ضلال الإعلام والنضال في ساحات الماضي!

ولعبة الإلهاء فى السياسة لعبة قديمة، وأقوى أسلحة الإلهاء هى الطائفية الدينية وما يرتبط بها من دغدغة المشاعر الدينية لشعوب وعيها منهار.

مات جوبلز وزير إعلام الحكم النازى فترة حكم هتلر، ولكن مقولته المشهورة مازالت حية وتزداد قوة يومًا بعد يوم، خاصة فى مصر المحروسة..  “أعطنى إعلامًا بلا ضمير أعطيك شعبًا بلا وعي”.

ومشاهد انعدام ضمير الإعلام المصري كثيرة ومتداخلة، ويصعب حصرها، ولكن أكثرها وضوحا ما يتعلق بفتح قضايا وصراعات فرعية لجذب اهتمام الرأى العام بعيداً عن بعض أزمات النظام الذى وظف آلة الإعلام لخدمته بدلًا من التعبير عن  هموم الأمة.

الإلهاء

ولعبة الإلهاء  فى السياسة لعبة قديمة، وأقوى أسلحة الإلهاء هى الطائفية الدينية وما يرتبط بها من دغدغة المشاعر الدينية لشعوب وعيها منهار تحت وطأة الفقر والجهل والحاجة.

فى عام 1882 عندما التف بسطاء الشعب المصري حول أحمد عرابي، ودعمه فى حركة المقاومة والجهاد ضد الغزو البريطاني لمصر، أيقن الإنجليز خطورة هذا الدعم الشعبي وفكروا فى وسيلة لكسره وتفتيته، فاتفقوا مع الخليفة العثماني السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني على إصدار وثيقة بعصيان عرابي وأصحابه، ليصبح خارجا عن إرادة خليفة المسلمين فى الأستانة، وجاء فى وثيقة العصيان  “تصرف  الدولة  العلية السلطانية  بالنظر  إلى  عرابى  باشا  ورفقائه وأعوانه يكون بصفة  أنهم  عصاة،  ويتعين  على  سكان  الأقطار المصرية  حالة  كونهم  رعية  مولانا  وسيدنا  الخليفة  الأعظم  أن  يطيعوا  أوامر  الخديو  المعظم  الذى  هو فى  مصر  وكيل الخليفة”.

الغريب أن عرابي بعد هذه الوثيقة فقد جزءًا كبيرًا من الـتأييد الشعبي له خوفا من غضب خليفة المسلمين، والذى غضبه من غضب الرب، بل إن عرابى نفسه بعد ما علم بالوثيقة ارتبك.

لم يدرك المصريون أن الخلافة العثمانية فى ذاتها احتلال، وأنها تدعم الاحتلال البريطاني لبلادهم ضمن خطة تقسيم استعمارية كبرى.. الغريب أيضا أن المصريين قبل هذا التاريخ بما يقرب من 80 عاما وقفوا أمام إرادة الخليفة العثماني عندما رفضوا تعيين خورشيد باشا واليًا عليهم من قبل السلطان العثماني، وأصروا على تعيين محمد على واليا بدلاً منه، ولكن يبدو أن فترة حكم محمد علي التي شهدت نموًا اقتصايًا وصعودًا تنمويًا، شهدت فى نفس الوقت انهيارًا فى الروح الوطنية والمشاعر القومية نتيجة ديكتاتورية محمد على وانفراده بالحكم واستبعاده للقيادات الشعبية، وهو ماسهل بعد ذلك احتلال مصر دون مقاومة شعبية تتشابه مع المقاومة التى واجهت الحملة الفرنسية وطردتها، وانهار مشروع محمد علي بسبب تدجينه للقيادات الشعبية المصرية، وقضائه على الإرادة الشعبية التي كانت هي ذاتها السبب الرئيسي فى وصوله لسدة الحكم، وهو ما يجعلنا نعيد النظر فى فكرة الديكتاتور العادل، وهذا أمر له مجال مناقشة آخر.

صراع مع العاصي

نجح الإنجليز في نقل الصراع مع عرابي من صراع حول استقلال الوطن إلى صراع عقائدي ديني مع عاصي كافر خارج عن إرادة خليفة المسلمين، وتحت هذه المعطيات الجديدة نجح الإنجليز فى احتلال مصر بمباركة الخليفة العثماني وواليه فى مصر الخديوى توفيق.

وسبق الإعلام المصري مقولة جوبلز حول فقدان الضمير الإعلامي، وخرجت جريدة الأهرام تزف للمصريين بشرى الاحتلال الإنجليزي  لمصر والقضاء على العاصي عرابي وزملائه، وجاء نصًا فى العدد 1446 الصادر فى 15 سبتمبر 1882.. “ابتسم ثغر مصر واهتز عطفها طربًا، وتهللت القلوب فرحًا ريثما اقتبلت البشرى بانقضاء الأزمة وفك المعضلة فتبادل العالم التهاني وعلى وجوهم سمات البشر والسرور ولسان الحال ينادي بشراك يا مصر بشراك فقد نلتِ المنى ودخلت العساكر الانكليزية باسم الحضرة الخديوية عاصمة بلادك فاحتلتها وقبضت على عرابى وطلبة وإخوانهما”.

وحتى بعد استقلال مصر عن حكم أسرة محمد على وجلاء الإنجليز، ظلت النظم الحاكمة في مصر تتعامل بنفس المنهج، وهو استخدام المشاعر الدينية في السيطرة والهيمنة على إرادة الشعوب، وتوجيه الرأى العام تجاهها، ولتأييدها، مستخدمين إعلامًا بلا ضمير، وإن اختلف الأمر من ناحية الشكل، حيث أصبح الصراع الطائفي بين المسيحيين والمسلمين أو بين الأراء المختلفة بين المسلمين هو الأداة الجديدة لضمان إلهاء الشعب عن مواجهة النظم الحاكمة المستبدة، والحوادث الدالة على هذا المنهج كثيرة، حيث يقوم الإعلام بنشر رأى خلافي  عقائدي، ليدغدغ المشاعر الدينية، وليخلق حالة من البلبلة والتوتر والسجال الطائفي والعقائدي تبعد النظر عن المشكلات الحقيقية للوطن، والالتفاف حول الدولة القائمة بصرف النظر عن فشلها واستبدادها، المهم استمرار وجود أزمة تشغل المجتمع من ناحية وتفرض ضرورة الالتفاف حول النظام المستبد من جهة أخرى.

المشاهد كثيرة منها أحداث الفتنة الطائفية فى الزاوية الحمراء، وقت أن كان النظام فى أزمة مع الشعب بعد الصلح مع إسرائيل فى السبعينيات، ومنها لجوء نظام مبارك وصحفه التابعة إلى فتح سجال غاضب حول موضوعات تثير المشاعر الدينية، مثل نشر موضوع عن غراميات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفتح صراع متطرف واتهامات بالكفر ودعاوى حسبة واستتابة، وتفاصيل كثيرة الغرض منها إبعاد الرأى العام عن مشكلات الوطن الحقيقية واستبداد السلطة.

الشاهد للأسف أن هناك حالة من التعصب الجاهل يجعل من الكثيرين يتفاعلون مع هذه المخططات، وينفعلون بها، ليقعوا ضحايا لهذا الفخ، ومنها على سبيل المثال الأزمة غير المبررة التى قامت بسبب تصريح غير مبرر وغير معروفة دوافعه من داعية إسلامى حول تكفير المسيحى، والتناول الإعلامي المهيج للتصريح وردود الأفعال حوله، وإبرازه وتفريع المشكلات حوله يجعلنا نبحث عن السبب الحقيقي وراء هذه الأزمة المفتعلة الآن.

شخصية صلاح الدين

بتفصيل أكثر سأتناول الأزمة المفتعلة التى أثارها يوسف زيدان حول شخصية صلاح الدين الأيوبى ودمويته، وما أثارته من لغط طائفي، شكل جريمة فى حق المجتمع المصري فى أحرج لحظاته، هذا اللغط الطائفي الذى تسبب فيه طرفان، الطرف الأول من فتح باب الحوار بهذه الطريقة، وفى هذا التوقيت وبلا مناسبة لغرض ما، والطرف الثاني هو من استجاب  لهذا الجدل العقيم وحوَّله إلى ساحة جهاد عقائدية، سواء عن جهل أو عن عمد.

ولأنى مضطر إلى مناقشة هذه الفتنة السخيفة، فيهمني إيجاز عدة نقاط.

–  إثارة هذا الرأي حول شخصية تاريخية تم بدون أى مناسبة وبدون أى سياق لإثارته وهو ما يثير العديد من التساؤلات.

–        صلاح الدين الأيوبي شخصية تاريخية لها ما لها، وعليها ما عليها وتناولها بالنقد السلبى أو الإيجابي حق لأى شخص طالما هو نقد على أساس معرفة وبغرض العلم والثقافة، ومحاولة فرض قدسية دينية حول شخصية صلاح الدين تجعل من نقده دربًا من دروب الكفر، هو إما جهل أو غرض طائفى ، هل تتصوروا ياسادة أن أحد المشتركين فى هذا اللغط المريب كتب “سيدنا صلاح الدين رضى الله عنه”؟!!

–        التاريخ الإسلامى ذاته تعرض لانتقادات المؤرخين من خلال تقييم مواقف أمراء وسلاطين المجتمع الإسلامي، وكان أكثرهم جدلا معاوية بن أبى سفيان، ولم نسمع تكفيرًا أو هجومًا طائفيًا على أي من هؤلاء المؤرخين، مما يؤكد أن تأطير النقاش حول صلاح الدين في إطار طائفي هو أمر متعمد لغرض ما، فإذا أردت أن تعرف الغرض فانظر إلى الظروف المجتمعية والاقتصادية المتردية، والتي تحيط بنا وابحث عن صاحب المصلحة في إلهائنا عن مواجهتها.

–        جزء من اللغط والجدل المريب يتعلق بسؤال حول ما إذا كان صلاح الدين، قد حرر بيت المقدس بالجهاد أم بالتفاوض والمصالحة؟!!!!، ما أخيبه جدل وما أقبحه!!! أتختلفون حول كيفية تحرير بيت المقدس فى الماضي، وأنتم عاجزون عن تحريره في الحاضر والصهاينة يعيثون فى بلادنا فسادًا، ويستحيون النساء ويقتلون الأطفال!!!

–        العرب الأوائل الذى واجهوا حمالات الفرنجة لم يسموها الحمالات الصليبية، بل تعاملوا معها باعتبارها حمالات استعمارية تستغل الصليب لشحذ همم بسطاء أوربا للمشاركة كجنود فى هذه الحملات الاستعمارية للاستيلاء على الثروات وتوسيع الممالك، ولم يحولوا الصراع إلى صراع طائفي بين عقيدتين، واستخدام الصليب كشعار للغزاء الأوربيين هو أمر يخص المجتمع الأوربي فى ذلك الوقت والأزمات التي كان يمر بها.

–        استخدام مصطلح الحروب الصليبة فى التأريخ ظهر بوضوح بعد انتهائها بأكثر من مائة عام، وللأسف استخدمه كل طرف لغرض محاط بهالة مقدسة تبرره وتجذب البسطاء حوله.

المؤكد أن أطراف المأساة التي تعيشها مصر، وتجعلها ضحية لمؤامرات نظام حاكم فاسد ليس مصدرها المـتأمرون فقط، وإنما يشارك فيها المتأمر عليهم بتفاعلهم المستند على مشاعر دينية غيرة واعية وغيرة عقائدية عمياء تجعلهم لا يرون خطورة المؤامرت المحيطة بهم لتفريقهم وتحويلهم إلى شراذم يسهل السيطرة عليها، واستغلالها لحساب ضغمة حاكمة فاسدة ورجالها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه