د. أحمد غانم يكتب: المشهد المزيف ما يراه الناس في الإعلام

دربت المباحث الفيدرالية ” إيلي أسعد ” المسيحي الكاثوليكي على تقمص شخصية الأمير “محمد اللبناني” المبعوث الشخصي لأسامة بن لادن وكان عليه أن يصلي جماعة في المسجد. يتبع

د. أحمد غانم*

واشنطن – مايو 2006
اامتلأت القاعة المخصصة للتصريحات الصحفية بوزارة العدل الأمريكية بعشرات الصحفيين والمراسلين من كل أنحاء العالم. كانت أنظار الجميع متعلقة بباب القاعة الذي سيدخل منه السيد (ألبرتو جونزالز) المدعي العام الأمريكي ليعلن عن خبر عاجل وهام دعيت له كل وكالات الأنباء على وجه السرعة.

وقف “جونزالز” وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة النصر وبدأ يعلن الخبر الذي سيصبح حديث الشعب الأمريكي لأسابيع طويلة قائلا: ” لقد استطاعت الأجهزة الأمنية منع حدوث (حرب شاملة) كانت موجهة ضد الشعب الأمريكي .. لقد منعنا حدوث مجزرة بشعة كان ستقضي على حياة آلاف الأمريكيين وتفجر معالم أمريكية هامة”.

ومضى السيد “جونزالز” فى وصف ما كان يعتبره هجوما إرهابيا ربما أسوأ من هجمات 11 سبتمبر الشهيرة، وكيف أن وزارة العدل استطاعت أن تقبض على خلية إرهابية لـ (تنظيم القاعدة) نمت على التراب الأمريكي فى مدينة ميامي بفلوريدا وخطط أتباعها الذين أقسموا على الولاء لأسامة بن لادن على توجيه ضربة موجعة لأمريكا.

كانت نتائج استطلاعات الرأي الدورية تكشف مدى تدهور شعبية الإدارة الامريكية ومدى حنق الشعب الأمريكي على الرئيس جورج بوش الابن نتيجة الخسائر الفادحة في حرب العراق والارتفاع الجنوني في أسعار وقود السيارات ، ولذا كان خبر الكشف عن هذا التنظيم الإرهابي بمثابة طوق نجاة سياسي لإدارة لم تعد تجد مبررا تبرر به حرب العراق بعد انكشاف كل الأكاذيب التي ساقها بوش لإقناع الشعب بعدالة الحرب.

صفق الجميع للمدعي العام وعاد نجم بوش للصعود مرة أخرى كون إدارته أفلحت في حماية آلاف الأرواح الأمريكية، وامتلأ الإعلام بتفاصيل قضية “تنظيم القاعدة فى ميامي” و بمشاعر الكره والضيق من هؤلاء “المسلمين” الإرهابيين الأشرار الذين لا هم لهم إلا التخطيط لقتل الأبرياء وتدمير الحضارات.

وعاد صقور المحافظين الجدد وأبواقهم الإعلامية يحذرون الشعب الأمريكي من خطر الإسلام “الفاشي” وكيف أن أمريكا إن لم تكن تحارب في العراق الآن لكان هناك مئات الإرهابيين يفجرون أنفسهم في شوارع أمريكا على غرار “تنظيم القاعدة في ميامي”.
ولكي نفهم أبعاد قضية “تنظيم القاعدة فى ميامي” كان يجب علينا تتبع خطوات الشخصية المحورية فى القضية وهي شخصية أمير التنظيم :الشيخ محمد اللبناني.

ميامي- فلوريدا – ابريل 2001
ظهور الأمير “محمد اللبناني” المبعوث الشخصي لأسامة بن لادن:

كان الإمام “شكري جمعة” إمام المسجد الصغير الواقع على أطراف مدينة ميامي الأمريكية يعطى خاطرته المعتادة بعد صلاة المغرب والتي لا يحضرها إلا حفنة من المصلين، وقد لاحظ الشيخ أن هناك شخصا غريبا يحضر للمسجد لأول مرة.

وبعد انتهاء الدرس قام الإمام لتحية الغريب الذي عرف نفسه بلهجته اللبنانية أنه “محمد اللبناني”.. رجل أعمال مهاجر جاء لأمريكا من أجل التجارة، ولكنه قرر أن يستقر فيها ويبنى تجارته من ميامي.

واظب “محمد اللبناني” على الصلاة بالمسجد حتى أطلق المصلين عليه لقب “الشيخ محمد” وأدى ذلك إلى توطد العلاقة بينه وبين الإمام “شكري جمعة ” حتى أن الإمام ” شكري جمعة ” حث ابنه ” عدنان ” أن يقتدي بالشيخ “محمد اللبناني” فهو شاب متدين وتاجر ناجح.

بدأت الصداقة تنشأ بين “عدنان شكري جمعة ” و”محمد اللبناني” وتعددت لقاءاتهما في المسجد الصغير، وامتدت أحاديثهما لتشمل كل شيء من السياسة إلى الدين حتى اعترف “محمد اللبناني” لـ “عدنان” بـ(حقيقته) التي يخفيها عن الجميع وهى أنه ليس تاجرا كما أفهم المصلين في المسجد؛ ولكنه “مبعوثا شخصيا” للشيخ أسامة بن لادن الذي أرسله لأمريكا لتخطيط عمل يهز أمريكا ويحتاج إلى شباب مسلم متحمس يبتغى الشهادة والموت في سبيل الله”.

وفى أحد الأيام قام “عدنان” بتقديم صديقه المصري “محمد عطا” الذي كان يدرس الطيران في فلوريدا إلى الشيخ “محمد اللبناني” حيث أراد “عدنان” أن يصبح الثلاثة أصدقاء وأخوة في الله.
وبعد مقابلة “محمد عطا” استقل الشيخ “محمد اللبنانى” سيارته وهرع إلى مبنى المباحث الفيدرالية في ميامي! فالشيخ “محمد اللبناني” ما هو إلا “إيلي أسعد ” العميل السري للمباحث الفيدرالية!

و” إيلي أسعد ” أو الشيخ “محمد اللبناني” هو مسيحي كاثوليكي مهاجر من لبنان بدأ العمل مع المباحث الفيدرالية منذ عام 1996، وقد ساهمت لكنته اللبنانية وشكله العربي في تشجيع المباحث الفيدرالية على محاولة عمل خلية لتنظيم القاعدة في أمريكا لاجتذاب أصحاب الفكر الجهادي، واختراق أي تنظيمات قد تكون موجودة بالفعل .

دربت المباحث الفيدرالية ” إيلي أسعد ” المسيحي الكاثوليكي على تقمص شخصية الأمير “محمد اللبناني” المبعوث الشخصي لأسامة بن لادن وكان عليه أن يصلي جماعة في المسجد، وأن يحفظ آيات من القران وأحاديث جهادية ووصل به الأمر إلى حد إعطاء بعض الدروس الدينية والخطب في بعض مساجد ميامي!

اجتمع ” إيلي أسعد ” أو “محمد اللبناني” بالمسئولين في مكتب المباحث الفيدرالية وأبلغهم عن شكوكه في “عدنان شكري جمعة ” و”محمد عطا”، وأنه يعتقد أنهم ينون عمل (شيء ما)، وأنه يمكنه أن يخترقهم نظرا للصداقة بينه وبين وعدنان ووالده إمام المسجد. وأن عدنان دعاه لـ(شرب الشاي) معه ووالده غداً.

فوجئ “أسعد إيلي” بأمر رؤسائه له بترك “عدنان شكري جمعة ” و”محمد عطا” والتركيز على مجموعة أخرى يريدون أن يخترقوها.

وكانت هذه آخر مره يرى فيها ” إيلي أسعد” أيا من “عدنان شكري جمعة ” أو “محمد عطا” قبل أن يري صورة “محمد عطا” على شاشات التلفاز معلنة أن “محمد عطا” المصري هو قائد هجمات 11 سبتمبر.

أما “عدنان شكري جمعة” فقد هرب من أمريكا ولا أحد يعرف حتى الآن أين يختبئ وترصد المباحث الفيدرالية مبلغ 5 ملايين دولار لمن يدل على مكانه!

وقد أعلن ” إيلي أسعد ” فى مقابلة صحفية له مع قناة أي بي سي أنه في يوم 11 سبتمبر 2001 كاد أن ينفجر عقله غضبا و حنقا على رؤسائه الذين أمروه بترك “محمد عطا” و”عدنان شكري جمعة ” والتركيز على قضيه أخرى. وفى اعتقاده الشخصي أنه كان يمكن أمريكا تجنب هجمات سبتمبر لو أخذت المباحث الفيدرالية برأيه وركزت على “محمد عطا”.

واعتبرت جماعات نظرية المؤامرة في أمريكا أن شهادة العميل “إيلي أسعد ” دليلاً جديدا ومهما على أن هناك جهات معينه داخل الحكومة الأمريكية كانت تعلم بخطط هجمات سبتمبر، وسمحت لها بالحدوث للتمهيد لتغيرات شامله في سياسة أمريكا الخارجية والداخلية.
ولسنا هنا بصدد مناقشة نظرية المؤامرة هنا؛ ولكن ما يهمنا هو ما أثبت في أدلة مادية قاطعة قدمت للمحكمة الفيدرالية بميامي من مكتب المدعي العام الأمريكي مدعما بتسجيلات فيديو لدور ” إيلي أسعد ” فيما يسمي بقضية (تنظيم القاعدة بميامي) أو (سبعة ميامي).
وهذه الأدلة موجودة في أرشيف المحكمة الفيدرالية بميامي ويتيح قانون “حرية المعلومات” لأي مواطن أمريكي أن يحصل على نسخه من كل شرائط الفيديو والتحقيقات والوثائق من أرشيف المحكمة في مقابل رسوم النسخ كونها ملكا للشعب.

ليلة تنظيم القاعدة بميامي
وقضية تنظيم القاعدة بميامي والتي أعلن عن القبض على أعضائها المدعي العام الأمريكي “ألبرتو جونزالز” في مؤتمر صحفي موسع فيما أريد له أن يظهر كانتصار عظيم لإدارة بوش على الإرهاب كان “لإيلي اسعد” أو الشيخ “محمد اللبناني” دور البطولة فيها.

فبعد سنوات من أحداث سبتمبر كان الأمير “محمد اللبناني” مازال يمارس أنشطته في مساجد ميامي محاولاً تجنيد شباب مسلم للانضمام لتنظيم القاعدة، واستطاع بالفعل تجنيد عشرات الشباب على مدى سنوات ومنها نجاحه في تجنيد سبعة شباب من الأمريكيين السود الفقراء الذين كانوا يعيشون في مخزن مهجور لعدم قدرتهم على دفع إيجار شقه والذين قاموا بإعطاء البيعة لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة على يديه.

أمر الأمير “محمد اللبناني” خليته الجديدة بالقيام بتصوير المباني التي سيتم تفجيرها ورسم خرائط لها بما فيها برج (سيرس) الشهير في شيكاغو والذي يعتبر رمزا أمريكيا مهما له مكانته في قلوب الأمريكيين مثل برج القاهرة في مصر. وأعطي الأمير محمد أعضاء خليته آلاف الدولارات لشراء سيارات و معدات تصوير وتجهيزات للعملية وأفهمهم أن هذه الأموال قادمة من الشيخ بن لادن شخصيا وأنه يبارك خطاهم ويدعوا لهم.

وبعد عمل كل الإعدادات للعملية الكبرى أعلن “الأمير محمد” لأتباعه السبعة أن غدا سيكون اليوم المشهود وعليهم أن يأخذوا قسطا من الراحة أما هو فسيذهب إلى بيته ليقوم الليل داعيا الله بالتوفيق للمجاهدين!

عاد الأتباع السبعة إلى وكرهم بعد أن ودعوا أميرهم ومرشدهم الروحي ليجدوا القوات الخاصة في انتظارهم ليتم القبض عليهم دون أن تطلق رصاصة واحده. وليبدأ الـ(شو) الإعلامي، و تبدأ محاكمة السبعة؛
ولكن القضية التي أريد لها أن تكون نصراً سياسياً مدويا لإدارة الرئيس بوش تحولت لتصبح كابوسا يطارد المدعي العام “ألبرتو جونزالز” وكل من عمل بهذه القضية.

فلقد ظن مسؤولو وزارة العدل أن الأدلة التي قدمت للمحكمة كفيلة بإنهاء القضية، وتفرغوا لتقبل التهاني وبناء مجدهم السياسي في مقابلات تليفزيونية لا تنتهي يظهرون فيها بمظهر الأبطال.
واختفى الأمير “محمد اللبناني” تماما من الصورة في فترة كمون ليعود بعدها لينشئ خلايا أخري للقاعدة في أماكن أخري؛ إلا أن الجميع فوجئ بالمحكمة تبرئ الشبان السبعة لأن هيئة المحلفين والذين يختارون عشوائيا من الشعب ليقرروا إذا كان المتهم برئ أم مذنب لم يقتنعوا بالأدلة المقدمة من المدعي العام الأمريكي.

أعاد المدعي العام محاكمة الشبان السبعة مرة أخري؛ ولكنه مني بهزيمة ثانية بعد أن انبرى فريق من أشهر محامي حقوق الإنسان في أمريكا للدفاع عن المتهمين معتبرين أن القضية سياسية وإعلامية، وأن المتهمين مجموعة من الشباب الفقير الذين غرر بهم.
ولم يعد أمام المدعي العام الأمريكي إلا أن يحرق جميع الأوراق بمن فيهم الأمير “محمد اللبناني” في محاولة ثالثة للحصول على إدانة تحفظ ماء وجه الإدارة الأمريكية والمكاسب السياسية والإعلامية من هذه القضية فتم تقديم جميع الأشرطة والأدلة كما أجبر الأمير “محمد اللبناني” أو العميل “إيلي أسعد” أن يواجه المتهمين أمام المحلفين لإثبات الإدانة.

قضية تنظيم “جبل رشمور”:
ولم تكن خلية ميامي هى الخلية الوحيدة التي أنشأها الأمير “محمد اللبناني”؛ ولكنه ساهم أيضا في تجنيد الكثير من الشباب لتنظيم القاعدة قبل عملية “خلية ميامي” وأشهرها قضية “جبل رشمور” وبطلها الشاب الأمريكي “عمران مندي” الذى لم يتجاوز عمره 18 عاما .

كان هناك “أمير عميل” آخر اسمه “سيف الله” وهو رجل أمريكي أبيض واسمه الحقيقي “جلبرت هاورد” مسيحي بروتستانتي يعمل لصالح المباحث الفيدرالية وقد تعرف “سيف الله” على “عمران” من دورة تعليمية إسلامية كان “سيف الله” و”عمران” يحضرانها سويا. وأعجب “عمران” بشدة تدين “سيف الله” وغيرته على أحوال المسلمين وحواراته النارية مع الإمام عن وجوب عدم سكوت المسلمين على جرائم أمريكا.

أقنع “سيف الله” الشاب الصغير “عمران” أنه كان جنديا سابقا في المارينز وأعلن إسلامه ويريد أن يلحق بـ”كفار أمريكا” ضربة مزلزلة. وأنه تعرف على الأمير “محمد” المبعوث الشخصي لأسامة بن لادن ويريد أن يعرف “عمران” عليه.

وعلى الفور أحضر الشاب الصغير المتحمس للجهاد والشهادة “عمران” صديقا له يشاركه نفس أفكاره وأخذهم الأمير “سيف الله” لمقابلة الأمير “محمد اللبناني” الذي جندهم وأخذ منهم البيعة لتنظيم القاعدة. وأمرهم بعمل قائمة بأهم الأهداف التي يجب تفجيرها في أمريكا وسيقوم الأمير “محمد اللبناني” بتجهيز الأسلحة والمتفجرات لـ”عمران” وصديقه للقيام بالعملية الانتحارية.

واختار “عمران” جبل رشمور” الشهير لما يمثله من مكانه تاريخيه للشعب الأمريكي فقد نحت الجبل ليؤرخ للمائة وخمسين عاما الأولى من تاريخ الأمة الأمريكية، وهو تحفة فنيه وفيه تماثيل عملاقه لأهم رموز وشخصيات أمريكا التاريخية. وتفاصيل القضية موثقة بسجلات الدائرة 11 من دوائر المحكمة الفيدرالية جلسة يوم 2 يونيو 2004.

وقد تم القبض على “عمران” ليحكم عليه بالسجن 12 عاما. والفيديو الملحق هو دليل إدانة في القضية ويمكن الحصول عليه من أرشيف المحكمة الفيدرالية الدائرة 11 تحت قانون “حرية المعلومات” ويظهر الأمير “محمد” يوصل الأسلحة والمتفجرات لـ”عمران” بعد أن تخلى صديقه عن فكرة العملية بينما قرر “عمران” المضي قدما لتنفيذها وحده.

نهاية أمير عميل
وبظهور الأمير “محمد اللبناني” المبعوث الشخصي لأسامة بن لادن بشخصيته الحقيقة “إيلي أسعد” الكاثوليكي للشهادة في المحكمة الفيدرالية في ميامي يسدل الستار على نشاط أحد الأمراء العملاء الذين أسسوا خلايا للقاعدة، وأمدوا “مجاهدين” بالأسلحة والمتفجرات والأموال وأخذوا البيعة لتنظيم القاعدة من شباب متحمس كان لا يدري أن أميره الذي يؤمه في الصلاة ويخطب فيه ويأمره بالاستشهاد وتفجير نفسه هو كاثوليكي وليس حتى مسلم الديانة!
______________________

* كاتب مصري ومحاضر في الجامعات الأمريكية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة