الهزيمة

التاريخ الحقيقي لوفاه جمال عبد الناصر كان يوم أن انكسر الجيش وضاعت الأرض.. انشغل نظام عبد الناصر بمراقبه معارضيه فَنَسِي جهاز مخابراته مراقبة العدو.

المكان: سيناء

الزمان: الساعة التاسعة والنصف صباح يوم ٥يونيو/حزيران ١٩٦٧

الأبطال: ضباط وجنود تم حشدهم وإرسالهم في غضون ٣٦ ساعه بدون إبداء أسباب .. ربما كان اقتراب الحدث هو ما أغراني للكتابة، أو ربما كان استمرار حالة الجدل حول الحدث والحقبة بكاملها واستمرار حالة الشد والجذب الدائمة حول شخص الرئيس الراجل جمال عبد الناصر، سواء بتبرئته من جانب مؤيديه من أي اتهام بالمسؤولية عن ما حدث في عهده، أو من خلال تحميله كل ما يستجد من جرائم بما فيها رقص ابنته في حفلة زفاف ولدها.

الأحداث العظام

 لم أكن يوماً إلا قارئاً للتاريخ من مصادر مختلفة.

جمال عبد الناصر في نظري ليس سوى شخص ممن تمتلئ بهم صفحات كتب التاريخ له ما له وعليه ما عليه بدون تحيز له أو تحفز ضده، ولن يتسع مقال واحد لحصر تجربه تقارب عقدين من الزمان بها من الأحداث العظام ما يمتلئ به مجلدات.

دعونا نتحدث في مقال واحد عن مسؤولية اعترف صاحبها بها بينما يبرئه منها مناصروه؛ الملكيون أكثر من الملك ذاته”.

 لا تنفي مسؤوليته (الكاملة) عن الهزيمة مآثره العظيمة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً كما يحاول كارهوه، وهكذا نظل نتأرجح بين من يريدون تحويله إلى قديس لا يخرج الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين من يحوّله إلى شيطان مريد نزل على الأرض ليعُلم إبليس كيف يمكن ارتكاب الآثام، والحق أنه لا ملائكة ولا شياطين في الأمر. فحسناً، هو كان رئيساً للدولة وقائداً أعلي للقوات المسلحة، لم يعلن يوماً أن هناك من ينافسه علي السلطة والنفوذ داخل القوات المسلحة، لا شأن لنا ولسنا معنيين بصراع مكتوم ولا مطلوب منا تبرير ما جرى جراء ذلك الصراع أو حتي تفهمه. 

الثابت أنه كان يعلم يقيناً أن ذاك الذي علي رأس القوات المسلحة لا يصلح لتلك المهمة الخطيرة، وأنه نسي من يكون وما هي مهمته، وانشغل بتعويض ما فاته في شبابه خلال شيخوخته ليعيش مراهقة متأخرة لا تليق برجل عسكري فضلاً عن قائد جيش في طور التكوين وعلي وشك الدخول في معركه صعبة ضد قوة إقليمه عاتية. كان عبد الناصر المسؤول عن التصعيد السياسي للأزمة مع إسرائيل، كان بحسب ما نقلوا ما حدث في تلك الليلة العصيبة قبل الصاعقة بأيام يتوقع ضربه جوية يوم ٥ يونيو/حزيران بحسب تقديره ،جيد جداً هذه البصيرة النافذة ،فإذن نحن أمام رجل يجيد قراءه المشهد ويعلم أن الأمر سيتطور إلى الاحتكام للسلاح، فهل كانت الأوضاع تتحمل (عسكرياً)هذا التصعيد؟

عبد الحكيم عامر

هل كان يعلم مدي كارثيه وجود عبد الحكيم عامر علي رأس القوات المسلحة؟ وعندما وقعت الواقعة، هل كان هو بعيد عن موضع المحاسبة؟

لقد كان شجاعاً في تحمله المسؤولية كلها بعد أن وقعت الواقعة. ولكن تلك الهزيمة لم تكن هزيمة وفقط عسكرية، بل كانت هزيمة للسياسة، وهزيمة اجتماعية أصابت المجتمع في الجذور وفِي قيمه وفِي أحلامه وطموحاته التي غزاها الزعيم بتصاعد رهيب كان قادراً علي تحقيق بعض منه في بداياته وتلك حقيقة تاريخيه لا ينكرها أي باحث مهني .

التاريخ الحقيقي لوفاة جمال عبد الناصر كان يوم أن انكسر الجيش وضاعت الأرض، والأقسى من ضياع الأرض فداحة الهزيمة والطريقة المهينة التي انكسر بها الجيش في ساعات معدودة.

 انشغل نظام عبد الناصر بمراقبة معارضيه فَنَسِي جهاز مخابراته مراقبة العدو واستطلاع المعلومات عنه. يقول الدكتور خالد فهمي في سرده لواقعة بعينها: إن قيادات الجيش فيما قبل المعارك  مباشرة استخدموا خرائط لمواقع مستهدف ضربها داخل إسرائيل (إيلات تحديداً) تعود إلى سنه ١٩٤٨، يا الله، كيف يمكن لجيش أن يعتمد علي معلومات مضي عليها قرابة العشرين عاماً، أين جهاز المخابرات؟ هذا الذي كان علي رأسه من يدعي صلاح نصر، هذا الرجل المستأسد علي طلبة الجامعات، وهذا الذي فيما يعد ظهر للناس فظائعه في حق أبناء شعبه، لم يمد القوات المسلحة بمعلومات مهمة عن العدو الذي علي وشك الدخول معه حرب طاحنة. تفرغ رئيس الجهاز بجهازه إلى محاربة معارضي النظام في الداخل ونسوا من هم ولماذا يتم الصرف عليهم من ضرائب الناس، وكانت الهزيمة الفادحة ثمناً للاستهتار الفادح، والوجع والمعاناة بقدر التساهل واللامبالاة. كان عبدالحكيم عامر مرؤوساً لجمال عبد الناصر، وكان صلاح نصر أيضاً مرؤوسا لعبدالناصر، ولا شأن لي بقصة أن هناك ثمة مراكز للقوي ، الرئيس (أي رئيس)يسمح بأن تكون هناك مراكز للقوي خارجه عن سيطرة الدولة هو رئيس بالضرورة ضعيف.

مسؤولية الهزيمة

 يتحمل جمال عبد الناصر وحده مسؤولية الهزيمة كما اعترف هو نفسه في خطاب التنحي الشهير، وانتحار أو قتل عبد الحكيم عامر لا يغير من الأمر شيئا، نعم أداء عبد الحكيم كان كارثياً وتسبب مباشرة في الهزيمة، ولكن من قال إن أداءه في ١٩٥٦ لم يكن كارثياً، ومع ذلك لم يتخلص منه الرئيس واحتفظ به ١١ سنه كاملة، وسمح له أن يكون مركز ثقل داخل الجيش تحدي به سلطته في الرئاسة؟

ما حدث من عبد الناصر فيما يتعلق بأسلوب إدارة البلاد وتغليب أهل الثقة علي أهل الخبرة أودي بالبلاد إلى التهلكة، والدرس المستفاد من فشل تجربه جمال عبد الناصر الثرية إثر الهزيمة المذلة في ١٩٦٧، أنه لا يستقيم الاستبداد السياسي مع الإصلاح السياسي/ الاقتصادي /الاجتماعي ، وأنه لا صلاح بغير الحرية، وأن المجتمع الميت إكلينيكيا بفضل ممارسات البطش لا يخرج منه أي إسهام حضاري مهما بدا غير ذلك. الحرية – ولا قيمه قبلها – هي الضمانة الأولي لتحقيق التقدم والعدالة والرفاهية وللدفاع عن تراب الوطن من منتهكيه في الداخل قبل الخارج.

ولا تقدم بغير الحرية ولا عدالة مع الاستبداد حتى إن كان المستبد وطنيا حتي النخاع.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة