لماذا لم ترفع واشنطن العقوبات عن السودان؟!

الرئيس السوداني عمر البشير
الرئيس السوداني عمر البشير

الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تستعجل إسقاط نظام البشير، ولا تريد أن تتخلص من كل كروت الضغط عليه مرة واحدة.

لم يكن مفاجئاً قرار الرئيس الأمريكي  دونالد ترمب تأجيل رفع العقوبات المفروضة على السودان منذ نحو عشرين عاماً، لمدة ثلاثة أشهر أخرى وبعد انتهاء مهلة الأشهر الستة التي منحتها إداره سلفه بارك أوباما، فهى مُهل تتناسل كالقطط لتبرز مؤشراً فادحاً، وهو التلاعب بمشاعر حكومة الرئيس البشير، وجعلها تلهث وراءهم على أمل أن (تنجزهم هند ما وعدت) وفي سييل ذلك يقدمون لها فروض الولاء والطاعة، لكن – وعلى ما يبدو- فإن الإدارة الأمريكية لن تُقدِم على رفع كامل للعقوبات، وإنما ستكتفي بتوسيع الرباط الخانق عن رقبة الخرطوم قليلاً لتطويعها .

فجر الأربعاء الماضي 13 يوليو/ تموز 2017 تهيأت الخرطوم لقرار دونالد ترمب وهى مستبشرة كأنها طفلة بانتظار (العيدية) وبعد أن أوفت بكل المطالب الأمريكية المتمثلة في إحلال السلام في السودان، ومواصلة الجهود في مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر، وتقديم تسهيلات لوصول المساعدات الإنسانية لمناطق يسيطر عليها متمردون ( جنوب كردفان والنيل الأزرق)، إلا أنها حصدت خيبة أمل هائلة، انعكست آثارها بشدة على الشارع العام، وعلى ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني .

التنازل

النظام الحاكم في الخرطوم لم يترك شيئاَ لم يفعله ليكسب رضاء البيت الابيض، تنازل عن مشروعه السياسي، وانتقل من المحور الإيراني السوري إلى المحور السعودي وأخفى (لحيته) الإسلامية، وأنكر علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وخضع لشروط سياسية قاسية بإسم  مجلس الأمن، وسمح للمنظمات الأجنبية بالدخول إلى دارفور ومراقبة الأوضاع الإنسانية والأمنية، وخرجت دعوات التطبيع مع إسرائيل للعلن – لأول مرة- وقطعت الحكومة علاقتها بإيران، وأصبحت علاقتها بحماس فاترة، وغادر صقور الحركة الإسلامية ردهات السُلطة، لدرجة عدل فيها النظام سلوكه السياسي بالمرة، وخلع جلبابه الإسلامي وأخفى لحيته، فما الذي تريده أمريكا أكثر من ذلك ؟

في الحقيقة لا فرق بين ترمب وأوباما وبوش الأب والابن وكلينتون، كلهم نفذوا سياسات متفق عليها، هدفها حصار السودان، وتخويف الحكومة لتخدم مصلحة أمريكا وحلفائها لمدى زمني مفتوح، ويبدو أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تستعجل إسقاط نظام البشير، ولا تريد أن تتخلص من كل كروت الضغط عليه مرة واحدة، وهى لا تثق في الإسلاميين بالقدر الكافي، وتريد – على الأقل- أن تحتفظ ببعض كروت الضغط  لتضمن خضوعهم الدائم، وهى حيلة ماكرة يبرع فيها الساسة الأمريكيون عموماً، فيتركون لك حبلا ممدودا تتعلق به ويهزونه باستمرار .

السعودية على الخط

بالقدر نفسه دخلت المملكة العربية السعودية على خط الوساطة، وطفقت تطمئن الرئيس البشير بأنهم تحصلوا على وعود أمريكية برفع العقوبات بشكل نهائي، ونتيجة لذلك شاركت الخرطوم في عاصفة الحزم بأكثر من ستة آلاف مقاتل على الأرض .. وقبل قرار ترمب بأسابيع قليلة جرت تطورت درامية على المسرح السياسي، وأُقيل مدير مكتب الرئيس البشير الفريق طه عثمان بصورة مفاجئة، وهو المحسوب على المحور السعودي، ليظهر الرجل بعد ذلك مستشاراً لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأديس أبابا، وهو الذي كان يتعهد مع أصدقائه ملف الوساطة مع أمريكا، ليأتي قرار ترمب بعد ذلك كأنه رد لاعتبار طه، ومعاقبة للخرطوم لعدم مشاركتها ضمن تحالف حصار قطر .

الرئيس البشير في أول ردة فعل على قرار ترمب بتأجيل البت في العقوبات اتخذ هو أيضاً قرارا جمهورياً بتجميد لجنة التفاوض مع الولايات المتحدة الامريكية، ربما لأن واشنطن لم تف بوعودها، ولا يستقيم أن تكون هنالك علاقة حب من طرف واحد، وكان رأي ترمب واضحاً من البداية عندما رفض مشاركة الرئيس السوداني في القمة الأمريكية الإسلامية بالرياض وجرح خاطره، وبالتالي فإن خطوة الرئيس البشير المُقبلة تتمثل في مد الجسور نحو روسيا، عطفاً على أن البشير قال عبارة شهيرة منذ بداية سنوات حكمه وهى ” عندما ترضى عنا أمريكا فنحن نسير في الاتجاه الخاطئ” .

رجل أمريكا في السودان

يبدو أن العقل السياسي الأمريكي متفوق بسنين ضوئية على قيادة الدولة السودانية، وأعني تحديداً الإسلاميين، فهو لا يحكمه التزام أخلاقي تجاههم يمكن عليه ضبط العلاقة، بخلاف النزعة البراغماتية العالية، ولعل أمريكا منذ أيام وجود ابن لادن في السودان ومحاولة اغتيال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في أديس أبابا منتصف تسعينات القرن الماضي، بدأت تدرس شخصيات المجموعة المتنفذة واحدا تلو الآخر، من هم؟ وفيما يفكرون؟ وكيف يسهل خداعهم؟ وما هى أفضل طريقة لضرب تماسكهم، وإمكانية إبعادهم عن شيخهم ومرجعيتهم الدكتور حسن الترابي؟ وما هى الحوافز التي تجعل لعابهم يسيل؟ وهل هم على درجة من الصلابة ومقاومة المشروع الأمريكي والإسرائيلي؟ وبعد التأكد أنهم يحبون السلطة بشراهة، وفي سبيلها يمكن أن يفعلوا أي شيء، كان أفضل سيناريو الانفراد بهم واحدا بعد الآخر، والقول أو الإيحاء لأي منهم : “أنت رجل أمريكا في السودان والرئيس القادم” .

 قالوها للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل عندما كان وزيراً للخارجية، وقالواها لنائب الرئيس السابق علي عثمان محمد طه أثناء مفاوضات نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية بقيادة الرحل جون قرنق، ونجحوا بسهولة في فصل الجنوب المسيحي دون مقابل!  وقالوها لمدير جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش فسلمهم كل الملفات التي يريدونها؟ وقالوها لمساعد الرئيس السابق الدكتور نافع علي نافع وهو أحد صقور الإنقاذ فأصبح قريباً منهم وتماهى مع مشروعهم، وأخيراً قالوها للفريق طه عثمان مدير مكتب الرئيس البشير فأصبح هو الدولة -ينهي ويأمر- ويدير الملفات الخارجية بصلاحيات واسعة، وتجلت لعبتهم المثيرة في المحاكمة الجنائية يلوحون بها للابتزاز، والتلاعب بمخاوف رأس النظام، فكان هؤلاء جميعهم تحت خدمة المشروع الأمريكي وفتح الأبواب المغلقة له، حتى وقف وزير الخارجية إبراهيم غندور أخيراً ليقولها بصريح العبارة “لم يعد لدينا المزيد لنقدمه لأمريكا” .

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة