كيف يكون ترمب جادا في حل معضلة سوريا؟

فعل ترمب “المتقلب” ما لم يفعله أوباما ” الثابت”.

فقد وجه ضربة عقابية خاطفة لمطار “الشعيرات” الذي انطلقت منه طائرات الأسد لتقتل المدنيين من الأطفال والنساء والعجائز والرجال بالسلاح الكيماوي في “خان شيخون”، بينما أحجم أوباما عن توجيه ضربة مستحقة في عام 2013 كانت توفرت لها أسباب أكثر مما توفرت للضربة الحالية، فقد استخدم الأسد الكيماوي آنذاك بشكل أوسع، وحصد أرواح المئات في “غوطة دمشق”.

ترمب قال إن ما شاهده كان فظيعا، وأن رؤيته تجاه النظام والأزمة في سوريا بدأت تتغير، وأن مشاعره لم تتحمل مشاهدة الأطفال الضحايا، وهذا قد يكون صحيحا، لكن هناك دافعا أساسيا في الضربة، وهو أنه يريد تأكيد تخاذل وضعف الرئيس السابق أوباما أمام الشعب الأمريكي والعالم سواء في التخلي عن محاسبة المجرمين الذين يستخدمون أسلحة محرمة دوليا، أو في عدم احترامه للخط الأحمر الذي وضعه بنفسه لنظام الأسد، وهو عدم اللجوء للكيماوي.

الضربة المباغتة تعكس جانبا من توجهات ترامب منذ دخل البيت الأبيض في إزالة إرث أوباما، وإذا كان قد أخفق حتى الآن في تنفيذ سياساته في منع الهجرة واللجوء، وإلغاء النظام الصحي “أوباما كير”، إلا أنه أفلح مؤقتا في الملف الذي كان هو نفسه متخاذلا فيه أكثر من أوباما، وهو الأزمة السورية. فإذا كان أوباما قد رفع شعار أن الأسد فقد شرعيته، وعليه التنحي، فإن ترمب رفع خلال حملته الانتخابية الرئاسية وإلى ما قبل قصف مطار “الشعيرات” شعار أن الأسد وتنحيه عن الحكم ليس أولوية على أجندته الدولية، إنما الأولوية هي هزيمة تنظيم داعش، بل إنه كان يمهد الطريق لإمكانية التعاون مع هذا القاتل وإبقائه في السلطة، ولذلك بلغ الاطمئنان بالأسد حدا أن يعرض على ترامب تعاون أمريكا معه في مكافحة الإرهاب، وهو إرهاب بمواصفات وقياسات الأسد وحلفائه وميليشياته، ويشمل كل من يحمل السلاح ضده، لا فرق في ذلك بين معارضة مسلحة معترف بها دوليا تدافع عن نفسها، وتسعى لبناء نظام حكم ديمقراطي مدني، وبين تنظيمات متطرفة كل سلوكها الدموي يخدم الأسد فقط، ويشوش على المعارضة، وعلى هدف إقامة سوريا الجديدة الخالية من الطغيان والاستبداد.

الأوصياء عليه

تفاهمات أوباما مع الروس بتسليم الأسد لمخزونات الكيماوي في 2013 لم تسهم في إيقاف أو تهدئة عجلة الحرب، وفرض السلام، وإنقاذ الشعب والدولة من الدمار، والخلاص من الديكتاتور، واليوم يتأكد أن الأسد لم يسلم كل ما لديه من كيماوي بدليل جريمته الجديدة في “خان شيخون”، وهي لا يمكن أن تتم إلا بعلم الروس، فهم الأوصياء عليه، وهم أصحاب القرار في سوريا منذ تدخلوا عسكريا فيها، إلا إذا كان هناك لعب إيراني من وراء ظهر بوتين حتى تظل طهران محتفظة بوجودها وتأثيرها الذي يهمشه الروس، وبين جريمتي “غوطة دمشق” و”خان شيخون” وقعت جرائم قصف للمدنيين بأسلحة محرمة دوليا، لكنها لم تحصل على حقها من الاهتمام العالمي، والتغطية الإعلامية، وضاعت الحقيقة وسط أكاذيب النظام.

واليوم كما الماضي فإن ضربة ترامب لن تكون ذات أثر في ساحات الاقتتال، ولا في توفير فرص التفاوض والحل السلمي الفعال، إذا كانت لمرة واحدة فقط، ومهما كانت نتائج خسائرها على النظام، وحتى لو دمرت 20% من طائراته كما يقول وزير الدفاع الأمريكي، فإن حلفاءه مستعدون لتعويضه، وهم يضعون مقدراتهم في خدمته من عتاد وميليشيات ودعم في مجلس الأمن لعدم محاسبته سياسيا ولا محاكمته جنائيا باعتباره مجرم حرب يرتكب جرائم ضد الإنسانية، فاعلية الضربة أن يعقبها ضربات لشل القدرة العسكرية الجوية للنظام، وهنا ستنشأ الفرصة الحقيقية للسلام، وإذا كانت أمريكا ترهن ضرباتها بمواصلة استخدام الكيماوي، فالرسالة لن تختلف عن رسالة أوباما التي ساهمت في إطالة أمد الحرب واتساع دمارها، وهى أن القتل بمختلف الوسائل الأخرى مباح، ولذلك وفي رد فعل يغلب عليه التحدي فإن ما تبقى من طائرات في “الشعيرات” عاد للانطلاق لمواصلة قصف المدنيين.

روسيا الأبعد

وإذا لم تكن إدارة ترمب تريد أن تتورط في الحرب، وأن تواجه الروس والإيرانيين مباشرة – لا أعتقد أن روسيا وإيران على استعداد لمواجهة عسكرية مباشرة مع القوة العظمى – فإن لأمريكا اليوم قدرة لم تكن متوفرة لديها في ظل إدارة أوباما للذهاب إلى التفاوض الجاد، وفرض حلول سياسية، ذلك أنه من ردود الأفعال على قصف المطار يتبين أن أمريكا لا تزال الدولة القوية القادرة على فعل ما تريد وقتما تريد، كما يتأكد أنه لا قوة أخرى مهما كانت تستطيع مجاراتها أو مواجهتها، بل يتم وضع ألف حساب لها ممن يريد أن يناهضها، والدليل أن الروس سواء كانوا يعلمون مسبقا بقصف المطار، أو فوجئوا بالقصف، لم يكن في أيديهم الكثير ليفعلونه لأنفسهم ولحليفهم سوى البيانات والتصريحات الكلامية الصاخبة، وكذلك الإيرانيون.
ضربة واحدة بعدد من الصواريخ أربكت حسابات كل القوى المتدخلة في سوريا، وجعلت أمريكا صاحبة الكلمة الفصل عسكريا أو سياسيا لو أرادت، حتى لو كانت تحت إدارة رئيس متقلب غير مفهوم ناله أكبر قسط من النقد والهجوم الداخلي والخارجي، وتعرض لانتكاسات في ملفات داخلية عديدة. 
لكن أمريكا تثبت أنها ليست دولة الرئيس، بل هى دولة المؤسسات الراسخة التي تستطيع تعديل بوصلة الرئيس لو تعرضت للانحراف، والذي كان يتابع ترامب منذ البداية يتصور كأنه عميل لروسيا من كثرة تماهيه مع مواقفها، ومن كثرة ما تكشف من اتصالات ولقاءات وعلاقات سرية بين رجال إدارته مع روسيا، لكن في لحظة الجد فإن دولة المؤسسات والمنظومة التقليدية العميقة للحكم تفرض سياساتها وتوجهاتها.
 وقد صارت روسيا اليوم أبعد عن ترمب مقارنة بما كانت عليه في عهد أوباما، فالرئيس السابق عندما طلع فوق الشجرة بتعهده بالخط الأحمر الكيماوي الذي خرقه الأسد أنزله الروس بحل تسليم المخزونات، وبالتالي توقف عن فكرة الضربة العسكرية التي كان خائفا منها، بل كان حقيقة غير جاد فيها، بينما ترمب قرر وتحرك ونفذ الضربة، ولم يعبأ بالروس ولا بالتقارب بينه وبينهم، ولا بكونهم أصحاب القرار والسيادة الحقيقية في سوريا، وتلك كانت صفعة لهم تقبلوها مضطرين أو مرغمين.  

حانت اللحظة لـترمب ليسجل تاريخا له في سوريا التي تعد أعقد الأزمات والمعضلات الدولية حاليا، وليس شرطا الالتزام بالترتيب الذي وضعته إدارته وهو هزيمة داعش أولا، ثم التخلص من النفوذ الإيراني، وأخيرا إزاحة الأسد عن السلطة، لأن هذا الأمر سيأخذ وقتا وفق هذا الترتيب، وخلال هذا الوقت فإن الحرب لن تتوقف، وسيظل الأسد وحلفاؤه وميليشياته يمارسون القتل والتهجير في الشعب السوري، وبالتالي لماذا لا يكون الخلاص من داعش يسير في خط متواز مع حل سياسي تلقي أمريكا بثقلها وراءه وجوهره إزاحة الأسد عن السلطة مع الحفاظ على مؤسسات الدولة ومن لم يتورط في الدماء من النظام، وهذا سيعني أيضا إنهاء أو تحجيم النفوذ الإيراني في هذا البلد، وفي نفس الوقت يكون هناك تفاهم مع الروس بشأن الحفاظ على بعض مصالحهم في ظل نظام حكم وطني تشاركي ديمقراطي جديد يُترك له صياغة طبيعة العلاقة بين سوريا وروسيا في إطار التوازن والندية، وليس علاقات تبعية كاملة كما هو الحال اليوم بين الأسد والكرملين.

طرف الخيط

أمسك ترمب بطرف الخيط في الأزمة السورية، وأرعب الجميع بضربة واحدة، وعليه ألا يفلت منه هذا الخيط، وهو من سوريا يستطيع تحجيم روسيا بعد التمدد الذي حصلت عليه في عهد أوباما، كما يستطيع حشر إيران في زاوية ضيقة، ويعيد جانبا من الهيبة الأمريكية التي فرطت فيها إدارة أوباما راضية أو غافلة.

وإذا كان وزير الخارجية الأمريكي يعلن أن بلاده ستحاسب كل من يرتكب جرائم ضد المدنيين في أي مكان في العالم في رسالة تهديد واضحة تنطلق من الضربة العسكرية، فإن الترحيب بتلك الرسالة يتوقف على أن تكون أمريكا عادلة ومنصفة في المحاسبة لتشمل إسرائيل بكل جرائمها في حق الفلسطينيين والعرب، وتشمل الأنظمة الصديقة والمتحالفة معها التي تنكل بشعوبها، كما تحاسب نفسها أيضا وبأثر رجعي على جرائمها بحق شعوب عديدة، ومتى ما استطاعت أن تضبط هذه المعادلة وتنفذها، فإنها ستكون قوة حق وعدل وسلام واستقرار في الأرض.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة