المعرض الدولي للكلام

كانت المسابقة التي انعقدت في حدائق “شرم السلطان” عبارة عن ملء ثلاثة “أجولة” بالكلام.

 

(1)

في قديم الزمان عاش سلطان طاغية مهووس بالثرثرة، لكنه لا يطيق سماع كلام الآخرين، فهو الوحيد الذي يحق له الكلام، هو الوحيد الذي يجب أن يتحدث وعلى الشعب أن يسمع ويطيع، وعلى الرغم من جهله كان يتصور أن العناية الإلهية أرسلته إلى هذا العالم ليفيض بالحكمة والمعرفة، ويتوهم أن حكماء العالم يتعلمون منه، وأنه طبيب يعرف الأمراض ويكتب وصفات العلاج، ومن عجائب الأيام أن ذلك السلطان كانت لديه خاصية سرية عجيبة، وهي أنه كلما مات، تمكن من تغيير اسمه وجسمه، ثم يظهر بصورة جديدة واسم جديد في كل زمان ومكان، حتى فوجئ الناس في أيامنا بنسخة هزلية من ذلك السلطان تخرج على الشاشات لتقول بثقة الضال  زائغ العينين: “ما تسمعوش كلام حد غيري.. اسمعوا كلامي أنا وبس”.

(2)

يُحكى أن أحد السلاطين القدماء من هذا النوع، فوجيء أن ابنته الأميرة المولودة في 25 يناير كبرت ونضجت، وبدا يسمع عن تعلق الشباب بها، وخروجهم جماعات نحو القصر ليخطبوا ودها، ويحكى أن الوزير الداهية قال له: هذه سنة الأيام يا عظمة السلطان، لابد أن يتزوج أحد هؤلاء الشباب من الأميرة، وشعر السلطان بكراهية شديدة للشباب، وأخذ يفكر في طريقة للانتقام منهم حتى لا يتمكن هؤلاء “الرعاع” من دخول القصر، فإذا مال قلب الأميرة لشاب من الفقراء، فإنه سيدخل إلى القصر ويحكم ويتحكم بعقلية الفقراء، ويناصر أشباهه من الناس، وبعد أيام تشاور فيها السلطان مع مستشاري الشر في الممالك الكبيرة، خرج إلى شرفة قصره ليعلن للجميع عن مسابقة عظيمة للكلام بعنوان “we need to talk“.. وتساءل الناس في اندهاش عن أسرار التصرف المريب للسلطان الذي لا يطيق سماع كلام الناس.

(3)

كانت المسابقة التي انعقدت في حدائق “شرم السلطان” عبارة عن ملء ثلاثة “أجولة” بالكلام، من يفلح في إنجاز المهمة يتزوج الأميرة الحبيسة داخل القصر، ومن يفشل يتم إحالته إلى “ناجي شحاتة” أو إخفاؤه قسريا، أو تعذيبه في أحد سجون السلطنة، وفي افتتاح المسابقة تحدث السلطان كثيرا كعادته، لكن الوزير نبهه إلى ضرورة استكمال شكل المسابقة، وبدأت اللعبة: الوزير يفتح فوهه الجوال، والمتسابق يحكي ويحكي، لكن الجوال لا يمتليء بالكلام، ويقهقه السلطان: تنظير.. وكلام فارغ، فيعلن الوزير فشل المتسابق، فيعود السلطان للكلام فيصفق الوزير معلنا امتلاء “الجوال”، وتهلل الحاشية: هوه ده الكلام المليان.. السلطان وحده هو الذي يستطيع ملء الأجولة بالكلام، وفجأة تقدم أحد الشباب، بينما السلطان “السادي” يستمتع بالثرثرة ويتحين اللحظة المناسبة ليشبع غطرسته بمنظر الشاب عندما يأمر بحبسه أو إعدامه، لكنه فوجئ بالشاب يدخل خزانة أسرار القصر فيقول: “لقد رأيت السلطان ليلة أمس في وضع…”

ينتبه السلطان مذعورا ويأمر أحمد موسى بإغلاق الجوال الأول لأنه امتلأ بالكلام، وتكرر الأمر في الجوالين الثاني والثالث، حيث اعتبر السلطان أن الجوال امتلأ ليمنع الشاب من كشف الأسرار المشينة التي تقضي على سمعة ومستقبل السلطان”.

(4)

من هنا ظهرت مشكلة “المسكوت عنه” باعتباره “كلام مختلف” يتجنبه السلاطين لأنه يكشف الحقائق التي يخشونها، لكن سلطان الكلام تعلم لعبة الاتجار بالفضائح، فيأمر بتأسيس “المعرض الدولي للكلام”، ليستدرج بعض هؤلاء الشباب تحت وهم الزواج من الأميرة، ويعينهم “أبواق كلام”، ويكلفهم بنفخ عقول الرعية بحكايات وخزعبلات “على مسؤوليته”، و”منتهى الصراحة” و”الشعب يريد”، ليلهي الناس عن فضائح السلطان ويعكسها على الشباب، واستمرت حيلة إغراق الرعية بطوفان الكلام عبر الفضائيات ووسائل الإعلام وتصريحات الساسة وثرثرات المقاهي، والأمسيات المنزلية.. فالسلاطين يطمئنون ويستمتعون بالكلام الفارغ، المكرر، المعد سلفا، الذي يخرج من فم البستاني ليدخل أذن الرعية دون أن يمر بعقل أي منهما (على رأي برناردشو)

(5)

في سلطنة الثرثرة الفارغة و”الجهل السلطاني” تضخم الكلام حتى صار هو الحياة ذاتها، وبعد أن كان “كل شيء كلمة”، صارت “الكلمة كل شيء”، تطرف الكلام فأصبح بديلاً للواقع.. أصبح له حجم يسد فضاء الحرية، ويزحم العقول والطرقات، وهذا ما كان يحلم به سلطان الكلام، الذي لا يزال يحبس الأميرة في قبو القصر المخيف.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة