اقتصاد قوي وتراجع الليرة التركية

لا تزال الليرة التركية تعاني من تراجع قيمتها، وهو الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الاقتصاد التركي ككل

لقد  اقترب الدولار من حاجز 3.7 ليرة، وبذلك يكون معدل الانخفاض خلال الفترة من بداية نوفمبر 2016 وحتى الآن بنحو 25%.

ويأتي هذا التراجع في قيمة الليرة أمام الدولار، على عكس التوقعات، باستعادة عافيتها مع حلول بداية عام 2017، في ظل آمال انتعاش السياحة، وكذلك الدعم من قبل المجتمع المدني، وكذلك مؤسسات مجتمع الأعمال. ولكن لاتزال السياسة تلعب الدور القوي في هذا التراجع بالعملة التركية، سواء من خلال آليات اقتصادية أو سياسية.

 

فما هي أسباب هذا التراجع؟

 

العامل الخارجي: يشهد السوق العالمي تقدم الدولار على باقي العملات الرئيسية في أسواق النقد، وهذا التقدم مصحوب بتحسن العديد من المؤشرات الاقتصادية بأمريكا، كما أن البنك المركزي الأمريكي اتخذ قراره في ديسمبر الماضي برفع سعر الفائدة بنسبة 0.25%، وهو ما يعني تحسن ظروف الاستثمار في أمريكا، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار.

وكذلك السياسة الاقتصادية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي الجديد  دونالد ترامب، حيث ركز على خروج أمريكا من كثير من مناطق الصراع، وتحميل بعض المناطق وبخاصة الخليج فاتورة توفير الحماية الأمنية، وكذلك تخفيف حدة الصراع مع روسيا، وإن كان موقفه من إيران سلبيا، وكذلك تهديده بسحب الاتفاق معها بشأن برنامجها النووي، إلا أن المراقبين يرون أن سقف ترامب في هذا الأمر سيكون في حدود تشديد ما تبقى من عقوبات اقتصادية تجاه إيران، وليس إلغاء الاتفاق بشأن برنامجها النووي.

هذه السياسة وكذلك تحسن الوضع الاقتصادي في أمريكا، حسن من وضع الدولار أمام العديد من عملات الدول الصاعدة، ومنها تركيا وماليزيا والصين والبرازيل وغيرها.

العامل الداخلي: تأثر العامل الداخلي بتراجع السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 30% خلال عام 2016، وهو ما ترك آثارا سلبية على حصيلة البلاد من النقد الأجنبي، وكذلك عمليات الدولرة التي تبناها بعض المدخرين ورجال الأعمال، مما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار بصورة غير حقيقية، وأدى إلى زيادة سعره مقابل الليرة.

 وثمة عوامل أخرى تتعلق بالجانب السياسي أثرت على وضع العملة التركية، وهي تلك التي تتعلق بحالة عدم الوفاق السياسي مع الأحزاب الكردية، ولجوء هذه الأحزاب للعنف، وكذلك سعي حزب العدالة والتنمية لتمرير التعديلات الدستورية الخاصة بالانتقال للنظام الرئاسي كبديل للنظام البرلماني الحالي.

 

التخلي عن حماية الليرة

 

 اتبع البنك المركزي التركي سياسة عدم حماية سعر الصرف، وترك الليرة تواجه آليات العرض والطلب، ولكنه في نفس الوقت اضطر إلى التدخل بشكل آخر، عبر آلية سعر الفائدة بزيادتها بنسبة 0.5%. من أجل مواجهة التضخم، وتشجيع المدخرين على عدم المضاربة على سعر الدولار.

كما أدت الدعوات الصادرة من رئيس الدولة، وقرارات بعض المؤسسات مثل البورصة والقوات المسلحة، بتحويل رصيدهما من العملة الأجنبية إلى العملة المحلية، إلى تهدئة مؤقتة، في سعر الصرف، ولكن سرعان ما عاود الدولار الارتفاع مرة أخرى أمام الليرة.

ونرى أن هذا الارتفاع أتى من خلال استمرار تراجع نشاط السياحة، وكذلك تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ولعل حادث التفجير في الملهى الليلي أو المطعم، ألقى بظلاله السلبية لضرب موسم السياحة في تركيا خلال إجازات الكريسماس ونهاية العام، مما أثر سلبا على عوائد السياحة للبلاد.

إلا أن الملاحظ أن أداء الصادرات التركية، عكس تطورًا إيجابيًا، من خلال بيانات معهد الاحصاء التركي، ففي شهر نوفمبر 2016 بلغت الصادرات السلعية التركية 12 مليارا و800 ألف دولار، وهو ما يزيد بنسبة 9.7% عن أداء الصادرات لنفس الشهر من عام 2015. وبشكل عام يعد أداء التجارة الخارجية لتركيا خلال الفترة من يناير – نوفمبر عام 2016 إيجابيًا، سواء من حيث الصادرات أو الواردات، أو حجم التجارة الخارجية بشكل عام، ولا يُـظهر وجودا لمشكلة انخفاض قيمة العملة، بل العكس أظهر أثرًا إيجابيًا بزيادة الصادرات.

ويتضح من بيانات الصادرات والتجارة الخارجية، أن الاقتصاد التركي، يمتلك قاعدة إنتاجية قوية، استفادت من انخفاض العملة المحلية، وأن هناك توازنا في حجم الواردات، حيث لم تتفاقم فاتورة الواردات.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الحديث عن الدفع باستثمارات عربية سعودية وقطرية، لم يظهر له أثر على أرض الواقع، فيما ظهر غيابه تمامًا عن التأثير على سعر صرف الليرة. كما أن تصريحات نور الدين جانيكلي نائب رئيس الوزراء التركي ” بأن خطر الدولرة على الاقتصاد التركي بدأ يتلاشى” لا تؤيده شواهد الواقع، بدليل هذا الانخفاض في سعر الليرة.

وخلاصة الأمر أن سعر صرف الليرة سوف يتوقف خلال الفترة القادمة، على تسوية مجموعة من الملفات السياسية الداخلية والخارجية، بحيث يؤدي ذلك إلى عودة نشاط السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، وفي هذه الحالة يمكن أن يتحسن موقف الليرة تجاه الدولار وباقي العملات الأجنبية. والعكس صحيح، إذا تأخرت هذه الاصلاحات، فسوف تستمر الليرة في اتجاه الهبوط أمام الدولار.  

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة