مقالات

مستجدات صفقة “الرافال” بين مصر وفرنسا

في الوقت الذي يضيّق فيه عبد الفتاح السيسي الخناق على المواطن المصري باعتماد سياسات التقشف، بذريعة أنّ البلد فقير جدا. نراه يسعى بخُطى حثيثة وجريئة للإنفاق بسخاء على وزارتي الدفاع والداخلية بهدف التّسلّح كاسبا صمت الدّول المُنتجة من جهة، وضامنا المُضيّ في غيّه المحلّي دون محاسبة دُوليّة من جهة أخرى. وما الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى فرنسا إلّا دليل على هذا.

 فقد طار الرّجل إلى هناك منذ أسبوعين ليحسم تفاصيل طلب شحنة جديدة من المنتجات الحربية ويرجع غانِما الصمت الفرنسي، لكن قرارات وزارة الاقتصاد الفرنسية كسرت بخاطره ورفضت طريقة الدفع التي طرحها. وكادت الصفقة تتبخّر، إلّا أنّ الأخبار التي نشرتها الجريدة الاقتصادية “لاتريبيون” الفرنسية مؤخراً أكّدت مُستجدّات “مُطمئنة” لالتزام الجانب المصري بتقديم ضمانات للدفع على مراحل.

عندما مسَّ الرئيس الفرنسي ماكرون بسمعة بلده الحقوقية على غرار سلفه هولاند، واستقبل عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه وسط وابل من النّقد للضيف المثير للجدل، بَانَ الهدف من هذه العلاقة نفعيا، عاريا وغير قابل للتجميل. فـإيمانويل ماكرون محتاج لترجمة نجاعته للفرنسيين، ولا أنجع من الأداء الرّبحي إلّا بإنعاش الخزينة الفرنسية بمواصلة استمالة العميل المصري، الأوّل لطائرات الرافال والذي لم يكتف بضخّ 6.83 مليار دولار بين 2014 و2016 مقابل 24 طائرة رافال بالإضافة إلى قمر صناعي عسكري ومنتجات حربية أخرى بَحرية ضخمة، بل فتح الشهية أيضا لبعض الدول الخليجية للتسوق الحربي من المصانع الفرنسية.

أدفأ سلام مع اسرائيل

 صفقة الـ 24 رافال السابقة التي أوفت الحكومة المصرية بدفع كلفتها العالية أثار استغراب المُزوِّد نفسه. فالصحافة الفرنسية أقرّت حينها بأنّ مصر تعيش أدفأ سلام مع إسرائيل وأبهى تناغم مع السعودية وأنّ الأخطار المحتملة من الحدود الغربية أو الجنوبية لا تستوجب اقتناء تجهيزات مُتطورة وغالية مثل هذه، خصوصا وأن مصر تعيش أزمة اقتصادية خانقة.

وأكّد حينها عديد الصحف أن الصفقة كانت سياسية بامتياز لكسب الدعم الفرنسي الذي لم يتوانى بدوره عن الاستجابة لإتمامها في عهد هولاند قبل انتهاء مدة رئاسته.  وعلى عكس انتقادات إعلام الجهة المُنتجة، تجنّد الإعلام المصري الذي يُمثّل جهة الحريف بالطبع، لتصوير الأمر أنه دليل حكمة فائقة من طرف الحكومة باعتبار “مواجهة الإرهاب” تتصدّر أولوية القرارات (حتى وإن غرق البلد في المجاعة والعطش).

عسكري قاتل

   الصفقة الجديدة لاقتناء 12 طائرة رافال أثارت نفس ردود الفعل، بل وأكثر على الجانبين، ففي الوقت الذي حاصر فيه الإعلام الفرنسي ومنظمات المجتمع المدني الرئيس ماكرون بالتنديد بتعميق التعامل مع “عسكري قاتل” والتشهير بإغفاله الحديث عن مستجدات تفاصيل جريمة الشاب الفرنسي ايريك لانغ المقتول في مصر في بدايات حكم السيسي، فقط من أجل إتمام الصفقة، يواصل الإعلام المصري عزفه على أوتار التّمجيد لقرارات حكومته الرّشيدة.

   وعلى الرغم من موجة التهليل والتعظيم التي أمّنها الإعلام المصري لزيارة السيسي إلى فرنسا، إلّا أنّ الصفقة الجديدة تعثّر إنجازها باعتبار الطرف الفرنسي تفاجأ برغبة السّيسي في تسديد المبلغ على مراحل، وتمّ على إثر ذلك تعطيل كل الصفقات المدنية والعسكرية المتجهة إلى مصر حتى تسوية وضعياتها المالية.

 وقد أرفقت وزارة الاقتصاد الفرنسية هذا التعطيل بتوضيح يفيد أن مصر لا تتوفّر على مؤشرات اقتصاد إيجابية تضمن تسديد المبالغ المطالبة بها. لكن اتصالات بين السيسي وماكرون ووزير خارجيته أرست اتفاقا جديدا يقود إلى تحيين تفاصيل الصفقة مؤخرا. فماكرون حسب جريدة “لا تريبيون” تلقّى تعهّدات رسمية بالدفع من طرف الحكومة المصرية في آجال محددة باعتبارها تراهن على تصاعد معدلات النمو الاقتصادي من جهة، ودخول حقل الغاز “زهر” الذي تم اكتشافه في 2015 مرحلة الإنتاج أواخر هذه السنة، من جهة أخرى. وأن الحكومة لديها المال الكافي لتسديد تعهداتها المالية في هذا المجال باعتبار التسلح يتصدر قائمة أولوياتها.

الريبة

جدير بالذكر أن تهافت الحكومة المصرية على المنتوجات الحربية الفرنسية أثار ريبة كبيرة في الأوساط العالمية. فمصر تسعى إلى تنويع مصادر أسلحتها لكسب أكثر قدر ممكن من الدعم الدولي وتهميش كل أصوات المعارضة والمنظمات الحقوقية التي لا تتوانى في إدانتها بجرائمها الماضية والحالية. إضافة إلى الرغبة في تشديد القبضة الحديدية وترهيب الشعب بالاستمرار في شراء ذمم “الدول الديموقراطية” والقضاء على آمال ضحاياها في تدويل مظالمهم وكسب تعاطف الحكومات الغربية.

وجدير بالذكر أيضا أن نسق التسليح الذي تنتهجه الحكومة المصرية وبسط أذرع الجيش على أغلب القطاعات الحيوية في البلد ينقل مصر إلى خانة الدول العسكرية الخانقة التي تسير على هوى القائد الذي لا يُعصى له أمر. وضع مُخزٍ لم يكن ليحصل لولا الخيانات السياسية المتواترة والتطبيل الإعلامي المتنامي والصمت الشعبي المطبق.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة