السوريون وقضايا اللجوء في تركيا

 

يقول الروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل للأدب أورهان باموك في روايته “استنبول المدينة والذكريات” في معرض حديثه عن هوية “استنبول” إن كانت بيزنطية أم عثمانية (يمكنك في الغالب أن تعرف ما إن كنت تقف في الشرق أو في الغرب فقط من الطريقة التي يشير بها الناس إلى بعض الأحداث.. إن يوم 29 مايو 1453 / بالنسبة للغربيين هو يوم سقوط القسطنطينية، وهو بالنسبة للشرقيين يوم فتح إسطنبول…

… ومن ثمّ كان القوميون هم الذين يصرّون على كلمة فتح، وكان كثير من العثمانيين على العكس راضين بتسمية مدينتهم القسطنطينية).

الحال ينطبق على هوية السوريين في اللواء السليب فما زال سكّان بعض القرى الحدودية يطلقون على الإقليم اسم اللواء والبعض رضي بتسميته “هاتاي” وهؤلاء لا يعرفون من اللغة التركية التي فرضت عليهم شيئاً على الرغم من حملهم الجنسية التركية تماماً كاليونانيين المقيمين في إسطنبول…  

وأيضاً ينقسم السوريون اليوم فالبعض لا يرى حرجاً في ضمّ محافظة إدلب للحكم التركي، بينما يتشدد آخرون رافضين الانضمام. في سياق ردود الفعل انتشر على الواتس أب تسجيلاً صوتياً لشخص من إدلب يحلّل فيه الوضع على شكل فكاهة: “الشعب فرحان بقدوم الأتراك، أيام اللواء الأتراك قالوا “هات هاي” (يعني هذه بالفصحى) فسُمي الإقليم “هاتاي”.. الآن نحن سنعطيهم إدلب ونقول لهم: “خود هاي” هكذا سيصبح اسم إقليم إدلب!

رفض التجنيس

قضية الحصول على الجنسية التركية تشغل عدداً كبيراً من السوريين اللاجئين في تركيا بعد انقضاء ما يقرب من سبع سنوات على الثورة السورية.

للتجنيس تبعات لم يدركها بعض اللاجئين عندما تقدموا بطلباتهم للحصول على الجنسية، وصدموا بها فيما بعد:

أولاً توقف المعونة التي كانت تمنح لهم كلاجئين سواء من الأمم المتحدة أو من الحكومة التركية، فقد أصبح اللاجئ مواطناً تركياً!

ثانياً: الخدمة العسكرية للذكور في سن الجيش، لم يدرك الكثيرون من الشباب الذين تقدّموا بطلب الجنسية أنّ عليهم خدمة العلم في الجيش التركي الذي يدخل الآن إلى سوريا لمحاربة الإرهاب! لقد هرب معظمهم من التجنيد في سوريا كي لا يصطدم بمحاربة إخوانه وإن كانوا تحت تسميات مختلفة “الجيش النظامي أو الفصائل المسلحة بكلّ أطيافها”.

ثالثاً: دفع الضرائب للدولة في حال القيام بأعمال حرّة وهذا ما يرهق السوري اللاجئ وقد بدأ العمل في تركيا بمبالغ بسيطة عائداتها لا تتماشى مع متطلبات الحياة لعائلته “أجرة البيت والفواتير والتعليم والطبابة والطّعام والشّراب”!

رابعاً: تقليل فرص العمل لأصحاب الحرف اليدوية؛ فرب العمل التركي يفضّل تشغيل السوريين لأنّهم يعملون بأجر أقل ومن دون ضمان صحي أو ضمان ضدّ إصابة العمل، كما يستطيع الاستغناء عن خدمات العامل من دون مساءلة في أيّ لحظة واستبداله بعامل أقلّ أجراً ويستطيع أن لا يعطيه أجره!

الاحتلال التركي

انقسم السوريون في توصيف التّدخل التّركي العسكري في الشّمال السّوري خاصة بعد التفاهمات بين الجيش التّركي وجبهة النصرة المسيطرة على بعض المناطق في الشّمال السّوري. فذهب البعض إلى اعتباره احتلالاً، والبعض اعتبره إنقاذاً للمدنيين في إدلب التي أصبحت مركزاً لكلّ المهجّرين من أنحاء سوريا

المثير في الأمر أنّ من يعتبرون التّدخل التركي احتلالاً لا يرون تدخلاً غيره، فهم يغضون النّظر عن تدخل الدّول الأخرى التي أطلق النّظام يدها في سوريا.. لا يرون أنّ سوريا محتلة منذ سنوات من إيران وروسيا وعصابات قنديل وحزب الله والمليشيات الطائفية ومن قوى راديكالية إسلاموية، والمسؤول الأوّل عن كلّ ذلك النظام السوري.. هم يرون فقط الاحتلال التركي!

منذ سنوات تعيش سوريا صراعاً دولياً يقوده “الأصلاء” من جهة و”الوكلاء” من جهة أخرى، ولا شكّ أنّ دخول تركيا دائرة الصراع له دلالات إيجابية كما له دلالات سلبية.

الإيجابي والذي يتمسك به أبناء إدلب وأبناء “دارة عزة” الذين رفعوا يافطات التّرحيب بالجيش التّركي.. هو المساهمة في تخفيف المجزرة على الشّعب الأعزل في تلك المدن، والأمل في أن يفرض ذلك الوجود على القوى العسكرية الوطنية لمّ شمل صفوفها المبعثرة والمتصارعة.

أمّا الجانب السّلبي فهو تحالف القوى الإسلامية مع القوات التّركية وهذا التّحالف يقضي على الأمل في استمرار ثورة الحريّة التي خرج لأجلها الشّعب السّوري عام 2011 ويضع حجر الأساس لقيام نظام جديد في المناطق المحرّرة من النّظام السّوري، هذا النّظام الجديد لا يقيم وزناً للدّماء التي بذلها الشّعب في سبيل حريّته ولا للتضحيات التي قدّمها الناس على مدى سبع سنوات.

قد يكون الحل الأنسب في هذه المرحلة أن تأخذ القوى الوطنية النّظيفة زمام المبادرة وتشكّل “هيئة” بديلة عن القوى السّياسية المتهافتة “الائتلاف نموذجاً” الموجودة حالياً على السّاحة والتي لا يهمها من قضية الشّعب سوى جمع الثروات والأمجاد الشّخصية.

موقف الأتراك من التّدخل التّركي في سوريا

كما انقسم السّوريون في تقييم التّدخل العسكري التّركي في سوريا إلى قسمين انقسم الأتراك أيضاً، فبعضهم _وخاصة سكّان اللواء السّليب_ خرجوا بمظاهرات يطالبون فيها بترحيل السّوريين إلى بلادهم متناسين أنّ اللواء ما زال أرضاً سورية فلم تمضِ المُدّة التي سيصبح اللواء بعدها ملكاً للأتراك.. لكنّ الانفصام الحاد في مواقف هؤلاء الذين لا يوافقون الحكومة التّركية في منح الجنسية للسوريين ولا في منحهم حق اللجوء أنّهم موافقون على التّدخل التّركي العسكري في الشّمال السّوري. والبعض الآخر يرى أنّ أبناءهم يذهبون إلى حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل بينما يتمتع الشّباب السّوريون بالسّياحة في تركيا!

في هذا الإطار صرّح وزير الزراعة التركي: “إنّ بلاده يجب ألا تعيد السّوريين إلى بلادهم إن رغبوا بالعودة” وهذا التصريح جاء نتيجة الفرق الذي أحدثه السّوريون في تركيا في مجال الزراعة والثروة الحيوانية خلال السنوات الماضية، وقال الوزير: “إنّهم سيقدمون أكثر لو أتيحت لهم التّسهيلات والسّبل من قبل الدّولة التركية”.

ولم يكتفِ بعض الأتراك بمظاهرات يطالبون فيها بترحيل السوريين وعدم تجنيسهم بل أيضاً خرجوا بمظاهرات في المناطق الحدودية ترفض انضمام الطلاب السوريين للتعلّم في المدارس التركية.. وهذه المظاهرات كانت برعاية أحزاب المعارضة التركية ولا يخفى أنّها طريقة رخيصة للضغط على الحزب الحاكم..

لم يبقَ أحد لم يستغل قضية اللاجئين السوريين حتّى اللاجئين أنفسهم!

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة