دولة الفساد الموازية في تونس

هو صهر الرئيس السابق. لكنه دلله كما يدلل أب ابنه الوحيد. فاطلق يده في البلاد فافسد فيها ما استطاع وأذل رجالها بالتهديد وأفسد ذمم إدارييها بالرشوة وإثارة الأطماع

يسيطر الحديث عن الفساد على تونس هذه الأيام. وهو الموضوع الرئيسي حيث يختلف المتحدثون بين مستنكر له عارف بآثاره السلبية على كل من الدولة والمجتمع والأفراد، وبين مبرر له باعتباره علة لا بد منها لتسهيل الأمور بين الناس. فالدول الحديثة كلّها تعرف درجات من الفساد. وقد عاشت تونس ربيعا ساخنا من الاحتجاجات تحاول مقاومة الفساد عبر إسقاط قانون وُضع لمصالحة الفاسدين من حقبة بن علي و في ليلة 19 -20 مايو مررت هيئة الحقيقة والكرامة جلسة استماع مع أحد بارونات الفساد الذي يقبع بالسجن معترفا بجزء كبير من آليات الفساد والإفساد التي كانت متبعة زمن الدكتاتورية، فأعادت الجلسة حديث الفساد إلى السطح وخاض فيها الناس ولا يزالون وهما بين مكذب وقائل بالمبالغة والتوريط وبين مذهول من حجم ما كانت تونس تتعرض له من تدمير من داخلها قبل أن يسلط عليها تدمير خارجي يزري بكيان الدولة. فالدولة أصلا كانت منهارة بينما تسيّر دولة أخرى دواليب الاقتصاد الموازي وتعتاش منه، لقد كان الفساد سرطانا ينخر كل الكيان لكنه في نظر الكثيرين وصل مرحلة التفشي الكامل بعد الثورة ووجب قتل المريض فلم يعد هناك من سبب لبتر عضو واحد. إن الأكثر تشاؤما من التونسيين يرى نهاية الدولة التونسية ولكن البعض يرى أنها في الطريق إلى معرفة حقيقة لا شك فيها. أن الدولة والفساد لا يسيران معا وأن الأصلح يجب أن يقوم بنفسه وينقذ السفينة الجانحة فالثورة بدأت ضد الفساد وهي مستمرة ولو بأشكال مختلفة منها مظاهرات شبابية لمقاومة الفساد.

شهادة غلام الفساد المدلل

هو صهر الرئيس السابق. لكنه دلله كما يدلل أب ابنه الوحيد. فأطلق يده في البلاد فأفسد فيها ما استطاع وأذل رجالها بالتهديد وأفسد ذمم إدارييها بالرشوة وإثارة الأطماع. تكلم وأشار إلى طريقة اشتغال الماكينة ومواضع الفساد وكلها تأتي الدولة من أطرافها لتقلص مرابيحها وتفسد تجارتها وصناعتها حتى إن التبغ الوطني كان يصنع في الصين من تبغ فاسد وتقوم شبكات الفساد بإفراغ السوق من التبغ المحلي ثم تقوم بإغراقه بالتبغ الصيني الفاسد وهذه عينة جعلت صناعة التبغ الوطنية تفلس وتغلق معامله.

ما من قطاع مهني إلا ودخله الفساد برعاية هذا الغلام وأسرته ولكن ما كان لهؤلاء أن يفسدوا لولا وجود خميرة فساد سابقة لهم،ولم يفعل بن علي إلا أن ايقظ غرائزها واستفاد منها حتى إنها من فرط فسادها ضحّت ببن علي وقت الثورة وتخلت عنه ليخلو لها وجه الفساد بعده وقد أوصلت البلد إلى هذه اللحظة التي ظهر فيها بن علي أقل فسادا وتأسف البعض على فساد محدود في زمن فساد بلا حدود.

قانون شيخ الفاسدين.

منذ انتخابات 2014 تقدم رئيس الدولة بقانون لإعفاء الفاسدين زمن بن علي الذين كان غلام الفساد يعمل بهم ومعهم لإفساد البلد. ومنذ الانتخابات والمقاومة الشعبية للقانون متواصلة. لم يمر القانون بعد ولكن الرئيس لا يزال حريصا عليه في آخر خطاب له (هناك أخبار شبه مؤكدة أن البنك الدولي أمر نعم أمر بعدم المصادقة على القانون) لأنه لن يكون قادرا على ضخ أموال في ماكينة الفساد التي لا تشبع ولا تتوقف عن تفليس البلد.

ومازالت المعركة حامية الوطيس، والطبقة السياسية تناور مع الفاسدين، وهنا فساد آخر سيكون لنا فيه حديث في موضعه. لقد تبين أن خميرة الفساد قديمة وأن مثيراتها سهلة فالتهاون في أمر تطبيق القانون يسهل لها الحصول على منافع بغير وجه حق ثم يكون حبلا على الغارب، كلما أخذ الفاسد طور وسائله. وتعددت أوجه الفساد هناك الفساد الصغير والفساد المتوسط والفساد الكبير

من ذلك أن مواطنا يدخل الإدارة لقضاء شأن بسيط، يعطل حتى يدفع فطور الموظف وقهوته (وعبارة قهوة في الإدارة التونسية هي تسمية مموّهة لرشوة صغيرة قد لا تتجاوز عند بعض الأذلاء علبة تبغ مجانية). وفي الطريق أو في معابر الحدود تعني عبارة”افْرَحْ بِي” رشوة عبور من السلعة المستقدمة أو من المال ولطالما عيّر الليبيون التوانسة بعبارة “افرح بي” فالمعابر بيننا مكان إذلال ومذلة. والمحظوظ من الأعوان من يرسل للاشتغال هناك. وهي أماكن تباع من الرؤساء لأعوانهم بمقابل كما تباع أماكن محددة في الطرقات تكثر فيها مخالفات السير.

وهذا من صغائر الفساد أما أوسطه فيمس صفقات صغيرة لبناء مؤسسة أو مدرسة أو مد طريق فرعي فيكون رشوة في الحصول عليه ثم رشوة في استلامه منجزا ثم يكتشف الناس أنه مغشوش وأن المقاول قد سرق من المواد الأساسية ففضحه المطر الأول الذي نزل على منجزه. ويمكن تعديد الصور إلى ما لا نهاية. فقد صارت لكثرتها صورا ممسرحة على الركح اليومي لحياة التونسيين الذين صاروا لفرط القهر متفرجين سلبيين وأقصى أماني أغلبهم أن يتدبر أحدهم صفقة فاسدة ليخرج من فقره إلى غنى موهوم.

أما الفساد الأكبر فقد انهار بالدولة، وليس أكبر من صفقات الطاقة التي تخرج من تونس بلا عدادات لمعرفة الكميات المصدرة ولا أحد يعرف تفاصيل الصفقات التي تعقد ولا كواليس البيع والشراء لرخص التنقيب والاستخراج. كل أجهزة الإدارة التونسية بلا استثناء فاسدة ومخترقة من الفاسدين والقلة الشريفة في زواريبها مضطهدة ومحرومة من الترقيات الوظيفية و تنظر بعيونها وتموت قلوبها كمدا.

لقد تبين أن دولة الزعيم بورقيبة انتهت فعلا إلى عصابات من الفسدة وأن تأسيسها على قاعدة القهر والغصب السياسي قد صنعت وحوشا بشرية لا علاقة لهم بالتعايش الإنساني في حدوده الدنيا.

هل يمكن أن تستمر الدولة بهذه الحالة من الفساد.

نحن نشهد نهاية دولة بورقيبة. وسندفنها قريبا ، هذه جملة متفائلة في سياق متشائم. لم يعد لدى النخبة التونسية قدرة على الاستمرار في فعل سياسي من أي نوع ضمن كل هذا الفساد. كل شيء ينهار وليس الحل في تغيير الحكومات ولو جيء لها بأنبل الناس وأشرفهم. كيف سيكون الحل إذن؟ النظام السياسي الحالي فشل تماما. لأنه مبني على قواعد تشجع الفساد. لأنها تعطي للموظف سلطة واسعة على القرار الإداري بين يديه فيسهل له بيعه وقبض ثمنه خارج القانون. ويكفي أن نتذكر قانون الصفقات العمومية الذي يجعل الإدارة حكما بين المقاولين (مثلا) فيتم التلاعب بصفقات سرية لا نرى إلا أثرها الفاسد.

لقد تهيأت الظروف الآن يما يكفي للمرور إلى تطبيق الباب السابع من الدستور الذي يرتب أمور الحكم المحلي ويعطي للجهات قدرة كبيرة على إدارة نفسها بنفسها ويوكل رقابة تصرفها إلى مواطنيها حيث هم. وهنا باب مفتوح لإنهاء الفساد في المركز ونقل التصرف في أمور الدولة إلى جهات تكون رقيبة لأنها جهات تنتخب مسؤوليها ولا يأتونها معينين من المركز الفاسد

إنه أمل، وقد أوصل الفاسدون البلد إلى حافة لم يعد يمكن الخروج منها إلا بتحطيم ماكينتهم الفاسدة وبناء ماكينة أخرى تنهي أسطورة الزعيم الباني وتقدم أسطورة جديدة ، الشعب الذي يراقب مسؤوليه ويحاسبهم بالصندوق الانتخابي هنا يوجد أمل. لعله بعض حلم الثورة التي لم تمت في النفوس. ولا تزال تُسيِّر المظاهرات معلنة أنها لن تتسامح مع الفساد.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة