زيارة ميسي: صخب في مصر وهدوء في إسبانيا

في العام الماضي ظهر “ميسي” على قناة تلفزيونية موجهة للمصريين من دون مردود على أي مستوى، لاسيما وأن المقابلة لم يكن فيها شيء مفيد.

فعندما تابعت مقابلة قناة “إم .بي. سي. مصر” مع الأرجنتيني “ليونيل ميسي” نجم فريق برشلونة، في أواخر شهر مارس/آذار الماضي و شدّني الاجتهاد المبالغ فيه لمنى الشّرقاوي في إنجاح الحوار، تساءلت عن الهدف من هذا الحوار أصلا، لاسيما مع ارتفاع تكلفة ظهور النجوم في المقابلات التلفزيونية.

وعندما أهدى النجم في نهاية الحوار “جزمتـه” للمصريّين ، قلت في نفسي “ربّ ضارّة نافعة”.

 سيغضب المصريون بسبب هذه الإهانة {غير المقصودة} و يتجاوزون هذه الأوهام التي لا تليق بواقعهم الصّعب. غير أنهم تغاضوا عن هذه الفعلة واختاروه داعما رسميّا للإعلان عن انطلاقة حملة السياحة الصحية لعلاج الفيروس سي هذا الأسبوع، وغمروه باستقبال مهيب، رغم أنّه أخلّ بالالتزام بتاريخ المشاركة في مناسبتين سابقتين، واستجاب في الثالثة بزيارة ستّ ساعات أحدثت صخبا في مصر لم يقابل مثيله لا في إسبانيا ولا في الأرجنتين. 

    في الحقيقة، لم أكن لأصبر على متابعة أداء عمرو أديب {المّكلّف الرّسمي بمحاورة ميسي} لولا التزامي بالإلمام بتفاصيل استقبال نجم برشلونة في زيارته الخاطفة الى مصر. فقد كان مُملّا بشكلٍ مُخجلٍ. لا يسمح المقام بأن أنساب في ملاحظاتي كمشاهدة، على هذا الأداء المُتدنّي لإعلامي قيل إنّه من صفوة الإعلاميّين بالمقاييس المهنيّة المعمول بها في مصر مبارك والسّيسي. ولكنّي وقفت على تناقض عجيب في لاوعي هذا الرّجل، فهو يُردّد من دون اِنقطاع أن الحدث عالمي و يتابعه “مليار” مُعجب لميسي،  حيث كان يُقنع المشاهدين أنّ العالم يتابعهم حينها، ورغم ذلك كان يُردّد كلاما أقرب لكلام أحمد موسى في تمجيد أمّ الدنيا. و أنّ “المُراد من ربّ العباد” قد تمّ.

 كلام أقرب الى الهذيان لم تخْلُ منه حتّى الأسئلة التي وجّهها لضيفه رغم أن هذا الأخير اشترط أن يلتزموا بستة أسئلة مُعدّة سلفا.

  على كلّ حال، فالمصريون أنفسهم يعلمون أنّ موافقة النّجوم على تعزيز صًورهم في الأذهان بدَعم الأعمال الخيريّة لا تعدو أن تكون أدوارا يَجْنون من ورائها أرباحا طائلة  لمجرّد الظّهور مُقابل إعلان {مدفوع الثمن} لطرفٍ ما. ولم يتحرّج الإعلام المصري من نشر ما اتّفق عليه الطّرفان بخصوص التزام الضّيف ميسي بنشر تغريدة على حسابه تويتر، وحساب فيسبوك نادي برشلونة لتوثيق الحدث وإطاره المكاني.

.

   لم تذكر وسائل الإعلام الإسبانيّة اسم عمرو أديب أبدا و لم تتعرّض له حتى بصفته محاورا. و لم تشفع له حتى نكتة “الملوخيّة” البائسة في تقديم نفسه بصفته إعلاميّا مِصريّا يحاور نجما عالميّا

 

التناول الإعلامي سواء في إسبانيا أو الأرجنتين تَرَكّز أساسا في الصحف الرياضيّة فتقاربت عناوينها لِتُجمع على معنى: ميسي المحور، وبقية تفاصيل الحملة و إطارها المكاني تدور في فلكه. أمّا المضامين فتحتوي أساسا ثَناءً على نجم فريق برشلونة و تذكيرا بضرورة اندماج النجوم في دعم أي مجهود علمي أو إنساني يُمكن أن يُسعد النّاس.

أمّا النّقطة الثّانية التي تمّ التّركيز عليها فهي عدد المُصابين بهذا الدّاء في العالم وارتفاعه في البلد المُحتضن للحدث و قيمة التّقدّم العلمي في القضاء عليه. إضافة إلى ثلاثة مُعطيات تخصّ مصر وحدها وهى: تفاصيل حملة “تور آند كيور” للسّياحة الصحّية التي وقّعتها شركة الأدوية المصريّة “برايم فارما” والشركة السّياحية الإسبانيّة “ساناتور”، ومُستوى الحراسة المُبالغ فيه، ثمّ البذخ الذي حظي به حفل اِنطلاق الحملة الذي أقيم ليلا.

  وعلى عكس ما صوّره عمرو أديب من اهتمام لوسائل الإعلام العالميّة بالحدث، فإن التّغطية كانت في حدود المعمول به في تقفّي أثر النّجوم. إذ بثّت الجرائد الإلكترونيّة الرّياضيّة بعض مقاطع الفيديو لإعلانات ميسي وهو يدعم حملة العلاج، فيما ذكرتها بعض البرامج الرّياضيّة الأخرى كفقرة في معرض الأخبار. أمّا التّقارير فجاءت على شكل تغطية بدقائق لزيارة السّت ساعات مُتندّرة بموكب السّيارات المُبالغ فيه الذي رافق ميسي والطائرة التي نقلته إلى الأهرامات.

فعلى قناة “فوتبوليستا. كوم” تُلخّص المُذيعة الزيارة في دقيقتين ونيف وتذكر، إضافة إلى هَوْل الحراسة المفروضة حول تحرّكات الضّيف، أنّ الحفل الفخم جدّا يحتوي عشاء تبلغ كلفة حجز المقعد الواحد  فيه 7500 دولارا، قابلة للزيادة.

في الثّواني الأخيرة من الفيديو المعروض على اليوتيوب للقناة، يظهر “ميسي” و أخويه و مستشاريه “باو نيغرا” و” ألفونس أغيليرا” مُنزعجين جدا من حضور الصحافة عند وصولهم مطار برشلونة على الساعة الثانية و35دق ليلا، لدرجة أن إحدى الكاميرات صوّرت “باو نيغرا” يقول كلاما بذيئا للصحافيين في إشارة لرفضهم أي تصريحات.

و فعلا خرج كل واحدٍ منهم مُنفردا واستقلوا سياراتهم الخاصة ماعدا “ميسي” الذي لم ينبس ببنت شفةٍ مثل مرافقيه ولكنه أهدى في صمتٍ إمضاءين لمعجبَين أرجنتين لحقا به في سيّارته.

الفيديو يُصوّر تصرّفاتهم وكأنّهم راجعين من واجبٍ ثقيلٍ. الطّريف أن الصّحفيين الذين أمضوا الليلة في انتظار ميسي انقضّوا عليه يسألونه عن تفاصيل برامجه مع ناديه لا عن زيارته إلى مصر.

 

     على قناة “ميغا” الإسبانية، يقول المذيع” انظروا انظروا كمّية السيارات و الدّراجات النارية، فضيحة، كل هذه حراسة، شرطة أكثر و أكثر…”

 

    عن نفسي لا أخفي أنّني صُعقت بمستوى التملّق والتّطبيل الذي حظِي به اللّاعب الأرجنتيني في زيارته الموجزة، من أجل الترويج لحملة العلاج المذكورة. لكن الحقيقة تفرض علينا الاعتراف أنّ هذا النّجم بالذّات موهبة كرويّة لا غير وحتى الأدوار التي يتقمّصها كسفير نوايا حسنة أو فاعل خير لا تعدو أن تكون مجرّد مُكمّلاتٍ تفرضها النجوميّة وتُخفي وراءها فريق عملٍ متكامل. ثمّ إنّ المهرجان بأسره إذا كان يهدف إلى نشر اسم مصر في كل أصقاع الأرض من أجل استدراك سياحة ضائعة، فكيف يتناسى القائمون على هذا الحدث أنّ  تصدير هذه الإنجازات للعالم بهذا الإخراج البائس لم يأت أُكله في مناسبات سابقة على غرار تدشين تفريعة السويس، و المؤتمر الاقتصادي .

خيبات لا يُداويها حضور ميسي ولا كريستيانو. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة