مقالات

ما بعد الإفراج عن مبارك

الرئيس المصري الأسبق مبارك مع نجليه علاء وجمال مبارك
الرئيس المصري الأسبق مبارك مع نجليه علاء وجمال مبارك

شتان ما بين ما اقترفه مبارك وابنيه وزوجته – التي لم يطولها أي إجراء- من ممارسات لاستغلال السلطة وإنفاق ببذخ من المال العام ، وبين ما قام به أطفال صغار رفعوا شعار رابعة العدوية.

قضى الرئيس الأسبق حسنى مبارك فترة سجنه متنقلا بين مستشفى مزرعة طرة بعد تزويدها بالمعدات الطبية المتطورة، وبين جناح خاص بالمركز الطبي العالمي بطريق القاهرة الإسماعلية التابع للقوات المسلحة ، وبين جناح خاص أيضا بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي، كان خلالها يستقبل أفراد أسرته وزواره من المصريين والعرب ، ويرد على تليفوناتهم ، بل ويتحدث تليفونيا الى الفضائيات .

بينما عانى الآلاف ممن تم سجنهم بعد يونيو/حزيران 2013 من الإجراءات التعسفية، بداية من حفلات الاستقبال التي تتم بالضرب العشوائي بالعصى والركلات عند دخولهم السجون إلى منع الزيارة ومنع الطعام والملابس والكتب والأدوية أحيانا ، والاستيلاء على كل ما في العنابر من ملابس وأغطية ، وترك المساجين بالملابس الداخلية في عز البرد ولقاء الأسر والأبناء من خلف الحواجز.

شتان بينهم وبينه

وما بين التعدي البدني والتشهير الإعلامي وملاحقة الأقارب والأصدقاء والمحاكمات التعسفية ، قضى هؤلاء المعتقلون أيام حبسهم ، بينما كان مبارك وولديه يمارسون تمارين اللياقة البدنية بالأجهزة الرياضية المتخصصة، بل تم تخصيص مساجين عاديين لخدمة أولاد مبارك لتوصيل المأكولات من خارج السجن والصحف اليومية وغيرها من المستلزمات المعيشية، وانتظامهم في ممارسة كرة تنس الطاولة وكرم القدم داخل مزرعة طرة  .

وشتان ما بين ما اقترفه مبارك وابنيه وزوجته – التي لم يطولها أي إجراء- من ممارسات لاستغلال السلطة وإنفاق ببذخ من المال العام ، وبين ما قام به أطفال صغار رفعوا شعار رابعة العدوية ، أو كان الشعار مطبوعا على أدواتهم الدراسية ، لكن مبارك وابنيه وزوجته وجدوا من يساندهم ويحميهم سواء من دول خارجية أو من أصحاب نفوذ بالداخل ، بينما لم يجد آلاف الطلاب والنساء والشيوخ القابعين خلف الأسوار ، سوى مساندة أسرهم ومحاميهم .

وعندما يرى آباء الطلاب والشابات الذين تم حبسهم لسنوات لمجرد خروجهم للتظاهر داخل أسوار الجامعة ، عودة مبارك إلى منزله بينما يظل أولادهم محرومين من الحرية ، واستمتاع مبارك بممتلكاته الخاصة بينما تم التحفظ على مصانعهم وشركاتهم وأموالهم ، فإن مشاعر السخط سوف تتمكن منهم ، وهم يرون من تسببوا فى قتل الشباب والمتظاهرين يعودون لبيوتهم ، بينما أولادهم وبناتهم ممن لم يتسببوا في إيذاء أحد ما زال أمامهم سنوات خلف القضبان .

وها هى أسر المعتقلين من الإعلاميين والصحفيين تتملكهم الحيرة، وهم يرون من تسببوا في خراب البلاد لسنوات وهم ينعمون بالحرية ، بينما الصحفيون والإعلاميون يتم استمرار حبسهم احتياطيا، وإحالتهم للمحاكمات المتكررة، وعندما يحصلون على البراءة لا يتم تنفيذ تلك الأحكام.

وإذا كانت حجة البعض للتغاضي عن الإفراج كبر سن مبارك ، فما زال هناك الكثير من كبار السن خلف القضبان ، يعانون من أمراض مزمنة بل وانتهت فترات الحكم بسجنهم مثل المستشار الخضيري، لكن النظام يستمر في سجنهم .

امتداد الغضب

وسيمتد الغضب الى أهالي المختفين قسريا وإلى من ماتوا بالسجون نتيجة الإهمال الطبي، وإلى من تم قتلهم  في المظاهرات أو في البيوت والشوارع، وإلى أسر من أصيبوا بجراح في الأحداث المتتالية نتيجة العنف الشرطي ، وإلى من تم إبعادهم عن وظائفهم ومنع صرف معاشات لهم مثل القضاة .

حتى من ليس لهم معتقلون وراء القبضان، ممن ضاع حلمهم في الحصول على فرصة عمل مناسبة أو مكان للمأوى أو للعلاج المناسب، أو المعاش الكريم طوال ثلاثين عاما قضاها مبارك في السلطة، وممن أصيبوا بالأمراض الخطيرة نتيجة المبيدات المسرطنة والأغذية الملوثة ، سيصيبهم الإحباط حتما نتيجة غياب العدالة وسيظل انتظارهم للقصاص الرباني .

حتى أسر من يقضون أحكاما طويلة بالسجون جراء ارتكاب جرائم رشوة أو اختلاس محدودة القيمة ، سيشعرون بالغبن .

وعندما تغيب العدالة تضعف معانى الانتماء للمجتمع والولاء للنظام الحاكم ، وتزداد اللهفة لسرعة زوال هذا النظام ، فما بالنا بتضافر مشاعر الإحباط واليأس تلك مع تزايد معدلات الفقر والبطالة والارتفاع المستمر للأسعار ، مما يزيد من الغضب الجماهيري المكتوم ، تحت ضغط البطش والتنكيل ، لكن هذا الغضب المتراكم سيكون حتما أكبر دافع للتغيير ورفض الواقع الحالي ، بصور شتى يمكن أن يكون العنف أحدها .

وهو ما تحذر منه مؤسسات دولية وإقليمية وتعبره حاجزا للاستثمار حاليا في مصر ، بل وسببا في انحسار السياحة ، حتى أنصار النظام الحالي ومنهم اقتصاديون كبار مثل الدكتور جلال أمين ، قد أكدوا أن انخفاض سعر صرف الجنيه المصري مرتبط بالاستقرار  السياسي  والأمني وليس بعوامل اقتصادية .

وإذا كانت الحكومات الغربية تتغاضى عن الممارسات القمعية للنظام الحاكم وغياب الحريات ، نظير مبيعات السلاح والسلع له ، فإن تلك الممارسات القمعية والمواكبة لمزيد من تدخل الجيش في النشاط الاقتصادي ، بجانب عدم استقرار سعر الصرف وارتفاع نسب التضخم وارتفاع سعر الفائدة ، كل هذا يمثل موانع وحواجز لقدوم  استثمارات من تلك الدول لمصر .

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة