“مرشح الفوبيا” في جمهورية الخوف

يعتبر “المشير” عبد الفتاح السيسي مؤشرا لمستوى الرداءة الذي وصل إليه الحكام العسكريون لمصر، ذلك أن أسلافه من أولئك الحكام حاولوا أن يقدموا شيئا إيجابيا لستر طغيانهم وفسادهم من جهة، كما كانوا أقل غشما في التعبير عن مكنون مؤامراتهم من جهة أخرى، وبعيدا عن فشل السيسي في تقديم إيجابيات يغطي بها طغيانه وفساده، فإنه أتى بما لم يأت به الأوائل حين دعا علنا لنشر فوبيا الفشل بين الشعب، ليصبح بذلك أول رئيس يدعو علنا لنشر مرض نفسي بين شعبه حتى يتسنى له البقاء في السلطة بحجة حماية الدولةالمهددة وما هي بمهددة.

ما أن دعا السيسي في لقائه الأخير مع الشباب وسائل الإعلام لنشر فوبيا فشل الدولة، وأن تخصص هذه الأذرع الإعلامية أسبوعين على الأقل لهذه العملية، حتى تداعت الهيئة الوطنية للصحافة التي تم تشكيلها مؤخرا من عواجيز وبقايا نظام مبارك، فدعت رؤساء مجالس المؤسسات الصحفية الحكومية لوضع تعليمات السيسي موضع التنفيذ، لتشارك بذلك عن وعي في هذه الجريمة مكتملة الأركان وهي نشر مرض الفوبيا بين المصريين، وليعلن وكيل الهيئة عبد الله حسن -الذي سبق أن طرده ثوار يناير من وكالة أنباء الشرق الأوسط التي كان يرأس مجلس رئاستها وتحريرها- أن الاجتماع يأتي في إطار توجيهات السيسي لكل مؤسسات الدولة، بالتحرك ضد محاولة إسقاط الدولة وإفشالها، فضلاً عن توجيهاته للإعلام بضرورة خلق فوبيا ضد سقوط الدولة!!

فوبيا الحرب الأهلية

كان السيسي يقف في الخفاء خلف فوبيا الحرب الأهلية التي صنعها، وروجها عبر أذرع الثورة المضادة إبان حكم الرئيس المدني محمد مرسي، ونجحت تلك الفوبيا في غسل أدمغة الكثيرين الذين راحوا يرددون كالببغاوات إسطوانة الحرب الأهلية التي تدق أبواب مصر، وتهدد بتكرار ما حدث في سوريا والعراق، واستغل السيسي تلك الفوبيا ليصل عبر مدرعاته في النهاية إلى قصر الاتحادية مدعيا أنه المخلص لمصر من هذه الحرب الموهومة، فرقص له الراقصون، وغنى له المطربون، واحتشد لتفويضه المغيبون، وعاش الجنرال على هذه الفوبيا لمدة تزيد عن العامين، ولكن مع عامه الثالث انقشعت الغمامة عن أعين الكثيرين، فرأوا أوهام السيسي على حقيقتها بعد أن منحوه الفرصة تلو الفرصة حسب طلبه ( سنتين ثم ستة اشهر) دون أن يقوى على فعل أي شي يحسن معيشتهم، بل سارت أحوالهم من سيء إلى أسوأ، ومع هذه الموجة من عودة الوعي للمصريين وجد السيسي نفسه عاريا من الدعم الشعبي، وهو يقترب من هزلية انتخابية جديدة بعد أقل من عام، فلم يجد أمامه سوى إعادة نشر الفوبيا بين المصريين من انهيار الدولة، رغم أن أي عاقل بدرك أن هذه دولة عصية على أي انهيار، فهي دولة تمتد تاريخا لسبعة آلاف سنة، وتمتد جغرافيا عبر آسيا وافريقيا وتطل على أوربا، ويربطها نهر النيل، ولو كانت قابلة للسقوط لسقطت خلال السنوات الثلاث الماضية.

تمنع الجنرال

يعود السيسي مجددا لاستخدام الحيلة ذاتها التي ترشح بموجبها في المرة الأولى، فقد كان الجنرال يبدي تمنعا ظاهريا عن خوض الانتخابات وفي الوقت نفسه يستخدم كل الأذرع والوسائل لنشر فوبيا الفشل حتى يدفع قوى سياسية (هزلية) وقطاعات شعبية ( مازومة)  للضغط عليه للترشح وهو ما حدث فعلا، ولينحت له كبير الكهنة محمد حسنين هيكل مصطلح “مرشح الضرورة” ، واليوم يريد السيسي تكرار المشهد، ولكن أمام انكشافه شعبيا، وشعوره هو بفوبيا الفشل الشخصي فإنه لم يستطع أن يتحكم في أعصابه، ويترك مطابخه تنشر تلك الفوبيا دون ظهور له، فنطق بها مطالبا الإعلام بتكثيف تحركه في هذا المجال بحيث ينتشر هذا المرض ويعم مصر خلال (أسبوع أو أسبوعين حسب طلبه).

ينتظر السيسي الآن نتيجة خطتة الجديدة لنشر فوبيا الفشل، وستتحرك أذرعه لتطالبه بالترشح، وليكمل جميله، ولينقذ الدولة من السقوط المريع الذي ستتعرض له بزعمهم، وليجعلها “قد الدنيا”: كما وعد، وبدلا من هيكل واحد فقد أعد السيسي عشرات الهياكل لينحتوا له وصفا لترشحه، وقد يصفونه بالمخلص او المهدي المنتظر، أو صانع المعجزات، ومع ذلك سيظل الوصف الأصدق أنه “مرشح الفوبيا”.

صناعة الخوف لصيقة دوما بحكم العسكر في كل مكان وزمان، ذلك أن أيا منهم لا يستطيع أن يحكم في ظل شعور الشعب بالأمن الذي يدفعه للمطالبة بحقوقه والزود عنها، ومنذ إنقلاب يوليو 1952 وحتى انقلاب يوليو 2013، فرض العسكر الخوف على الشعب المصري،ليشي الولد بأبيه وأمه وأخيه، وتشي الزوجة بزوجها، وربما بابنها، ويرسخ في أذهان الناس “أن للجدران آذان” وهو ما ترجمه شعرا هاشم الرفاعي (حتى صدى الهمسـات غشـاه الوهـــن ..لا تنطقــوا إن الجـــدار لـــــه أذن)

صحفيو اليوم السابع

في جمهورية الخوف، لم يعد مسموحا بتنوع الآراء ولا بصحافة حرة أو مسستقلة، و”من اعترض انطرد”، كما حدث مؤخرا بالنسبة لصحفيي اليوم السابع الذين كتبوا على صفحاتهم الشخصية مواقف رافضة للتنازل عن تيران وصنافير، وفي جمهورية الخوف لا مجال للتظاهر السلمي، ولا مجال للجأر بالشكوى، ولا مجال للدفاع عن حقوقك، وفي جمهورية الخوف لا مجال للعمل السياسي، ولا لانتخابات نزيهة، ولا لاجتماعات حزبية آمنة، ولا لتحركات فئوية سلمية.

في جمهورية الخوف تصبح التربة خصبة لإنتاج العنف والكراهية والإرهاب، ومن جمهورية الخوف يفر الناس طلبا للأمان المادي والمعنوي، ومنها أيضا يفر الاستثمار والسياحة والثقافة والفكر، وإلى جمهورية الخوف تتجه العفاريت والشياطين لتمارس هوايتها، وغوايتها، وعن جمهورية الخوف يكتب المرجفون محذرين ومنذرين من يفكر في الثورة والتمرد، وفي المقابل يكتب الكتاب والشعراء الأحرار مبشرين بنهاية الخوف والظلم، وبزوغ فجر جديد.

تثبيت أركان الدولة لا يكون بنشر الخوف والفزع بين الناس حتى يضطروا لقبول مالا يمكن قبوله، ويرضوا الدنية في دينهم ودنياهم، وحريتهم وكرامتهم، ولكنه يكون بنشر العدل والحرية، فقد كتب أحد الولاة إلى عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه يطلب مالا كثيرا لبناء سور حول عاصمة الولاية .. فقال له عمر: بماذا تنفع الأسوار .. حصنها بالعدل .. و نقِ طرقها من الظلم.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة