أتاتورك الثاني .. هل من سقف للطموح السياسي والشخصي ؟!

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

هل نتجاوز على أتاتورك الأول “مصطفى كمال” عندما نعتبر رجب طيب أردوغان أتاتورك الثاني؟

إذا كان الأول هو مؤسس تركيا الحديثة، فإن الثاني هو مؤسس تركيا الناهضة القوية، المؤكد أن لكل واحد من الزعيمين قيمته ودوره وتأثيره في تركيا، وكل واحد فيهما صنع إنجازاته في سياق الظروف التي مر بها سواء في بدايات القرن الماضي مع كمال، أو في بديات القرن الحالي مع أردوغان، لكن الثابت أن التاريخ التركي يسجل في أهم صفحاته اسمي هاتين الشخصيتين باعتبارهما واضعي القواعد الراسخة للدولة التركية في مرحلتيها عند التأسيس، وعند الانطلاق مما جعلها تحتل مكانة متميزة على خريطة الإقليم والعالم.

حديث الحاضر هو عن الرئيس أردوغان، أو أتاتورك الثاني، إذا كان هذا الوصف مقبولا وله وجاهته، ومناسبته أنه صادق يوم الجمعة 10 فبراير 2017 على التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان مؤخرا ليتحول نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، وهو ما سيعزز سلطات وصلاحيات أردوغان، وستنتقل السلطة التنفيذية والإدارة اليومية من الحكومة إليه ليكون هو رأس السلطة التنفيذية وصاحب القرار الأول في البلاد والمحرك لكل صغيرة وكبيرة فيها، لكن كل ذلك سيبقى مرهونا بقرار الشعب التركي الذي سيذهب إلى الاستفتاء الشعبي يوم 16 أبريل القادم.

لا نريد أن نكون أتراكا أكثر من الأتراك أنفسهم، ونقدم لهم النصائح بالتأييد أو الرفض للتعديلات الدستورية، فهذا شأن الأحزاب والساسة والنشطاء ومختلف نوعيات النخب والطبقة السياسية في هذا البلد الحي الذي يتمتع بمساحة كبيرة من الحرية في إطار ديمقراطية تترسخ يوما بعد الآخر على الرغم من استمرار حملات الاعتقالات والتضييق على الحريات على إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة منتصف يوليو 2016، وتلك الممارسات المقلقة التي قد يمس بعضها حقوق الإنسان – ما لم يكن القانون هو الحكم والفيصل بنزاهة وشفافية فيها – تؤثر سلبا على الوجه الديمقراطي لتركيا، وهذا الوجه هو جزء مهم من رصيدها إقليميا ودوليا، كما تشوش تلك الممارسات على صورة أردوغان نفسه، هذه الحالة التي أعقبت محاولة الانقلاب دون توقف حتى اليوم يوظفها خصوم أردوغان في الداخل والخارج في دعايتهم ضد التعديلات الدستورية والانتقال للنظام الرئاسي بأنه يتحول إلى مستبد، ويسعى لاحتكار كامل للسلطة، وأنه لا يختلف عن أي حاكم شرق أوسطي متسلط، لكن في شكل ديمقراطي.

 

لذلك فإن الاستفتاء الشعبي سيكون أفضل كثيرا مما لو كانت التعديلات قد أُجيزت عبر التصويت في البرلمان

 

حيث لم يتوفر لها نصاب ثلثي عدد أصوات النواب، وبالتالي تكون كرة التعديلات في ملعب الشعب نفسه صاحب الإرادة والاختيار في تقرير شكل نظامه السياسي، هل يقبل بالمعروض عليه، أم يرفض ويبقي النظام البرلماني قائما؟

   مرة أخرى لن نكون أحرص على حاضر ومستقبل الأتراك منهم أنفسهم، فهم شعب بلغ من الوعي درجة كبيرة جعلته يتصدى للانقلاب العسكري ويسقطه، ويحافظ على النظام الحاكم المنتخب، وهذا يحدث لأول مرة في هذا البلد بعد العديد من الانقلابات السابقة التي ألغت الديمقراطية وأذاقت الناس الويلات، ونشرت الفساد، لكن السؤال: هل هناك حدود للطموح السياسي والشخصي لـ أردوغان؟، لقد حقق الرجل كل ما يريد في عالم السياسة في بلاده منذ شبابه وحتى اليوم، وقد تقلد أهم منصبين في النظام السياسي، رئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية، فماذا يريد أكثر من ذلك؟، وإلى متى يريد البقاء في السلطة؟، وليس هذا فقط، بل هو يريد دمج سلطات الحكومة والرئاسة في يديه بالتعديلات الدستورية التي تجعل منه الحاكم الأوحد، ولو في ظل نظام ديمقراطي، ورقابة برلمانية، ومحاسبة مدنية وشعبية.

من الواضح أن طموحه بلا سقف، لكن وحتى لو كان حاكما منتخبا، ومدعوما من شعبه، ومكوثه هو وحزبه في السلطة بلا منافس منذ عام 2002 وحتى اليوم – 15 عاما متواصلة – فإن تقديرنا أنه ليس من مصلحة حزبه أن يتمحور كله حول شخص أردوغان، وأن تظل القيادات الأخرى تقوم بأدوار تالية، أو هامشية، فلا يخرج منه قادة بقوة وكاريزما أردوغان لتكون جاهزة للحكم وبنفس المهارة والسياسة التي يتمتع بها، اليوم صار حزب العدالة هو أردوغان، يفوز الحزب في الانتخابات باسم أردوغان، ومهما برز ساسة في الحزب فإنهم يبدون متواضعين إلى جواره، وهذا ليس في صالح مستقبل الحزب على الساحة لو حصل وتغيب أردوغان لأي سبب، فؤاد سراج الدين قاد حزب الوفد في مصر بعد عودته للساحة عام 1984، وهو كان ضمن القيادات الشابة القديمة للوفد قبل إلغاء الأحزاب في بداية عهد عبدالناصر، وكان سراج الدين زعامة لها هيبة وحضور في الوفد والحياة الحزبية والسياسية في مصر، وكان الآخرون متواضعين إلى جواره، ولذلك لما توفى فإن الوفد لم يجد رئيسا يمكن أن يسد ذلك الفراغ حتى اليوم، وفقد الحزب نفسه ودوره، والأمر كان اسوأ مع حزب الأحرار الذي بوفاة مؤسسه وزعيمه التاريخي مصطفى كامل مراد تفتت وانتهى.

 

بالطبع العدالة والحرية في تركيا، ليس كالوفد والأحرار في مصر

 

لأنه يحكم، ويثبت جدارة في الحكم، ويحقق انجازات تاريخية، ويقود دولة كبيرة ذات وزن وثقل، وهو زاخر بالقيادات، ويعمل في ظل نظام ديمقراطي حقيقي، أما أحزاب مصر فلم تعرف الحكم يوما، ولم يُتح لها ممارسة السياسة ولو في حدها الأدنى لأنها تنشط في نظام سياسي استبدادي منغلق لا يسمح لأحد بأن يمارس أي دور أو ينشط في المجال العام.

حزب العدالة بعد أردوغان قد يواجه مصاعب كبيرة في التنافس على السلطة، فقد لا يظهر فيه شخص بحجم وتأثير وشعبية أردوغان لأن الآخرين كلهم في الظل، وهو وحده الذي يستحوذ على الأضواء، ويضع السلطة في قبضته، هل الحزب وأردوغان منتبهان لذلك؟، وهل الأهم الحزب ومستقبله، أم المجد الشخصي لزعيمه؟.

وتركيا أيضا كدولة كبيرة لم تعرف زعيما لها طوال الـ 15 عاما الأخيرة غير أردوغان، وإذا كان ذلك إخفاقا من قادة أحزاب المعارضة، فإن تركيا بلا أردوغان كدولة قد تواجه فراغا في القيادة، وقد يكون لذلك تأثيراته السلبية عليها مثل حزب العدالة حتى يثبت الوافد الجديد إلى الحكم جدارته وقوته وهيبته وزعامته.

الأنبياء والرسل فقط هم من يواصلون مهمتهم الدينية المقدسة ولا يستقيلون منها، ونهاية حياتهم تكون مرتبطة بنهاية تبليغ رسالات ربهم إلى خلقه.

وبين البشر غير المعصومين فإن الملوك والمستبدين هم الذين يبقون في الحكم حتى نهاية آجالهم، أو التخلص منهم بطرق مختلفة قديما وحديثا، لكن الحكام الديمقراطيون المنتخبون هم وحدهم الذين يكون لهم مواقيت معروفة في البقاء في السلطة، ليسوا مؤبدين فيها ولو كانت الانتخابات تتيح لهم البقاء حتى الاعتزال الشخصي، أو الوفاة ، ثاتشر المرأة الحديدة أزاحها حزبها “المحافظين” من الحكم، رغم فوزها في الانتخابات، ونجاحاتها، وصلابتها في إدارة بريطانيا، وحصل الأمر نفسه مع توني بلير الذي طلب منه حزبه “العمال” مغادرة السلطة، وكاميرون استقال رغم أنه كان في بداية فترة حكم جديدة، وفي فرنسا اكتفى فرنسوا أولاند بفترة رئاسية واحدة، ولم يترشح للثانية لأن شعبيته تراجعت، وفي أمريكا غادر أوباما البيت الأبيض بعد فترتي حكم مدتهما 8 سنوات، ومهاتير محمد بنى معجزة ماليزيا الاقتصادية وغادر من نفسه، ومانديلا اكتفى بفترة رئاسة واحدة في جنوب أفريقيا، والزعماء الذين حققوا إنجازات تاريخية لبلدانهم لم يبقوا في الحكم ساعة واحدة بعد انتهاء عهدتهم الدستورية، وذلك هو جوهر الديمقراطية، وهذا هو ما يصنع قادة وسياسيين بالمئات مؤهلين للحكم، فلا يحدث فراغ، ولا قلق على مستقبل البلاد، ولا بكاء بعد غياب الزعيم الأوحد.

ما يحدث في تركيا عبر الديمقراطية الحقيقية، هو ما يحدث في روسيا بواسطة الديمقراطية الشكلية، يتبادل بوتين وميدفيدف الرئاسة ورئاسة الحكومة تلاعبا بالدستور، ولا نعرف زعيما لهذه الدولة الكبرى غير الأول، والثاني مجرد “محلل”، وفي تركيا لا نعرف غير أردوغان رئيسا للوزراء، ثم رئيسا بصلاحيات محدودة، ثم رئيسا بكل الصلاحيات حسب تعديلات الدستور، والقادة الآخرون يرحلون واحدا بعد الآخر إلى الظل مثل عبدالله غل، وأحمد داوود أوغلو، والباقون على الساحة مجرد ساسة عاديين.

كما يُقال فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة حتى لو كانت مفوضة ديمقراطيا وشعبيا، والبقاء الطويل في الحكم يغري على الاستبداد بالحكم.

مع ذلك فالأتراك أدرى بشؤونهم، وفي المجمل فإن تركيا حالة ديمقراطية متميزة في النطاق الجغرافي الشرق أوسطي الكبير، وما حديثنا هنا إلا حرصا على تلك الحالة وازدهارها، فإذا كان انقلاب 15 يوليو قد فشل، فذلك لا يمنع أن فكرة المغامرة لا تموت، بل قد تستمد أسباب بعثها وخطرها من ممارسات تكون ديمقراطية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة