السخرية ما بين بندول «السيسي» وبلح «زغلول»

رغم أنها لعبة مصرية قديمة إلا أن لعبة البندول المصرية أثارت لغطاً كبيراً في المجتمع المصري بعد أن عادت إلى ساحة لعب الأطفال مشفوعة باسم ساخر له علاقة برئيس الدولة، وهو ما أدى إلى ردود فعل متباينة ما بين مستحسن ومستهجن ومؤيد ومهاجم للدرجة التي جعلت مدير أمن إحدى المحافظات الكبرى ينظم حمالات أمنية للإغارة على باعة هذه اللعبة وجمعها من الأسواق!!

السخرية من الحكام والحكومات والقوى الباطشة فن مصري قديم احترفه أبناء الشعب المصري، وخاصة عندما يكون في زاوية الضعف والقهر وعدم القدرة على التعبير عن آلامه المعيشية ومعاناته واستخدم فيه كل الفنون المختلفة من شعر وأدب وأمثلة وأزجال، حتى أصبح جزءا من تأريخ الأدب المصري وفلكلور تميزت به الشخصية المصرية.

  • مقارنة

ربما يرى بعض المحافظين أن السخرية المصرية القديمة كانت تخضع لقواعد ومعايير نظم الشعر والأدب، أما سخرية بندول الرئيس هي نوع من التجاوز والانهيار الأخلاقي وقلة الأدب، والحقيقة أن نظرة المحافظين تتعامل مع افتراضية ثبات العوامل والمناخ الاجتماعي والثقافي ولكن لكل زمان مفرداته التي تتسق مع بعضها، فعلى سبيل المثال الفترة التي كان فيها الفلكلور الشعبي يتناول الحاكم الظالم أو الاحتلال بالزجل الرمزي والأشعار مستترة المعنى، كان خطاب المستبد يتعامل بنفس اللغة والمنطق والمحددات الأدبية حتى لو كان مخادعا، على عكس الفترة التي نعيشها والتي يتسم فيها خطاب الحاكم بالركاكة والضعف وأحيانا السوقية، فعلى سبيل المثال جاء في خطاب العرش الذي ألقاه الخديوي إسماعيل عام 1866 م: «وكان والدي عونا له ونصيرا في حياته، فلما آلت إليه الحكومة المصرية اقتفي أثر أبيه في إتمام تلك المساعي الجليلة، بكمال الجد والاجتهاد فلو ساعده عمره لكملها على أحسن نظام، ثم انقلبت أحوال مصر بعدهما إلى أن قدر الله تعالي تسليم زمام إدارة حكومتها إلى يدي، ومن حين تسلمته لهذا الآن رأيتم دوام سعيي واجتهادي في إكمال ما شرعاه من المقاصد الخيرية، بتكثير أسباب العمارية والمدنية، أعانني الله على ذلك، وكثيرا ما كان يخطر ببالي إيجاد مجلس شوري النواب، لأنه من القضايا المسلمة التي لا ينكر نفعها ومزاياها أن يكون الأمر شوري بين الراعي والرعية»، بينما حمل خطاب نظيره الحاكم المصري عام 2016 مفردات تتسق مع أدوات السخرية التي استخدمها الشعب في التعبير عن آلامه ومعاناته ومن هذه المفردات: «أنا بكرر مرة تانية متسمعوش كلام حد غيري… أنا مش بكدب وفاهم وعارف أنا بعمل إيه……لو كل يوم كل مصري يصبح على مصر بجنيه في الشهر سنجمع 300 مليون جنيه…… لسه بدري لممارسة الديمقراطية حافظوا على مصر والتوافق المجتمعي…… خللي بالكو… خللي بالكو، أنا لن أسمح بذلك، محدش يفكر إن طولت بالي وخلقي الحسن معناه إن البلد هتُقع، اللي هيقرب ليها هشيله من فوق وش الأرض، انتوا مين»، وتصل المفردات اللغوية للخطاب الرئاسي إلى قمة ركاكاتها عام 2017: «الفكرة والمعضلة هنا… لو اتحركنا تزعلوا، ولما تزعلوا تتحركوا فلما تتحركوا تلخبطوا… فلما تلخبطوا تهدوا البلد… ولو ما اتحركناش هنفضل عاجزين وتحسوا بالعجز والقلة فتتحركوا وتهدوا البلد… يعنى في جميع الحالات متتحركش».

  • السخرية من الحاكم زمان

في القرن العاشر الميلادي ضاق المصريون بتصرفات السلطان كافور فتناوله المتنبي بقصيدة لم يذكر اسمه فيها من أبياتها:

(أكلما اغتال عبد السوء سيده/ أو خانه فله في مصر تمجيد

صار الخصي إمام الآبقين بها/ فالحر مستعبد والعبد معبود

نامت نواطير مصر عن ثعالبها/ فقد بَشَمْنَ وما تغني العناقيد

لا تشترِ العبد إلا والعصا معه/ إن العبيد لأنجاس مناكيد)

 والبَشَمْنَ هي التخمة المؤدية للموت.

وفي عام 1872 م كتب مصطفي لطفي المنفلوطي يهجو الخديوى سعيد قال فيه مستخدما أدوات البلاغة من كناية وطباق قائلا:

قدوم ولكن لا أقول سعيدُ وملك وإن طال المدى سيبيد

فلما توليتم طغيتم وهكذا بحار الندى تطغي ونحن ورود.

  • زغلول

وفي 8 مارس (آذار) 1919 نفت سلطات الاحتلال الإنجليزي سعد زغلول لجزيرة مالطة وصدرت الأوامر بعدم ذكر اسم سعد زغلول في الصحف، فقام بديع خيري بتأليف قصيدة عامية رمزية عبر فيها عن تضامن الشعب مع سعد زغلول وفيها تحريض ضمني على الثورة ولحنها سيد درويش وغنتها نعيمة المصرية وانتشرت الأغنية بسرعة كبيرة جدا في كل أنحاء القطر المصري، ولم تنجح كل وسائل الحظر والقهر في منع المصريين من ذكر زعيمهم والالتفاف حوله حتى وهو في منفاه… تقول كلمات الأغنية:

«يابلح زغلول… ياحليوه يابلح

يابلح زغلول

يا زرع بلدي عليك يا وعدي… يا بخت سعدي زغلول يا بلح

عليك أنادي في كل وادي… قصدي ومرادي زغلول يا بلح

الله أكبر عليك يا سكر… يا جابر أجبر عليك يا بلح

ما عنـتـش ابكي وفـيه مدير… مين بس ينكر زغلول يا بلح

يا روح بلادك ليه طال بعادك… تعا صون بلادك زغلول يا بلح

سعد وقاللي ربي نصرني… وراجع لوطني زغلول يا بلح، يا بلح زغلول»

وفي عام 1920 قدم عزيز عيد على مسرح «الريحاني» مسرحية «العشرة الطيبة» التي ألفها بديع خيري ولحن أغانيها سيد درويش وكانت مسرحية تنحاز للفلاح المصري وتسخر من الأرستقراطية التركية التي كانت سائدة في ذلك الوقت ومن كلمات أغانيها: «عشان مانعلا ونعلا ونعلا لازم نطاطي نطاطي نطاطي. عشأن مانعلا ونعلا…. الرك على حبة بولوتيكه وذمة كاوتشوك خربانه…. أول شرط نطاطي البصله لسيدنا الوالي ونستعبط له».

وفي فترة الحرب العالمية الثانية حيث كانت مصر تحت الأحكام العرفية والهيمنة الاستعمارية التي فرضها الاستعمار الإنجليزي، وكان المصريون يكرهون الإنجليز ويخافون من البطش فلجأوا إلى أغنية محلية يغنيها الأطفال في الشوارع تقول: «يا عزيز يا عزيز كوبة تاخد الإنجليز» واعتمدوا على أن العسكر البريطانيين لن يفهموا معنى هذه الكلمات المغرقة في المحلية، وكان المقصود الضابط عزيز المصري الذي عُرف بعدائه للإنجليز واستعانته بالألمان في مواجهة الإنجليز، والكوبة من الكآبة وترمز للمصيبة.

وفي عام 1955م كانت حرية التعبير مقيدة إلى حد كبير بفعل القمع المبالغ فيه ضد المعارضين والمستند على الالتفاف الجماهيري حول ثورة وليدة وعدت بالكرامة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، إلا أن الشاعر هاشم الرفاعي كتب قصيدة عنوانها «جلاد الكنانة» كانت ضمن قصائد عشر في جراح مصر جاء فيها:

«أنزل بهذا الشعب كل هوان وأعِدْ عهود الرق للأذهان

وأقتل به ما أستطعت أي كرامة وافرض عليه شريعة القرصان

أطلق زبانية الجحيم عليه من بوليسك الحربي والأعوان

وأصنع به ما شئت غير محاسب فالقيد لم يخلق لغير جبان.

الحقيقة أن كل السلطات الباطشة ضاقت بالسخرية منها فسجن الخديوي «المنفلوطي»، وطاردت السلطات سيد درويش وداهمت الشرطة مسرح الريحاني ومنعت عرض العشرة الطيبة، ولكن لم تستطع السلطات في أي وقت مطاردة الشعب الذي كان يتغنى بهذه الكلمات في الشوارع ويتناقلها من دون وسائل إعلام، لم يحدث هذا إلا في عهد نظام السيسي الذي طارد باعة لعبة بندول الرئيس في الشوارع والأطفال الذين يلعبون ببندول السيسي، هو فرق بين نظم كان يحكمها المنطق حتى في بطشها ونظم تحكمها عقلية القمع العسكري.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة