مقالات

عبد الناصر والسيسي!

نعم لم يكتب النجاح لعبد الناصر في تحقيق انتصار عسكري على إسرائيل ولكنه نجح في عزلها تماماً عربياً وأفريقياً وعلي مستوى دولي.

الحقيقة أنني لم أر وجها للشبه بين مؤسس الدولة العسكرية جمال عبد الناصر، وعبد الفتاح السيسي برغم بزته العسكرية التي ترشح من خلالها ونجح بفضلها في الوثوب علي السلطة في مصر.

وجهة نظري أن دولة يوليو من الأساس انتهت تماماً يوم ١٥ من مايو/أيار ١٩٧٠ بسجن كل رموز الحقبة الناصرية واستقرار  الأمر لأنور السادات منفرداً. سأتناول في اختصار شديد أتمني ألا يصل الي حد الاختزال أحد الجوانب المهمة في دولة يوليو ومقارنتها بدولة السادات/مبارك/السيسي، الذين أراهم تجليات ثلاثة لدولة واحدة مختلفة كلياً عن دولة ناصر، إلا في جانب واحد وهو تجلي الاستبداد وخنق المجال العام وحكم الفرد وهو مالا أستطيع الدفاع عنه (ولا أرغب).

العدو

سأتناول الأمر من خلال العلاقة مع إسرائيل،  بداية اعتبرت دولة يوليو إسرائيل هي العدو الاول للدولة المصرية، فجمال عبد الناصر ورفيق دربه عبد الحكيم عامر وباقي تنظيم الضباط الأحرار خاضوا حرب ١٩٤٨ وكان لهذا أثر في نفوسهم وفي نظرتهم لإسرائيل باعتبارها مخلب القط للاستعمار القديم،الذي كان حتى ذلك الحين ما زال موجوداً في بعض دول المنطقة مثل الجزائر، ثم كانت اسرائيل حليفاً لذلك الاستعمار  ورأس حربته فعلاً في ١٩٥٦  بعد أزمه تأميم قناة السويس، ولم يتراجع جمال عبد الناصر عن تلك العداوة أبداً لا بإغراء ذهب المعز، بتمويل السد العالي الذي اشترطت الولايات المتحدة للالتزام به الصلح مع إسرائيل علي حساب الشعب الفلسطيني وهو ما رفضه ناصر تماماً، ما تسبب في سحب عرض تمويل السد وهو المشروع الذي اعتمد عليه ناصر (وكان محقاً) في إحداث نقله نوعيه زراعية من خلال التحول من الري الموسمي الي الدائم وزياده الرقعة الزراعية، و الصناعية من خلال الطاقة التي ستوفرها توربينات السد لتشغيل مئات المصانع المزمع بناؤها، كما لم يتنازل عن تلك العداوة خوفاً من سيف المعز بدخول إسرائيل جنباً الي جنب مع بريطانيا وفرنسا في حرب السويس سنة ١٩٥٦، فهل كان عبد الناصر محقاً في تلك العداوة أم أن خلفاءه: السادات /مبارك/السيسي كانوا أكثر تعقلاً منه والسلام البارد مع اسرائيل قد حقق لمصر ما تمنته وكان ناصر مخطئاً بل وأحمق في عداوته؟ الحقيقة أنه بعد ما يقرب من أربعين سنة من ذلك السلام المزعوم  فإن إسرائيل لم تكف يوماً عن إلحاق الأذى بمصر، وكان آخر وأخطر مظاهر تلك العداوة علي الاطلاق ملف سد النهضة ودور إسرائيل فيه لا يحتاج مني عناء الإيضاح، وما الذي يمكن أن يتسبب في إلحاق الأذى بمصر أكثر من شريان حياتها الرئيس (نهر النيل)؟ إذا لم يكن السياسي قادراً على تحديد أعدائه فهو فضلاً عن كونه فاشلا سياسياً فهو كارثة بالمعني الحقيقي علي أبناء وطنه.

لم يستسلم

لم يخطئ عبد الناصر أبداً في عداوته مع إسرائيل التي أثبتت عدوانية تجاه مصر يوم اشتراكها في أزمه السويس علي الرغم من أن الأمر من الأساس لا يخصها، ولم يخطئ في تبنيه قضيه فلسطين كقضية قومية تجمع شتات العرب وتوحدهم علي كلمه سواء نواة لمشروع وحدة عربية للأسف لم تكتمل ولم يكتب لها النور كما كتب للأوربيين وحدتهم، والعداوة تلك كان جزاؤها العمل علي إنهاء دولته وهدم مكتسباتها مع الحفاظ على مساوئها، فتم ضربها بالقوة المسلحة والإجهاز علي جيش وليد في ١٩٦٧ واحتلال جزء من الدولة المصرية إمعاناً في الإذلال وللمساومة وتركيع من يأتي بعده.

 (وقد كان) فلم يستسلم للهزيمة وأعاد بناء جيش حارب فعلاً بعد وفاته بثلاث سنوات وحقق انتصارا مهما في عبور القناه بفضل عزيمة الرجال أولاً وحائط الصواريخ الذي بناه قبل وفاته سنة ١٩٧٠، ثانيا.

 إجمالاً يتبين لنا أن دولة يوليو كانت علي عداء مع اسرائيل ولم تدخر جهداً في مقاومتها ومحاوله الانتصار عليها رغم الفروق الكاسحة في الإمكانات (الدعم الامريكي).

ودولة السادات/مبارك/السيسي فعلت وانتهجت العكس تماماً (صداقة وتحالف مع إسرائيل). نعم لم يكتب النجاح لعبد الناصر في تحقيق انتصار عسكري على إسرائيل ولكنه نجح في عزلها تماماً عربياً وأفريقياً وعلي مستوى دولي من خلال زعامته مع نهرو (الهند) وتيتو (يوغسلافيا) لدول عدم الانحياز وهو جهد دبلوماسي حقيقي يحسب له تماماً، ولم تستطيع إسرائيل التخلص من ذلك الحصار إلا بموته.

 والآن تعاني الدولة المصرية الأمرين بعد نجاح إسرائيل في كسر حالة الحصار تلك والنفاذ إلى قلب منابع النيل لتعاني مصر ربما لأجيال قادمة من تحول الحصار العكسي ونصبح نحن المحاصرون من حلفائنا السابقين الذي تحولوا إلى حلفاء عدونا الذي يروج البعض أنه أصبح حليفا، مرة أخرى، فإن أول وأخطر مهمه للسياسي هي تمييز عدوه ،فإذا ما بدا له العدو في هيئة الصديق وظن واهماً أن ما بينها اسمه سلام فقل على الدولة السلام.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة