مقالات

من العراق إلى فلسطين

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

متناقضات سياسية ومسارات مضطربة أفرزها تسارع الأحداث على الساحة العربية واتسامها باللامعقول حتى عاد المعقول غريبا . يقال بأن العقل مناط التكليف . وهذا يعني أن غيابه يرفع التكليف . وحيث أن السياسة مسيرة حياة،  والحياة تكليف لا تستقيم إلّا مع العقل . إذن فالعقل يدور مع السياسة وجودا وعدما . والسياسة لا تنسجم مع نصف الكلام لأن نصف الكلام يعني نصف الحقيقة ، ونصف الحقيقة يعني التضليل ، وذلك مضيعة للحق كله .

" ذِكْرُ بعض مالا يتجزأ , كذكْرِ كله " المبنية على قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله كما يقول الأصوليون ، لأن الأصل في كلام العاقل أنه يريد بكلامه إفهام السامع . ويستأنس كشاهد على ذلك بكفارة الظِهار "فتحرير رقبة" ….  وفي كفارة القتل الخطأ  "وتحرير رقبة مؤمنة" . والمراد بالرقبة : الرقيق ذكراً كان أو أنثى ، فجاء التعبير عنه بذكر جزء منه وهو الرقبة . قاعدة وضعها اصحاب العقول .

استعارة القاعدة الفقهية من محيطها الى مجال السياسة أمر لا حرج فيه . إذ السياسة حياة وهي معين المعاملات البشرية . لمن يدرك نزاهتها .. ولكن !!! .

بين المعقول واللامعقول وبين الجزء والكل تدور الاشكالية

أكثر المشاهد المطروحة على الساحة العربية تأخذ شكل نصف الحقيقة وذلك كفيل بتشويه الكل. لم نعد نسمع في العراق اليوم سوى الحرب المقدسة على الارهاب  ، ما هو الارهاب ؟ من هم أطرافه ؟ من أتى به ؟ ماذا بعد الحرب على الارهاب ؟ أسئلة لا تُطرح أساسا إذ الجواب عنها يستعصي وسط صراخ الجميع .

في العراق مثلا قبلت الأطراف السياسية والأطراف المناوئة لها منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 على تسويق سياسة التخوين والاتهام كمبدأ أعتمد للتخلص من الطرف الآخر ، من الاشارات الرمزية الى تسويق المصطلحات الدالة على تجريم الطرف الآخر باتباع سياسة نصف الكلام.  ( شيعة ، سنة ، أكراد ، وهابيون ، روافض نواصب ودواعش ) ..

تلك أهم مصطلحات الاتهام المتداخلة مع بعضها . كل طرف من أطراف الصراع الذي تحول إلى صراع مجتمعي يدرك أن رسالته تصل الى الطرف الآخر بالاتهام الكلي بمجرد ذكر الاشارة الرمزية المختصرة على قاعدة  " ذِكْرُ بعض مالا يتجزأ ، كذكْرِ كله " . ولكن على خلاف الأصل ،  لذلك أصبحت المقاومة المشروعة إرهابا . وحركات التحرر خروجا على القانون الدولي . والثورة ضد الظلم والفساد مؤامرة دولية .

نصف الكلام هو نصف الحقيقة سواء جاء عن جهل أو تخطيط . تقول القاعدة القانونية الدولية ( لا دفاع شرعي ضد دفاع شرعي ولا مقاومة ضد فعل مباح ) . هذا يساوي أن الدفاع الشرعي والمقاومة حق أصيل من حقوق الشعوب المعتدى عليها .

يتم أيضا التسويق والدفع بالرأي العام إلى اتهام بعض أطراف المقاومة الفلسطينية وحركة التحرر المشروعة الى محيط الاتهام بالإرهاب لاستجلاب شرعية دولية زائفة لقتالهم وتشويه فكرة التصدي للاحتلال بإشاعة المصطلح المضاد أو بذكر نصف الكلام لتشويه الحقيقة كلها .

والمشهد السوري لا يبتعد عن سياق فكرة الموضوع بعد أن استطاعت قوى التضليل من حرف طبيعة الصراع الحقيقية , فأصبح الحديث فقط عن أمريكا وروسيا وأوربا وإيران وتركيا والسعودية والأكراد والسنة والعلوية والأقليات والإرهاب ، وليس بينها الموضوع الأصل أن شعبا خرج بثورة ضد نظام .

بين المعقول واللامعقول وبين الجزء والكل تدور الاشكالية

ما تتسعه السطور المتبقية من المقال ، الإشارة فقط الى تطبيق آخر على المسرح السياسي من وحي قاعدة " ذِكْرُ بعض مالا يتجزأ , كذكْرِ كله " . فكلمة الحق لا تتجزأ والانتصار للإنسانية موقف لا يتجزأ  . وهنا نشير الى سياسة خلط الأوراق التي تتبعها بعض الأنظمة المعمرة ومنتجاتها الحديثة القافزة فوق إرادات الشعوب ، حيث يقف المعارض وصاحب والكلمة والرأي بل وحتى صاحب النصيحة ، جميعهم يقفون أمام عاصفة الحرب القادمة بكل عشوائيتها لاقتلاع الفكرة من الجذور . قوانين الإرهاب غير المعرف لا ترحم وشعار من ليس معنا فهو ضدنا ، ينمو ويتمدد ، وبمجرد أن تذكر آلهة الطغاة بسوء في أي موقع من مواقع الصراع , كأنك ذكرت الكل ، لا أرض ولا سماء ولا بحر يحميك .

وما كان متوقعا قد حصل , الكل محاصر وسياسة الخنق تضرب طولا وعرضا , وكلمة (تغريدة) على موقع تواصل اجتماعي أصبحت (توريطة).  لأنها قد تكون كافية لإخراج صاحبها من الجغرافية والتاريخ إذا صادفت ممنوعا في فقه جاهل مستبد ظالم تعّود ( الأنا ) .

الحرب تكشفت كل أوراقها لتتبين حقيقة الإرهاب الذي هو موجود فعلا ، وفي أخطر مراحله وأكثرها بشاعة ، وهي مرحلة انقلاب القيم .

 يقول المفكر الاستراتيجي والدبلوماسي الفرنسي ( بيار كونيسا ) في كتابه صنع العدو أو كيف تـَـقتل بضمير مرتاح ، يقول " الحرب قبل كل شيء، ترخيص ممنوح شرعيا لقتل أناس لا نعرفهم، أو أحيانا نعرفهم حق المعرفة، لكنهم يتحولون فجأة الى طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها .

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة