يعني داعش والحشد والميليشيات

تحاول الحكومة العراقية التي تشكلت قواعدها المعوجة بناء على قوانين الاحتلال الأمريكي بعد عام ٢٠٠٣ ، الظهور بالمشروعية مغطاة بسياسة الأمر الواقع التي تتيح لها تبرير كل جرائم أجهزتها . عادة يتناسى الطغاة عندما تتاح لهم فرصة الركوب على ظهور الرعية والتسلط على رقابهم، بأن خُلق الأيام دورانها، والأيام دول .

لا يتسع الحديث كثيرا عن جميع سيئات المشهد السياسي العراقي ، فذلك الأمر أصبح مألوفا ومحط سخرية الداخل والخارج ، ما يهمني الوقوف عنده هو حالة الاستخفاف بالمنظومة القانونية فكرا وتجسيدا ، إذ القانون بفلسفته يأتي تعبيرا عن ثقافة واضعيه ، ولا نعتقد بأن المتصدين للمشهد السياسي العراقي قادرون على إنتاج وفهم القانون ، وبالنتيجة فإن فاقد الشيء لا يعطيه وهذه النتيجة طبيعية منسجمة مع مستوى ما أفرزته سياسة الإعوجاج .

العقيدة واحدة

لا فرق كثير بين صورة الأمس القريب وما حدث اليوم . إذ المعلم والمدرب والعقيدة واحدة ، لايختلف كثيرا فعل الجندي الامريكي ستيفن دالي جرين الذي قام باغتصاب فتاة عراقية وقتلها مع والديها وشقيقتها في العام 2006 ببغداد مع ثلاثة من رفاقة الجنود الأمريكيين، عما فعله جنود الفرقة الذهبية والحشد الشعبي في الموصل 2016 / 2017. فبحسب مراسل دير شبيغل الألمانية وما وثقه مراسلها علي أركادي من خلال فلمه الوثائقي وهو يغطي المعارك هناك ، يظهر الفلم المرأة العراقية الموصلية تبكي على سريرها حاملة طفلها بين يديها ليخرج بعدها جنديان عراقيان وقد حققا نصرا جنسيا باغتصاب امرأة عراقية حرة .

أركادي مراسل مجلة شبيغل الألمانية يقرر بعد هذه الحادثة إنهاء مهمته والفرار بعائلته من العراق ، فلم يعد يتحمل تلك المشاهد ولا تلك الأفكار التي تراوده عن الحالة التي سيكون عليها إذا ما كانت ابنته أو زوجته هما الفريسة التالية، كما يقول في تقريره.

الفرق بين الجنديين العراقيين والجندي الأمريكي هو أن الجندي الامريكي (ستيفن) انتحر شنقا في معتقله بالولايات المتحدة الأمريكية . والجنديان العراقيان ربما يمنحان نوط الشجاعة والاستحقاق العالي من حكومة بغداد لأن مقاتلي القوات العراقية والحشد تحفهما القداسة الدينية المباركة .

خدعة سياسة الأمر الواقع

فضائح حكومة بغداد لا يحدها حدود وهذه نتيجة طبيعية لغياب القانون ، وغياب القانون يعني غياب الدولة . الأمر خطير جدا والقادم أعنف بكثير ، فما تمتلكه حكومة بغداد من الحصانة الدولية في زمن التضليل قد لا يدركه الكثيرون إذ هي منتج طبيعي من منتجات الاستباحة الدولية للساحة العراقية. هي مقدسة كقدسية داعش والحشد الشعبي والميليشيات بالنسبة لجهات صناعتها، وجميعهم حصاد سياسة الأمر الواقع .

الأمر الواقع في نظرهم أن يسكت العراقيون على سرقة أموال الشعب من قبل الأحزاب المولودة سفاحا، وأن يغمضوا أعينهم عن ملفات الفساد . الأمر الواقع أن يُـتهم كل صاحب رأي مخالف بأنه أرهابي داعشي واجب قتلة وأسرته وعشيرته . الأمر الواقع في نظرهم أن يقبل العراقيون بأن يعطى نوري المالكي رئيس الوزراء السابق منصب نائب رئيس الجمهورية مكافأة له على تسليم خمس محافظات عراقية لثلاثة الآف مقاتل من داعش عام 2014. الأمر الواقع أن يبارك العراقيون السّنة مواكب الحج الدوري إلى طهران والسفارة الإيرانية في بغداد من قِبل ممثليهم على المسرح السياسي . الأمر الواقع أن يكون الأكراد دولة داخل الدولة وأن يعقدون التحالفات الدولية والأحلاف العسكرية مع الشيء ونقيضه . الأمر الواقع من وجهة نظر الحكومة أن يفرض على العراقيين قبول فكرة تحرير وملاحقة مئة إرهابي من قبل الجيش والحشد بإبادة المدنيين العزل وتهجيرهم من مدنهم واغتصاب نسائهم وتسوية منازلهم وأبنيتهم بالأرض .

نعتقد أنه من مفهوم سياسة الأمر الواقع اليوم ، وبعد أن فشلت الحكومة العراقية بكل ملفاتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، أن يعاد النظر في التعامل مع هذه الحكومة والأحزاب الممثلة فيها بعيدا عن سياسة التضليل للرأي العام الداخلي والدولي التي مارستها الحكومة العراقية مدعومة بآلة الإعلام الأمريكي المضلل . وما لا يجب السكوت عنه هو حجم الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي تحت ادعاء الدولة والقانون وكلاهما تزييف ووهم .

العراقيون مطالبون بالنهوض ..

العراق أَولى بالحراك الشعبي من غيره فالشعوب تتحرك وتنتفض وتطالب بحقوقها القانونية في العيش الكريم . القانون في العراق اليوم مجيّر لحماية واضعيه غير الشرعيين ، إذ يحاول السياسيون عادة تشريع القوانين الجنائية الخاصة لحمايتهم مغلفة بالقاعدة القانونية المقدسة عالميا ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ) ليضعوا جرائمهم خارج النص بإيهام الشعوب المستضعفة المعطلة قسرا من النهوض والوعي.

نعتقد أنه لا خيار أمام العراقيين اليوم سوى المواجهة الحقيقية لأنفسهم قبل مواجهة الآخر وذلك بمصارحة النفس وتنشيط حركة الوعي ضمن مفهوم حرية الرأي والتعبير  ولعن الدكتاتورية والتسلط وملاحقة من أجرم بحقهم عبر سياسة التغييب والتضليل والتزييف، وأن يدركوا بأن الحقوق لا يطويها الزمن، وإن طالت سنوات الظلم . وما يستحيل الحصول عليه من حقوق في الداخل باعتبار قوانين الاستبداد والظلم لحكومات التبعية والاحتلال يمكن الحصول علية وملاحقة إرهاب الدولة وأحزابها وميليشياتها  ضمن إطار عالمية الاختصاص القضائي .

لم يكن أحد يتوقع أن يستيقظ الطغاة والضحايا معاً ليلة 16 أكتوبر/تشرين الأول 1998 حينما ألقت شرطة مدينة لندن القبض على الجنرال أوغسطو بينوشيه ، بناءً على أمر قضائي إسباني بالقبض على الدكتاتور السابق بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان في شيلي إبان فترة حكمه التي دامت 17 عاماً . ورفضت المحاكم البريطانية ما زعمه بينوشيه من الحق في الحصانة، وحكمت بجواز تسليمه إلى إسبانيا لمحاكمته هناك . كان ذلك نتيجة تنشيط حركة الوعي والاصرار الشعبي على ملاحقة المجرمين حتى وإن امتنعت حكومة تشيلي عن إقامة الدعوى ..  الجنرال بينوشيه لم يكن يتصور أن هيكله القانوني الذي وضعه له ولزملائه سوف لن يكفل لهم الإفلات التام من العقاب .

لعلنا نصحوا على طغاة العراق اليوم ومستبديه وهم يحاكمون عن جرائم التعذيب والإبادة الجماعية والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة