العنف الثوري والعنف التآمري

البقاء لله في ضحايا حادث الواحات الإرهابي، والبقاء لله في ضحايا الحوادث السابقة وهي كثر. البقاء لله في كل الضحايا مدنيين وعسكريين، البقاء لله وغفر الله لهم جميعاً، فهم جميعاً ضحايا حكم غاشم فاسد أحمق يحيا على دماء وأرواح المحكومين.

 لحادث الواحات المؤسف خصوصية، حيث استدرج المسلحون رجال الشرطة إلى ساحة صحراوية بعيدة مترامية الأطراف، وأبعدوهم تماما عن أي تجمعات بشرية، وانهالوا عليهم قتلا بخطة عسكرية منظمة ومدروسة، وكأنهم في ساحة قتال وحرب نظامية، بل إنهم اتبعوا منطقاً، بصرف النظر عن إنسانيته في التعامل مع الأسرى من رجال الشرطة الذين وقعوا في قبضتهم بسهولة، فقتلوا الضباط وأصابوا الجنود إصابات تعجيزية، واقتادوا ضابط أمن وطني أسيراً ليستفيدوا من معلوماته… فهل كانت عملية الواحات عملية إرهابية، أم أقرب للمواجهة العسكرية النظامية المخططة؟

حرب تحرير أم عملية مسلحة؟

 ما هو الإرهاب؟ الإرهاب كما عرفته المحكمة الجنائية الدولية هو استخدام غير شرعي ولا مبرَّر للقوة ضد المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية، وفي عملية الواحات حرص المسلحون على عدم التعرض للمدنيين أو ممارسة أي ضغوط إرهابية على المدنيين، لهذا فهي ليست عملية تنتمي لجماعات إرهابية، وكان حرص المسلحين على القيام بمواجهة مسلحة مع قوات شرطة مدججة بالسلاح في معركة عسكرية متكاملة الأركان، وطبقاً لخطة عسكرية مدروسة بعناية، وهو ما يعني أن وراء هذه العملية قوى عسكرية مدربة على أعلى مستوى تقوم بعمليات متقنة داخل البلاد وليس على الحدود، وتحت راية نفس البلد… فهل كانت عملية الواحات شكلا من أشكال حرب التحرير الشعبية؟

 أستبعد أن تكون حرب تحرير شعبية، والتي هي حرب طويلة الأمد تعتمد على الدعم الشعبي للعناصر العسكرية واندماج القوات العسكرية بين الفئات الشعبية المساندة لها، وغالبا ما تكون ضد عدو خارجي أو انعكاس لثورة طبقية متبلورة لها أشكالها المتكاملة ضد نظام استبدادي في طريقه للزوال مثل الثورة البلشفية عام1917، وهذا ليس الحال في مصر. فهل هي عملية عسكرية خارجية لجيوش مدربة اخترقت الحدود وقتلت الجنود؟

 ربما…… ولكنها لا بد أن تعتمد على عناصر محلية تحمل قناعة وإيمان بما تقوم به من عمليات عسكرية شديدة الخطورة، وتعرض نفسها لمخاطر شديدة، فاختراق الحدود بجيوش نظامية بمعداتها أمر صعب وربما مستحيل. وللابتعاد عن مواطن الحيرة والارتباك فإنه من المؤكد أنها عملية مسلحة اعتمدت على عناصر محلية مدربة على أعلى مستوى التدريب ومنظمة للدرجة التي جعلتها تنجح في استدراج هذه القوات إلى كمين محكم! المشكلة التي تربك الشعوب أن المواجهات الدعائية والرسمية لكل أعمال العنف وضعتها كلها في سلة واحدة تحت مسمي الإرهاب، وهو مسمي بطبيعته يترك انطباعا سيئا لدى المستمع له، ويجعله يقف في مواجهة الظاهرة دون تحليل أسبابها، ودوافعها، للوصول إلى أنسب وسيلة للقضاء عليها أو لتجنب حدوثها. الحكومات المستبدة والدول لا تواجه ظاهرة الإرهاب بنية القضاء عليها أو تجنب حدوثها بقدر ما تتعامل مع الإرهاب على أنه ذريعة تبرر الحكم الاستثنائي الذي غالباً ما يحمل داخله مظاهر استبداد وفساد وانحراف وربما احتكارات عالمية، فإرباك المجتمع أو حتى العالم يجعله مؤهلا لقبول أي صيغة تهيمن وتسيطر عليه، وترويع العالم من مشاهد الإرهاب أحيانا لا يكون دعاية ضد الإرهاب، بقدر ما يكون مبررا لقبول الدواء المر الممزوج به الهيمنة والسيطرة البعيدة عن مفاهيم الديمقراطية والمساواة والعدالة تحت مسمى المرحلة الاستثنائية، والتي غالبا لا تنتهي لعدم انتهاء مظاهر الإرهاب وأسبابه التي ربما تكون مزروعة في المجتمعات عن عمد.

حرب الضعفاء

 الأمر يبدو في ظاهره معقدا رغم أنه شديد البساطة فهو انعكاس لعلاقة واضحة بين أقلية تستغل أغلبية، ولا بد أن تمتلك الأقلية المبررات والذرائع المنطقية التي تهيمن بها على الأغلبية. رئيس الوزراء الماليزي السابق والمشهور مهاتير محمد قال عن الإرهاب إنه حرب الضعفاء ضد الأقوياء رداً على أنواع القهر التي يذيقها القوي للضعيف، وقد يتصور البعض أن الرجل يدعم الإرهاب أو يبرر له، ولكن بالتركيز في معاني الكلمات نجد أن الرجل أراد توضيح أن الإرهاب نتيجة طبيعية ومنطقية لقهر القوي للضعيف، وأن تجنب الإرهاب يبدأ بتطبيق العدالة والمساواة. وهناك من يرى أن الإرهاب ليس مرضا يصاب به المقهورون فقط، وإنما هو أيضا ينال من الأقوياء بغشمهم وهو ما يجعله إرهابا متبادلا، يقول المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي في مواجهة عمليات قتل المدنيين بحجة مواجهة الإرهاب: “القتل الغاشم للمدنيين الأبرياء هو إرهاب، وليس حربا على الإرهاب”. ومن المقولات المشهورة للمفكر المصري الراحل فرج فودة: “انطلاق الكلاشينكوف دليل على عجز الحروف، وصوت الطلقات تعبير عن قصور الكلمات»، و«يوجد ثلاثة سبل لمواجهة الإرهاب وهي: التعليم ومواجهة المشكلة الاقتصادية والوحدة الوطنية”.. عجز الحروف وقصور الكلمات نتيجة انعدام الحريات وانهيار الديمقراطية، ومن رؤية فرج فودة أنهما من الأسباب الرئيسية للجوء للعنف المسلح، وأضاف الراحل لهذه الأسباب: الجهل والفقر وما ينتج عنهما من فتن طائفية.

 هذه هي الأدوات التي يراها فرج فودة لمواجهة العنف، وهي أمر ليس بالسهل على الحكومات والنظم الفاشية التي لا يمكن أن تتنازل عن سياستها الديكتاتورية والمستغلة في سبيل تحقيق توازن مجتمعي يقوم على الحرية والرخاء والعدالة الاجتماعية، ومن ثم فإن أول لبنة للعنف في المجتمع تضعها الحكومات الفاشية والفاسدة والمستغلة. وإذا كانت بعض التفسيرات تتجه نحو المؤامرة الخارجية، فكل دول العالم ومنها مصر، دائما لها أعداء خارج الحدود وهذا أمر طبيعي، إلا أن الأمر يتعلق بقوة الجبهة الداخلية والاستقرار الاقتصادي، ففي البلدان المنهارة اقتصاديا يسهل التدخل الخارجي في أمورها ويسهل السيطرة على شبابها المُحبط ويسهل تصدير الإرهاب والعنف لها، إذا فالأمر يعود مرة أخرى إلى الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. طالما أننا ندرك أن الأنظمة الفاشية لن تتنازل عن مصالح طبقاتها التي تقوم في الأساس على استغلال غالبية طبقات الشعب، وهو ما سيؤدى إلى عنف مجتمعي شديد ربما يأكل الأخضر واليابس، فلا بد من القضاء على النظم الفاشية، والتي لن تزول إلا بالعنف المنظم الموجه لإحداث ثورة شعبية تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية، وهنا لن تكون المواجهة العنيفة ضد الأبرياء أو المدنيين أو تستهدف الفوضى، وإنما ستكون ضد الفاشية وضد من سيقف في مواجهة مصالح الأغلبية وضد القتلة والسفاحين والسجانة والنخاسين، ووقتها لن يستطيع أحد أن يقول إرهاباً، ولكنها ثورة في مواجهة القهر والظلم، وسيكون كل شخص من حقه الانضمام إلى معسكر من الاثنين ليتحمل تبعة اختياره، ووقتها سينكشف الفرق بين العنف الثوري الذي تنظمه الشعوب، والعنف التآمري الذي تحدثه الحكومات الفاشية من أجل الاستمرار في استغلال الشعوب ومص دمائها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة