السيسي والسجون..”مع الكداب لحد الباب”

على هامش زيارته الحالية إلى فرنسا زعم المشير عبد الفتاح السيسي في حوار مع قناة فرانس 24 عدم وجود أي معتقل سياسي في مصر، مدعيا وجود إجراءات تقاضٍ عادلة يتم من خلالها مراعاة كافة الإجراءات القانونية طبقا للقانون المصري، ولكن النقطة المهمة في الحوار هي إعلان السيسي استعداده “لزيارة أصدقائنا لكي يشاهدوا السجون المصرية ويقابلوا النائب العام ويسمعوا منه كل الإجراءات التي يتم اتخاذها”. المؤكد أن السيسي يكذب ويتجمل معا، فالعالم كله يعرف أن هناك أكثر من 60 ألف معتقل وسجين سياسي في مصر، والعالم كله يعلم أن المحاكمات التي تتم هي محاكمات هزلية لا تتمتع بالحد الأدنى لقواعد العدالة والنزاهة، والعالم كله يعلم أن نظام السيسي رفض ملاحظات وتوصيات المنظمات الدولية حول فظائع حكمه، ومع ذلك يدعي السيسي أنه مستعد لاستقبال من يريد مشاهدة السجون المصرية ومقابلة النائب العام، حسنا “خليك مع الكداب لحد الباب” كما يقول المثل المصري.

المضطر

السيسي اضطر لتقديم هذه الدعوة ” من تحت الضرس” بالتعبير المصري، كـ “انحنائة” خفيفة منه في مواجهة عاصفة نقدية للمنظمات الحقوقية الكبرى التي طالبت الرئيس الفرنسي ماكرون بمناقشة الانتهاكات الحقوقية في مصر خلال مباحثاته مع السيسي، ولكنه (ماكرون) انحاز للمصالح التي منحته صفقات “مليارية” من السيسي على حساب المبادئ التي تدعو إليها فرنسا وعلى رأسها الدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا الأمر لم يكن مفاجئا لمناهضي السيسي حتى وإن بدا صادما لدعاة الحريات في فرنسا خاصة وأوربا عامة.

إذن لتختبر المنظمات الحقوقية المصرية والدولية هذا الوعد السيساوي (الهش)، ولتتحرك لتشكيل وفد منها لتفقد السجون المصرية ولتبدأ من سجن العقرب شديد الحراسة الذي وصفت “هيومان رايتس ووتش” الأوضاع فيه بـ”حياة القبور” في تقريرها المعنون بهذا الاسم في 27 سبتمبر/أيلول 2016، والذي دعت فيه الحكومة المصرية للسماح لمراقبين دوليين بزيارة سجن العقرب، وتشكيل لجنة وطنية مستقلة من أطباء ومحامين حقوقيين ومنظمات حقوقية مستقلة وقضاة وأعضاء نيابة حاليين وسابقين وآخرين، ومنحها سلطة وولاية إجراء زيارات غير معلنة للسجون، ومقابلة السجناء على انفراد، وتقديم البلاغات بالشكاوى لنيابة خاصة، وتحضير تشريع لتحسين الأوضاع في السجون. كما دعت السلطات المصرية لتوجيه الدعوة “اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” لزيارة مصر لتقييم الوضع الحقوقي فيها، والسماح لها بزيارة سجن العقرب وغيره من منشآت الاحتجاز الأخرى. وبالمناسبة كانت تلك أيضا توصية فريق الاتحاد الأفريقي رفيع المستوى الخاص بمصر في تقريره النهائي لسنة 2014، (بالأمس فقط أصدرت هيئة المفوضين بمجلس الدولة المصري تقريرا أوصت فيه بقبول دعوى قضائية تطالب بإغلاق سجن العقرب رفعها قبل سنتين المحامي الحقوقي محمد صادق المعتقل الآن في السجن ذاته).

التعذيب

وحسنا فعلت منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية والفيدرالية الدولية ومراسلون بلا حدود بدعوتها الحكومة الفرنسية أن تكون حقوق الإنسان مسألة مركزية في علاقتها مع مصر. ومطالبتها بالتوقف عن تجاهل الانتهاكات الخطيرة، بما فيها استخدام أجهزة الأمن المصرية التعذيب على نطاق واسع ومنهجي، والذي من المحتمل – حسب تلك المنظمات- أن يشكل جريمة ضد الإنسانية، وليت المنظمات الحقوقية المصرية المحترمة تبادر بتشكيل فريق عمل للتواصل مع المنظمات الدولية لحثها على المسارعة بتشكيل هذا الوفد وتقديم الدعم الفني اللازم له.

ليس من المتوقع على الإطلاق أن يقبل السيسي أي تفتيش دولي على السجون، ليقدم مزيدا من الأدلة على جرائمه بحق المصريين عامة والسجناء خاصة، ولكن مجرد التحرك لتشكيل مثل هذا الوفد سيمثل حرجا للسيسي حتى إذا لم يتمكن من الوصول إلى مصر، وقد يوعز نظام السيسي لبعض “أصدقائه” كما قال في الحديث لتشكيل وفد من منظمات حقوقية أسستها الإمارات في الخارج ليقوموا بدور المحلل، كما فعل وفد المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان في زياراته السابقة لسجن العقرب والتي نفت وجود أي معاملة غير آدمية بل أظهرت معيشة فندقية للسجناء في استدعاء كامل مشاهد فيلم البريء.

فكرة الوفود الدولية للتفتيش على السجون ومتابعة أحوال السجناء ليست جديدة ولا غريبة، ولا تمثل أي انتهاك للسيادة الوطنية كما يدعي الطغاة الذين يريدون ممارسة طغيانهم بعيدا عن أي رقابة محلية أو دولية، فقد شكل الصليب الأحمر وفودا من قبل لزيارة السجون اليمنية سواء قبل ثورتها أو بعد الثورة، ومن ذلك الوفد الذي زار سجن المنصورة المركزي في عدن يوم 2 أغسطس/آب الماضي، والذي ضم أيضا أعضاء من المجلس التنسيقي لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية، كما قامت بعثة دولية في مارس/آذار من العام الماضي بزيارة لمدن جنوب المغرب ومناطق الصحراء لمتابعة أوضاع معتقلي أكديم إيزيك الخاضعين لأحكام عسكرية طويلة المدى، والسعي لوقف ممارسات التعذيب التي يتعرض لها السجناء، كما زار وفد من اللجنة الدولية للصليب الأحمر  منتصف العام 2012سجن يور أو برانس وهو أكبر سجن في هايتي، وساهمت في تحسين التغذية للسجناء من خلال تجديد مطابخ السجن.

المطالبة أو التحرك نحو تحسين أوضاع السجناء هي مجرد خطوة صغيرة على طريق طويل يبدأ بإطلاق سراح هؤلاء السجناء، ورد الاعتبار لهم وتعويضهم، وعودتهم لممارسة عملهم السياسي والبرلماني، ولن يكون ذلك إلا بالخلاص التام من نظام عبد الفتاح السيسي واستعادة المسار الديمقراطي كاملا.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة