موسم الخلاص من السيسي

(1)

توجد 10 طرق تقريبا لإزاحة الرئيس من السلطة، وهي بلا ترتيب: الثورة، الانقلاب، المرض العضال، الجنون، الوفاة، الاغتيال، الاستقالة، الإقالة، إدانته قضائيا بالفساد أو الخيانة، وأخيرا  الفشل في الانتخابات، وفي حالة مصر، لايملك الشعب من الطرق العشر إلا طريقتين فقط هما: الثورة أو الانتخابات، لأن بقية الطرق إما بيد الله، أو بيد المؤسسات التي فرطت في دورها الدستوري وانضوت في خنوع تحت سلطة الرئيس، فما هو الرهان الأقرب والأضمن الذي يجب أن نفكر فيه من أجل إنجاز التغيير؟

(2)

يبدو لي أن حلم التغيير الثوري في مصر لن يتحقق بضربة واحدة، لأن المشكلة ليست في تغيير رأس النظام، المشكلة في النظام ذاته بكل تشعباته، وبكل امتداداته العميقة في جسد المجتمع وفي مفاصل الدولة، ولهذا فإن أي تغيير مفاجيء في قمة السلطة، سرعان ما يتم احتوائه لصالح النظام المهيمن على أقدار البلاد، وهذا يعني أن الأمل في التغيير يرتبط بمدى قدرة القوى السياسية على تفكيك سطوة الدولة المركزية، وإعادة صياغة مؤسساتها وفق معايير حيادية تتطابق مع صلاحياتها الدستورية، وتمنع رأس السلطة من توظيف هذه المؤسسات، بمنطق “المافيا السياسية” أو “الأوليجارشيا المسيطرة”، وهذا يعني أن السلطة الحالية صارت مستعدة أكثر، ومتحفزة جداً لمواجهة احتمال الثورة، بل واتخذت كل الإجراءات الاستباقية لمنعها من المنبع، ولإجهاضها إذا تمت في لحظة غفوة أو تراخٍ، وقد اتضح خلال العامين الأخيرين أن “فكرة الثورة” لم تعد قابلة للتنفيذ في ظل هذه الأوضاع، لأن قوى المعارضة توزعت بين الولاء للنظام أو الصمت التام، أو الحصار والخوف والسجن، في الوقت الذي يعاني فيه جمهور الثورة نفسه من حالة انكسار وإحباط، وفقدان شهية للخروج إلى الشوارع لمعارضة السلطة، نتيجة عوامل كثيرة تم تدبيرها منذ فبراير 2011، للوصول بالناس  إلى هذه الحالة من التفكك واليأس، وهنا يبرز السؤال عن جدوى الطريق الثاني للشعب، وهو طريق الانتخابات: هل يمكن أن تؤدي انتخابات الرئاسة المقبلة إلى إزاحة السيسي، ثم تغيير تركيبة وطبيعة النظام.. أم أنها حيلة شكلية، لضمان استمرار النظام نفسه مع تمثيلية ديموقراطية لإرضاء المجتمع الدولي الذي يعنيه المظهر وتبعية النظام أكثر مما يعنيه جوهر الممارسة الديموقراطية؟

(3)

برغم عدم اقتناعي بأسلوب الانتخابات في بلدان شمولية متخلفة مثل مصر، فإن الانتخابات هذه المرة تبدو لي فرصة لا يجب التهاون فيها، لأن الفائدة منها واحتمالات التغيير أكثر بكثير من التخوفات التقليدية التي كانت تنتهي قبل ذلك بإعادة تجديد شرعية النظام، وتمكينه أكثر في السلطة، والنظرة الإيجابية للانتخابات هذه المرة، ليست نزعة هروبية من مخاطر الثورة إلى حل أسهل، كما أنها ليست أمنية للكسالى، لكنها تعتمد على متغيرات دولية وإقليمية ومحلية، تجعل موسم الانتخابات هذه المرة له طبيعة مختلفة، إذا تم التعامل معه بجدية وتوافق كفعل ثوري، وليس كمطمع فردي للشهرة أو السلطة أو كتمثيلية لخدمة النظام، فالانتخابات في العالم انتهت بمفاجآت غير متوقعة، لم تفلت منها دول كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا، حيث انهزمت القوى التقليدية أمام ظواهر جديدة، وهي النتائج التي عكست كراهية الناخبين للهيمنة، ورغبتهم في الخروج من تحت عباءة الأنظمة العتيقة، وهو الأمر الذي يبدو بصورة حادة في مصر، ويظهر من خلال تدني شعبية السيسي ونظامه كله، وتفشي الإحباط بين قطاعات واسعة من الناس على خلفية الفشل الاقتصادي الفادح الذي انتهى بقروض ضخمة وأسعار مفترسة ومشاريع وهمية، وترافق ذلك مع جهل سياسي تجلى في مصاعب كثيرة، منها: طريقة إدارته لأزمة تيران وصنافير، وعشوائية التصويت في الأمم المتحدة، والسقوط في فراش نتنياهو، والتورط في مشاكل أدت إلى ضرر كبير في العلاقات الدولية، وانتهت بعقوبات وتعويضات وتدمير للسياحة، ولعل أقرب الأمثلة لذلك توتر العلاقات مع روسيا (طائرة الركاب) والمكسيك (مقتل السياح) وإيطاليا (تعذيب ومقتل ريجيني)، حيث لا زالت الفضيحة الأخيرة بالذات تتفاعل وتخبئ الكثير من المخاوف التي تهدد النظام، وعلى المستوى الإقليمي تكفي الإشارة إلى أن الموقف الخليجي الداعم للسيسي ونظامه تعرض لانتكاسات مؤثرة، قد يكون لها انعكاس كبير في الانتخابات المقبلة.

(4)

هذه النظرة السريعة للأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية توضح أن السيسي في انتخابات 2018 (إذا خاضها) لن تكون لديه أبداً نفس الفرص التي تمتع بها في 2014، بالإضافة إلى تسرب “ثرثرات” تشير إلى وجود رغبة داخل بعض الأجهزة والمؤسسات لإنهاء مغامرة السيسي عند هذا الحد، لأن استمراره يشكل خطرا على النظام كله، لكن هذه “الثرثرات” لم تتبلور في خطة واضحة بعد، وربما تكون الانتخابات هي الموسم المناسب للتخلص من السيسي بطريقة ما، لا نستطيع التكهن بها، وإن كان هناك من يخطط لها، وهناك من ينتظرها، وهناك من يتمناها، ومع ذلك فإن كل هذه الاحتمالات التي ترجح إمكانية التخلص من حكم السيسي، تصبح بلا قيمة في حال استمرار حالة الضعف والتشتت التي تعاني منها القوى السياسية في المعارضة بكل تنويعاتها، ولهذا فإن أي حديث إيجابي عن اغتنام الفرصة لإحداث تغيير كلي أو نسبي، لن تكون له جدوى إلا بعد تحقيق درجة ملموسة من التوافق على مرشح مقبول جماهيريا، يخوض السباق ومعه فريق رئاسي يمثل التكتلات الانتخابية التقليدية، بحيث لا يمر شهر أغسطس المقبل إلا بعد انعقاد مؤتمر صحفي دولي يتم فيه التوقيع على “وثيقة شراكة” تحقق رضا جميع الأطراف، وتستوعب كل الأطياف..

(5)

 لكن هل يمكن أن تتحقق هذه الرؤية المثالية النموذجية، على يد معارضة هشة؟. وهل يمكن أن يسعى المتنازعون للتنسيق، ورأب الصدع والقفز على الخلافات البينية لتحقيق مصالحة توحد صفوف المعارضة كلها في مواجهة مرشح النظام الفاسد؟

(6)

لا توجد إجابة قاطعة، لكني أتمنى، وأطمح، وأسعى.. وأدرك أن التغيير يحتاج إلى أمل وعمل، أما الحديث عن مقاطعة الانتخابات بحجة إحراج النظام أمام الرأي العام العالمي، فهو في رأيي رهان سلبي، لن يؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، لأنه  يريح النظام ويمنحه فرصة كافية لترتيب وإخراج تمثيلية الانتخابات، بدون مفاجآت مربكة، وبأقل قدر من الجهد والحسابات، فلا تمنحوا النظام هذه الهدية، ولا تهدروا فرصة الحراك السياسي في الشارع، فالمشاركة إن لم تحقق التغيير الكامل، ستعيد للثائرين حصة كبيرة من الحيوية المفقودة، وتكسبهم خبرة العمل الميداني.. ولا تنسوا أن المفاجآت دائما ممكنة، فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تيأسوا، والله على كل شيء قدير.

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة