مصر 2018

فلا أحد صار يضمن شيئا في مصر اليوم، كل شيء على الأرجوحة، صعودا وهبوطا، ارتفاعا وانخفاضا، تحققا وتعطلا، لا شيء واضح، الغموض هو السياسة، وهو غموض غير بناء.

ماذا يعني هذا العنوان؟، يعني في هذا المقال انتخابات الرئاسة المفترض أن تجري العام القادم “2018”.

وهو حدث مهم إذا جرى في موعده، فلا أحد صار يضمن شيئا في مصر اليوم، كل شيء على الأرجوحة، صعودا وهبوطا، ارتفاعا وانخفاضا، تحققا وتعطلا، لا شيء واضح، الغموض هو السياسة، وهو غموض غير بناء، كنت تستطيع في الأنظمة السابقة – ما قبل 25 يناير، وما بعدها في الوقت القصير الذي بُعثت فيه السياسة ونشطت خلاله الديمقراطية – أن تحلل وتتنبأ وتتوقع بشيء من الاطمئنان، لكن الآن فإن هناك غرفا سرية من داخل غرف سرية تُطبخ القرارات فيها ثم تُعلن فجأة محققة ما يمكن وصفه بسياسة الصدمة والترويع، فلا يكون أمام الناس إلا القبول مضطرين، ذلك أن الأغلب الأعم من هؤلاء الناس يدور في طاحونة الحياة بأسرع من أي وقت مضى في ظل غلاء شديد الوطأة على الأجساد المنهكة بفعل جبال من الأزمات والبؤس الاقتصادي والاجتماعي. أما أزمات ومصاعب اليوم فحدث عنها ولاحرج، فهي غير مسبوقة، ولم تعد تجّمل نفسها بعبارات مستهلكة من قبيل مراعاة محدودي الدخل، بل الخطاب الموجه لهم يطلب منهم أن يتحملوا، ويصبروا ويصابروا ويتجلدوا ويُجلدوا، فنحن أدرى بما نفعل لكم، ونحن أعلم بالإصلاح الاقتصادي، ولا أحد آخر غيرنا يعرف أسرار هذا الإصلاح، وماهو بإصلاح، بل خضوع لشروط الجهات الدولية الدائنة، وخضوع للعجز عن حل الأزمات، وتراكم المشاكل، وفقر الفكر، وضعف الكفاءة في إدارة الشأن العام.

يشوي الوجوه

 عندما يقول الكثيرون إن الناس والبلاد لم تمر بلهيب يشوي الوجوه كما هو في هذه المرحلة فإنهم على حق لأنه حديث الواقع الذي يعلن عن نفسه، ولم يعد ممكنا إخفاؤه أو تجميله، ولو بأفضل وأرقى أنواع المكياج السياسي، فكل العبارات العاطفية والشعارات الرنانة والمُهل الزمنية عرضت وطوتها الأيام والأسابيع والشهور ولا نتيجة مريحة تتحقق، حتى بات ملف العدالة الاجتماعية وهو الحد الأدنى من مطالب ثورة 25 يناير وما أعقبها من موجات ثورية غير مطروح بالمرة، ولا وجود له في عقلية الإدارة رغم الإادعاء بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ذات أولوية قصوى على ما عداها، أما عن ملفات الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان فهى ليست على سلم الأولويات.

عموم الناس المهمومين برغيف الخبز لا وقت ولا طاقة لديهم للتفكير في السياسة، وأحد أهم حلقاتها هو الانتخابات الرئاسية القادمة، وأما شريحة النخب فإنهم في أشد حالاتهم انسحاقا، ولم تمر جماعات النشاط العام بفترة صعبة مثل الفترة الحالية بفعل أداء غاية في السوء من جانبهم، وقصر النظر في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل منذ 11 فبراير/شباط 2011 ، وهو اليوم الذي جرى فيه إزاحة مبارك، وحتى 3 يوليو/تموز 2013 حيث تم إزاحة محمد مرسي، فساهموا جميعا من اليمين الديني والليبرالي إلى اليسار الراديكالي في تدمير التجربة الديمقراطية الناشئة، ثم بعدها تم إزاحة كل من كان في الساحة من نخب السياسة والعمل العام، ونقصد تحديدا النخب الفاعلة أو القادرة على الفعل المتمسكة بحد معقول من الرغبة في الإصلاح والديمقراطية.

والإسلاميون يعيشون بطبيعة الحال محنتهم غير المسبوقة، فأمراضهم ومساوئهم تزيد على أمراض ومساوئ الجناح المدني في المشهد السياسي الذي شارك في صنع يناير، وبالتالي في ظل حالة الفقر السياسي، وخواء الساحة من أي صوت قادر على الأداء والعمل وسط الناس وفي الشارع وطرح نفسه كمنافس قوي موثوق فيه يجذب الجمهور في الاستحقاق الرئاسي في 2018 وحتى من لديهم بعض الثقة فإنهم يحجمون أو يعتريهم القلق فإن الغموض الذي تحدثنا عنه آنفا يظل هو سيد الموقف، وهو المسيطر على الساحة والأوضاع العامة وكأن تجريف الحياة السياسية بأشد وأعمق من عهد مبارك هو ترتيب منظم ومخطط ليصل الناس في عمومهم والنخب في يأسهم إلى المقولة التي تحكم مصر منذ تأسيس الجمهورية بأنه لابديل عن الحاكم الذي يجلس على عرشها – من عبدالناصر إلى السادات ومبارك.

 واستحقاق 2018 سيحدد هل يُضاف إليهم شخص رابع أم لا؟ – و اليأس يقود إلى القول أيضا إن من عرفناه أفضل ممن لم نعرفه بعد، وامنحوه فرصة ليكمل برنامجه ومشروعه وإنجازاته، حتى لو لم يكن هناك إنجاز ينعكس على حياة الناس، وفي ظل تلك البيئة المحبطة بقي مبارك ثلاثين عاما، فترة رئاسية بعد فترة حتى أتمهن خمس فترات، وهو بلا بديل ظاهر، لكن الحقيقة أن البدائل كانت كثيرة جدا بدليل انتخابات 2012، فقد أسقط شباب يناير لغة الاستسلام والمشي بجوار الحائط.

الولادة

مصر ولادة، ليست مجرد عبارة تم صكها مثل الأكليشيه، بل حقيقة دامغة، بل ولادة أكثر من اللازم، لكن ليس هؤلاء الذين فقدوا صلاحيتهم، وأثبتوا عدم كفاءتهم ولياقتهم لتحمل مسؤوليات تاريخية في لحظات تاريخية، تلفت حولك ستجد داخل كل مصري لم يتلوث بعد بالسياسة الفاسدة القدرة على أن يكون مبدعا وبارعا في العمل الذي يُسند إليه مهما كان، فقط هو بحاجة لأن تُتاح له الفرصة، وتُزال من أمامه العوائق، ليظهر أفضل ما يكون، ويخرج أفضل ما لديه.

في داخل كل مصري قدرة على أن يكون وزيرا، ورئيس وزراء، ورئيس جمهورية، وقائدا ناجحا في كل موقع ومكان، لأنه مغموس بخبرات الحياة، وليس معزولا عن الواقع، ومنعزلا عن الناس.

عندما أعود للدستور المصري الصادر عام 2014 يزداد تقديري لما تضمنه من مواد، فهو دستور عصري ومتقدم، وهذا لا يعجب أنصار ودعاة الاستبداد وحكم الفرد وتكريس السلطوية، هؤلاء هم المطبلون لكل عهد ونظام ورئيس، الذين يخشون أنوار الحرية ومشاعل الديمقراطية حتى لو ظلت مواد الدستور نظرية بلا تفعيل، ولهذا تجدهم يظهرون على فترات في عزف  يبدو متناغما ومتفقا عليه لنعت من وضعوا الدستور بأبشع الاتهامات ومنها العمالة والخيانة، ولا نعلم عمالة لمن، وخيانة ضد من، وأعضاء لجنة الخمسين هم جزء أصيل في مجموعة ونظام وتركيبة السلطة الحالية؟، والأغرب أن يجري تبكيتهم على نواياهم الحسنة في وضع مواد لائقة وجيدة، وكأن كتابة الوثيقة الدستورية كان يجب أن تكون مغلفة بنوايا أخرى.

عدت الى المادة 140 من ذلك الدستور، وهي ضمن المواد التي تنظم انتخاب رئيس الجمهورية، ويقول نصها: “يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة. وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يومًا على الأقل، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوما على الأقل. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة”.

وعند تحويل هذه المادة إلى تواريخ وبرنامج عمل فإن بدء إجراءات انتخابات الرئاسة يُفترض أن يكون يوم 20 فبراير 2018، وأن يُعلن اسم الرئيس المنتخب يوم 10 مايو 2018، وهي فترة الشهر التي تسبق انتهاء مدة الرئاسة الحالية في 8 يونيو 2018.

إذن، أمامنا 8 أشهر و20 يوما فقط كفترة تسبق البدء الرسمي للماراثون الانتخابي إذا جري في مواعيده وحسب ما تنص عليه المادة الدستورية “140” الواضحة والمحددة.

الانتخابات الرئاسية

في أي بلد يشهد انتخابات رئاسية تنافسية يبدأ الراغبون في الترشح سواء كانوا منتمين لأحزاب أو مستقلين في الإعلان عن أنفسهم قبل عام على الأقل حتى يعرفهم الناخبون ويطلعون على أفكارهم وبرامجهم، يحدث ذلك في البلدان الديمقراطية، ويجب أن يحدث في مصر أيضا بافتراض أن دستورها ديمقراطي، وأنها شهدت بعد ثورة يناير انتخابات رئاسية مرتين جرت في أجواء تنافسية حتى لو كانت الأولى التي صار مغضوبا عليها “2012” تحقق فيها قدر كبير من شروط الانتخابات التنافسية الحرة النزيهة وفق المعايير الديمقراطية العالمية المتعارف عليها.

لكن انظر للساحة اليوم، لا حديث عن انتخابات رئاسية رغم أنها باتت على الباب، كأنها قضية حساسة لا يجوز الاقتراب منها إلا بحذر شديد، المرشح الذي أعلن صراحة عن نيته لخوضها ” المحامي خالد علي” يُحاكم اليوم في بلاغ قديم يثير الأسى، ومن جرى جس النبض بطرح اسمه سرعان ما قام بالنفي ” الفريق سامي عنان” وكأن هناك شيئا ما يخشاه، والأيام ستجري سراعا حتى ينتهي عام 2017 المتبقي منه سبعة أشهر فقط ومع الانشغال بأحداث الإرهاب والتفجيرات والقتل ومصاعب الحياة وما يستجد من أحداث وأزمات ومفاجآت قد تكون جديدة أو مثيرة أو غريبة أو مدهشة، فإن الجميع سيجد نفسه أمام حائط الوقت الداهم فيكون الاستسلام للأمر الواقع والتسليم به إلا من الطرف الذي بيديه مقاليد الأمور والذي ليس بحاجة للاستعداد، ليكون القبول بانتخابات المرشح الواحد الجديد القديم مع كومبارس آخر قد يكون في طور التخليق حاليا، ومن تجربة إلى أخرى لا يحدث التطور المأمول في بناء ديمقراطية كانت هى جوهر يناير وما بعد يناير. 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه