عندما سرقنا وزورنا من أجل الاشتراكية الجميلة

لم نكن نؤمن بالديمقراطية، ونعتبر أن البرلمان والانتخابات وغيرها “ديمقراطية برجوازية مزيفة” واذا اضطررنا لممارستها، فهي مجرد ادوات توصلنا الى ما نريد، وبعدها لن نترك الحكم لأحد

 كنا نسير أنا وصديق العمر الروائي والكاتب ناصر عراق على كورنيش النيل، كنا حزانى، قلت له “إن الشيوعية أنبل من أن يحتملها البشر الآن”.  وكانت هذه الجملة تعني بشكل ما أن البشرية لا تستحق الشيوعية، أي أنها فوقها.

كان ذلك بعد الانهيار الصادم لأغلب الدول الشيوعية في العالم، كنا نحاول البحث عن تفسير، قرأنا للتو مقالة طويلة للكاتب الإنجليزي تيري ايغلتون، لكنها زادتنا حيرة أكثر. لم يكن هناك إنترنت ولا غوغل العظيم ليمنحنا مساحة مفتوحة للمعرفة. لم نكن نستطيع تصديق أن الشيوعية “وهم جميل” وأن الماركسية على عظمتها الفلسفية انتجت ديكتاتوريات بشعة، وأن هناك دون شك عيوبا فيها. فكان الحل هو أن نصدق أن البشرية لم تنضج بعد لكي تستحق الحلم الاشتراكي الشيوعي، فالماركسية هي الحق المطلق والخير المطلق والعدل المطلق.

 مؤكد لو أننا كنا نملك القوة وقتها،  لفرضناها على البشر دون ارادتهم ووجدنا راحة في ذلك، ومن المؤكد أننا لو استطعنا الوصول الى السلطة، بالانتخابات مثلاً، لما تركناها لعملاء البرجوازية الإمبريالية الرأسمالية؛ الكفرة بالماركسية والحلم الشيوعي. ولو استطعنا لفرضناها على العالم كله بالقوة كما حاول غيفارا، الذي ترك منصبه كوزير في اول حكومة ماركسية في كوبا، ليحمل السلاح “الثوري” لتصبح دول أمريكا اللاتينية اشتراكية.

إنها النسخة المكررة من الأيديولوجيات الديكتاتورية، القومية، الوطنية، العنصرية وايضاً ذات الطابع أو الخلفية الدينية.

  زورنا الانتخابات من أجل الإنسانية

 قرر حزب العمال التركيز في شبرا الخيمة ( ذات الكثافة العمالية) على أطراف القاهرة، حيث كنت أعيش، قرر السيطرة علي مقر حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في هذه المنطقة. كان المقر متواضعا وارضيته ترابية، وأقل من مستوى الشارع، كنا ننزل اليه عبر سلالم. دارت حرب طاحنة بيننا وبين المنافس الأقوى الحزب الشيوعي المصري، للاستيلاء بالانتخابات على المقر، ولأن هؤلاء ليسوا “شيوعيين حقيقين” وليسوا “يساراً حقيقياً”، إنهم مخربون وأشد خطراً من العدو البعيد “البرجوازية”، لذلك لم تكن لدينا أي مشكلة أخلاقية في التزوير، لأن الهدف الأعظم هو تحقيق الدولة الطوباوية الشيوعية التي ستوفر للمصريين السعادة والهناء.

 ولأننا الممثلون الوحيدون الحقيقيون لهذا الحلم الذي سيحقق أحلام الإنسانية، فنحن بشكل ما، نفهم ونعرف أكثر من باقي البشر، نعرف مصلحتهم أكثير بكثير مما يعرفون، نحن دون شك أفضل منهم، نحن الطليعة. من اقتنع بأفكارنا نضمه الى صف “صحابة ماركس ولينين” فخورين بإنجازنا، ومن لم ينضم فهو دون شك أقل منا في المعرفة  وتدريجياً في الإنسانية.

 استولينا على المقر وأصبحنا سادته، لكننا فشلنا في الاستيلاء على مقر اخر في نفس المدينة الصغيرة، كان واضحاً أن الحزب الشيوعي المصري فيه أقوى مما كنا نظن. لكن هذا لم يُعكر صفونا كثيراً، فالمعركة قادمة، ليس فقط للاستيلاء على المقر، ولكن للاستيلاء على حزب التجمع “كله “، ومن بعدها مصر والعالم.

 خضت معركة ضد الأستاذ خالد محي الدين رئيس حزب التجمع نفسه، عندما جاء لزيارة المقر الذي استولينا عليه (مقرنا) . لم يكن هدفي هو النقاش، ولكن هزيمة الرجل وهدمه لو استطعت، فهو يعطل وصولنا الى حلمنا الاشتراكي. قلت له على ما اذكر أنه لا يجوز في التحليل أن نربط صعود وانهيار الاشتراكية (الناصرية) في مصر بفرد جمال عبد الناصر، فالفرد مهما كان لا يمكنه تحريك التاريخ.

 كان في خلفية رأسي وأنا اجادل هذا الرجل العظيم، أن الأفراد في الفلسفة الماركسية لا قيمة لهم، فالأساس هو صراع الطبقات، وعندما تمتلك الطبقة العاملة القوة سوف تستولي على الحكم بالقوة من غيرها من الطبقات. لم نكن نؤمن بالديمقراطية، ونعتبر أن البرلمان والانتخابات وغيرها “ديمقراطية برجوازية مزيفة” وإذا اضطررنا لممارستها، فهي مجرد أدوات توصلنا الى ما نريد، وبعدها لن نترك الحكم لأحد، مثلما فعلت الأنظمة الشيوعية في كل مكان. 

 كما كان في خلفية رأسي أن الناصرية في عقديتنا كـ”حزب العمال الشيوعي”، لا علاقة لها بالاشتراكية، فهي مجرد “رأسمالية دولة” لا أكثر . ولم نفكر ابداً أن كل الاشتراكيات التي انتشرت في العالم كانت مثلها، فقد أصابنا عماء أيديولوجي، لا نرى أسفل أقدامنا، في حين نرى القذى في عيون الأخرين. 

 تحملني الأستاذ خالد محي الدين، قال بابتسامة ودودة “دي نظريه كاملة بقى”. كان محقاً، كانت نظرية كاملة مغلقة علينا بـ”الضبة والمفتاح”، لا نرى ولا نقبل أن نرى أو نفكر في غيرها.  لقد حولنا الماركسية والشيوعية الى دين. ونحن مُلاك هذا الدين، ومعنا التوكيل الوحيد له، وغيرنا كفرة.

عندما سرقنا من أجل الاشتراكية

 بدأ الأمر بسرقة الكتب من الجناح السوفييتي (الروسي) في معرض القاهرة للكتاب. الحقيقة أننا لم نكن بحاجة الى سرقتها، فقد كانوا يسهلون الحصول عليها مجاناً، لا أحد يسألك ماذا اخذت ولا أين المقابل المالي.  امتد الأمر بالطبع الى “سرقة” الكتب من باقي المعرض. كانت سرقة “حلال”، ولا أظن أنه كان هناك خلاف عليها بيننا. المبرر أن هذا هو حقنا، فالمجتمع البرجوازي غير العادل الكافر بالماركسية، لا يوفر للفقراء مثلنا حياة كريمة، ومن حقنا أن نسرقه (قريبة من نظرية الاستحلال عند بعض الجماعات الإسلامية). ما زلت أذكر بائع الكتب والصحف في ميدان التحرير كيف ضربني بقسوة لأنني حاولت سرقة كتاب.  

 لم تتوقف السرقة عند الكتب، لكنها امتدت مع بعضنا الى “سرقات صغيرة” لأجهزة كهربائية صغيرة، أو قميص أو تيشيرت من المحلات. الذين فعلوا ذلك ليسوا “لصوص”، ولا أناسا سيئين، بالعكس، شباب ممتاز على استعداد للتضحية بحياته من أجل العدل للبشرية. لم نكن مجانين، كنا حالمين، ولسوء الحظ دخلنا أيديولوجيا مغلقة  في تنظيمات مغلقة، فكان طبيعياً أن نصل الى ذلك.

 يبدأ الأمر برغبتك الجارفة في العدل والحرية، مدفوعاً بمحبة عميقة لنفسك وللبشر، وينتهي الأمر بأنك وكل البشر مجرد أدوات لا قيمة لها لتحقيق الحلم “الشيوعي” الذي كان من المفترض أنه لصالح البشر، أي أنك في طريقك لتحقيق الحلم “الإنساني” تفقد انسانيتك وتنزعها عن البشر.

  الفن والإبداع من اجل “الدين الماركسي”

 “هل لو قرأت هذه القصة لعامل في مصنع والدك ، يمكن أن يفهم شيء؟” كان السؤال صادماً ومفخخاً، لقد فخخ حياتي كلها. كنت وقتها أكتب القصة القصيرة، وكنت قد التحقت قبلها بفترة ليست طويلة بالحزب. كان المتحدث هو المسئول عن مجموعتنا، يدرس في كلية الفنون الجميلة، ويعمل موظفاً، كان انساناً ودوداً وفناناً تشكيلياً متميزاً. شدد بشكل خطابي على ضرورة أن ننتج قصصا ولوحات وفنونا للطبقة العاملة، “فنا اشتراكيا” أي ، فنا موجها لخدمة الثورة الاشتراكية العظمى.

  كنا مجموعة من الشبان والشابات نجلس في حديقة الخالدين أمام مشيخة الأزهر، استمعنا اليه باستسلام غريب، لم يناقشه أحد، كانت الأسئلة عن الطريقة التي يمكننا بها ألا نكتب فناً برجوازياً ولكن اشتراكياً. ونصحنا بالقراءة لمؤلفين مثل مكسيم جوكي وجاك لندن وغيرهما.  كنت صامتاً وأشعر بالخجل من “عملتي البرجوازية”، فأنا أخدم البرجوازية والقيم الرأسمالية دون أن أدري.

 لم أكتب القصة مجدداً،  بعد استقالتي من الحزب بسنوات طويلة كتبت قصصا متفرقة ، لكني لم أصبح روائياً ولا سيناريست كما كنت أحلم. فعلها صديقي ناصر عراق وأصبح الآن روائياً مشهورا بعد أن استعاد عافيته الإبداعية بعد سنوات طويلة من هجرة هذا الطريق. أصبحت واحدة من المجموعة مخرجة مسرحية معروفة، وأخرى  شاعرة وروائية بارزة الآن. عملت أنا بالصحافة وأعطيتها عمري.

 من المفارقات أن أحد شباب المجموعة كان شاعراً موهوباً، كان مرشحاً ليكون علامة في الشعر العامي لا تقل عن صلاح جاهين وفؤاد حداد.. لكنه لأسباب لا أعرفها توقف واختفى تماماً. باقي المجموعة لم تقدم منجزاً فنياً لافتاً. المسئول عنا لم يحقق شيئا بارزا حتى بعد أن طلق الشيوعية، ربما لأنه انتقل الى جهة اخرى  نقيضة ولكنها مغلقة: “الهوس الديني”.

  اتهموني بمساعدة الصهيونية العالمية:

 عنفني المسئول عني في الحزب “كيف تعمل في فندق مينا هاوس، وان تعرف أن مناحيم بيجين أقام فيه؟”،  كان السؤال هجومياً، وليس للنقاش. الخلفية أن الرئيس الأسبق انور السادات رحمه الله، قد استضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي في هذا الفندق الشهير لإجراء اول مفاوضات سلام. كنت قد التحقت بتدريب يؤهلني للعمل في هذا الفندق. كان المطلوب ليس فقط أن تكون ضد اسرائيل، ولكن لا تعمل في فندق أقام فيه رئيس وزرائها عدة ايام!

 كنت وقتها متزوجاً لكن بدون بيت، حيث كنت أعيش لدى أسرة زوجتي أكرمها الله، ولم أكن أعمل منذ أشهر وأشهر. كانت هذه جلسة محاكمة لكي “يعدلوا دماغي”، حاولت المناوشة، فأنا أحتاج للعمل، بدلاً من “الشحاتة”، كنت أحتاج لأن أبدأ حياتي. على ما أذكر لم يعترض صديق العمر ناصر عراق، ولم يعترض صديقي عصام تركي.  فقد تربينا بالطبع على كراهية إسرائيل المغتصبة لأرض فلسطين، وهدفها تدمير الاشتراكية في بلادنا، فهي الذراع المسلح  للصهيونية الرأسمالية العالمية في الشرق الأوسط. لكن لم يكن أحد منا يناقش بالطبع الاجتياح العسكري السوفييتي الروسي لبولندا وفرض نظام حكم (يعني احتلال )، فقد كان هذا  “حلالا” لأنه من أجل فرض الشيوعية في العالم، حتى لو بالقوة، ولم يناقش أحد أن الاتحاد السوفييتي ضم الكثير من البلدان بقوة السلاح، المهم هو تحقيق الهدف حتى لو كان الثمن دماء أبرياء وقهر شعوب.

 للأسف كنت متوحداً مع هذه المجموعة وكنت أضعف من أن أتركهم، ربما لو فعلتها وقتها لتغير مصيري ومصير من ارتبطت بهم.  المفارقة أن صديقي العزيز عصام عمل بعدها مباشرة في بار في الزمالك يرتاده أجانب، قد يكون من بينهم إسرائيليون، فلم يكونوا ممنوعين من دخول مصر. وبعدها هاجر الى المانيا “عقر” الرأسمالية الإمبريالية الأوربية المتوحشة. أما المسئول عنا وقتها فأسس  منظمة حقوقية للدفاع عن البيئة تحصل على تمويل من الرأسمالية الإمبريالية العالمية التي بالطبع تدعم “ذراعها المسلح إسرائيل.

 إنها مفارقات الزمن، ليس هدفي إدانة نفسي أو أحد، فلا أحد فينا يمكنه أن يعيد شريط الزمان الى الوراء، كما أن هذا الماضي ليس كله سوءات، فهناك حسنان بالطبع. لكن انتقاد السوءات وتجاوزها هو الذي يدفعنا للأمام، وأظن أن هذا ما فعلته وفعله كثير من رفاقي. 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة