب عملية تبديد يقوم بها نظام حكم في العالم.

بيع الأراضي بهذه المساحات الكبيرة للشركات الأجنبية يذكرنا بشركة الفواكه الأمريكية التي اشترت الأراضي في دول أمريكا الوسطى والتي سميت بجمهوريات الموز، حيث اشترت الشركة عشرات الآلاف من الأفدنة لزراعة الموز وتصديره لأمريكا.

 كانت تجربة شركة الفواكه أسوأ تجربة مرت بها شعوب البلاد التي سلمت أراضيها الزراعية للأجنبي، حيث تحول السكان إلى عبيد ونهبت الشركات خيرات الشعوب، وتخربت البلاد، وكانت هذه المزارع عبئا على الحكومات الوطنية التي جاءت بعد ذلك وحاولت انتزاع الأرض.

لا يوجد أي سبب مقنع لبيع الأراضي للأجانب، فالأرض موجودة والماء متوفر والعنصر البشري فائض بكثافة والخبرة الزراعية المصرية متراكمة منذ آلاف السنين، والأهم هو الاحتياج لكل فدان يضاف إلى الرقعة الزراعية لتأمين الغذاء للمصريين، فلماذا يبيعوا الأرض ويسلموها لغير المصريين؟

خدعة الاستثمار الأجنبي

لقد ضللونا عندما زعموا أن بيع المصانع للمستثمرين سيحسن أداء الصناعة ويوفر المزيد من فرص العمل، ولكن المصانع لم تستمر، بل أغلقت، والعمال تشردوا، ولم نر الوظائف التي وعدوا بها الشعب المصري، وجاءت البطالة زاحفة حتى امتلأت المقاهي والشوارع بالشباب والشيوخ الذين ينتظرون وظائف لم تأت.

 والآن يرددون نفس الادعاءات ويزعمون أن الشركات التي ستأخذ الأرض ستوفر فرص العمل وتنتج المحاصيل، وهم بأنفسهم يتحدثون عن طبيعة المحاصيل التي ستزرعها الشركات وهي مخصصة للتصدير لبلادهم سواء كمحاصيل أو كمنتجات مصنعة ولن ينال المصريون منها شيء، وإن باعوا لنا بعض المحاصيل والمنتجات سيتعاملون معنا كزبائن.

من البديهيات أن الشركات الأجنبية لا تدفع الزكوات، ولا تعرف تقديم الصدقات، ولا تتبرع للأعمال الخيرية في المجتمعات التي تعمل بها، بل تبحث عن تعظيم مكاسبها بكل الطرق القانونية وغير القانونية، وهذه الشركات من أسباب الفساد المالي وشيوع ظاهرة الرشى والعمولات وتلويث الدوائر العليا في الدول.

إنهم يكررون تجربة توشكي الفاسدة حيث رفضت الحكومة في عهد حسني مبارك تسليم أرض المشروع للمصريين وأعطت أكثر من نصف مليون فدان لخمس شركات غير مصرية لم تزرعها، وخربت الأرض التي أنفقت الحكومة عليها المليارات من حصيلة بيع القطاع العام، ويبدو أن قرارا غير مكتوب، أو مكتوب ولكن بشكل سري ونرى تنفيذه، فحواه حرمان المصريين من زراعة أراضيهم بأنفسهم وطرد الحكومة منها تمهيدا للتقسيم القادم.

تصفية وليس تنمية

ما يجري في غرب مصر باسم الاستثمار الزراعي تبديد لحقوق الجيل الحالي ومصادرة حقوق الأجيال القادمة، فهذه الأراضي التي تعوم على خزان جوفي متدفق هي الأمل في الخروج من ضيق الوادي والانطلاق نحو آفاق واسعة من التنمية الحقيقية على الأرض وليس على الورق والأرقام التي تعلنها البورصة.

الصحراء الغربية هي مستقبل مصر الحقيقي؛ ففيها الأرض الزراعية التي زرعها سيدنا يوسف في المجاعة الشهيرة وأطعم منها المصريين والشعوب المجاورة، وهذه الأراضي التي تباع اليوم للأجانب كانت مزرعة القمح للإمبراطورية الرومانية، وفيها ثروات وموارد متنوعة تكفي لبناء مصر جديدة.

في هذه الصحراء التي يتم تدويلها ونقل ملكيتها للشركات الأجنبية يوجد البترول والمناجم وجبال الفوسفات والمحاجر، وبها إمكانات ملائمة لإقامة مجتمعات عمرانية حقيقية ومدن مليونية منتجة وليست وهمية كالتي يعلنون عنها في أماكن ليس بها أي موارد ولا توجد بها أسباب الحياة.

***

بيع الأراضي الزراعية للأجانب هدفه إخراج الأراضي ذات الفرص التنموية العالية من قبضة الحكومة وتسليم غرب مصر إلى جهات دولية، وهذا التفريط مرتبط بمخططات وضعتها دوائر أمريكية وصهيونية، وتعتمد على تغيير الجغرافيا بتقسيم الأراضي ونزع ملكيتها وتحريك السكان بعيدا عن المناطق التي تم تحديدها كأساس لتفتيت مصر في سايكس بيكو جديدة.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة