نور الدين العلوي يكتب: تونس والحرب على الفساد

لا أحد في تقديري يملك قدرة على توقع زمن انفجاره. ولا أحد قادر على تهدئته بالكلام والوعود. هناك لحظة يصبح فيها الوعد بالشيء خديعة مفضوحة تؤدي إلى غضب أكبر. يتبع

د. نور الدين العلوي

لنبدأ بالإقرار العقلاني المتواضع أن المنجز أقل بكثير من الطموح. فما رفعه الناس البسطاء في أول الثورة من مطالب لم تكن تلبيته مستحيلة لكن تحقيقه على الأرض يصير الآن عسيرا ومكلفا وقد تزداد كلفته باندلاع العنف غير المنضبط.

فالوقائع السيئة تتراكم وتؤشر للعقلاء أن قد أزف أوان المراجعة الجذرية للفكرة والنموذج والخطة التنفيذية. البلد لا يتقدم نحن آفاق خيرة بل الإحباط يستوطن النفوس وينذر بالانفجار. وهذا ليس تهويلا. ولا بد في كل مراجعة أن تطرح الأسئلة الصحيحة عن سبب الفشل أولا وعن أسس الحل الجذري ثانيا.

لنتوقف أولا عن مداعبة غرورنا التونسي
الخطاب التونسي القائم على النجاة الاستثنائية من كوارث الربيع العربي لم يعد ينطلي على قطاع واسع من الناس. مشهد الاستلام والتسليم الديمقراطي  بين رؤساء الحكومات المتقاطرين على المنصب ليس عنوانا صحيحا للديمقراطية. إنه يلبي شكلها ولا يستجيب لمضمونها. قد يروق للكثير من المراقبين الخارجيين الذين يعانون غطرسة العسكر العربي في مصر وسوريا واليمن؛ لكنه ليس كافيا لنكْبِر النجاح التونسي الاستثنائي. بل إن الإيغال في هذا الخطاب يتحول إلى مبرر إجرامي لغياب كل إنجاز ديمقراطي على الأرض. تمسيد الذات بزيت الغرور لا يعالج قروحها الباطنية.

إن حادثة مثل حادثة القصرين ليوم 31 أغسطس/آب يجب أن تكون لدى كل عقلاء البلد إنذارا قاسيا بالفشل والخطر. لقد انكشف بشكل عرضي فقر الداخل التونسي لكل مكونات حياة كريمة وأولها مؤسسات صحية قادرة على تلبية حاجات الناس إلى حق أساسي مكفول بالدستور. هذا النقص قديم وكان من مسببات الثورة. فترجمة شعار الكرامة على الأرض هو توفير الحقوق الأساسية للمستحقين.

الطريق إلى المستقبل ليست آمنة
لا ألمح هنا إلى التهديد الإرهابي الماثل دوما فالإرهاب ضرب الدول المستقرة في ديمقراطيتها كما ضرب الدول الهشة. وهو عنصر يتحرك دون قدرة كبيرة على توقعه. والمتفق عليه أنه عدو وطني تجند الجميع ضده؛ لكن التهديد الماثل ليس إرهابيا فقط بل إن الانفجار الاجتماعي غير المضبوط وغير المؤطر هو الذي يمثل تهديدا حقيقيا.

الحيف الاجتماعي والإحساس بالغبن التاريخي كان سببا حقيقيا في تفجير الموجة الأولى من الثورة؛ لكن العمل السياسي اللاحق له منذ 2011 لم يلب مطالبه. بل حرفها إلى صراعات هامشية استفادت منها نخب مالية فاسدة في الغالب وثقافية مغتربة غير ذات علاقة به. وأحيل الفقراء والمهمشون ( أكثر من نصف مليون معطل عن العمل ومثلهم من العمالة الهشة المهددة) إلى مقعد الصابرين المحتسبين؛ لكن لهذا الصبر حدود. فالجوع كافر وهذه ليست قصيدة بل إنذار. يبدو صامتا حتى الآن لكنه نار تحت رماد قليل. متى يمكن أن ينفجر وكيف يمكن الحد من أثره المدمر؟

لا أحد في تقديري يملك قدرة على توقع زمن انفجاره. ولا أحد قادر على تهدئته بالكلام والوعود. هناك لحظة يصبح فيها الوعد بالشيء خديعة مفضوحة تؤدي إلى غضب أكبر.

لقد فشلت الأحزاب المتنافسة على رأس السلطة في الاقتراب من هذه الهموم وتقديم اقتراحات عملية لعلاجها حتى الآن؛ ورغم تتالي الحكومات إلا أن برامجها متشابهة كقطرتي ماء بما في ذلك وثيقة قرطاج التى قامت عليها حكومة الشاهد الذي يعتزم اتخاذ تدابير قاسية لتخفيف الموازنة والاستعداد في 2017 لدفع الديون التي حل أجلها (الجميع يقول بأن خدمة الدين ستلتهم الموازنة القادمة). وتحولت هذه الأحزاب إلى هدف محتمل لأي تمرد قادم ولن تفلح مهما كان اتساع قواعدها ومهما سيطرت على الإعلام الفاسد في تأطير شارع منفلت وبلا قيادة.

الشارع يرى حيف الحكومات في تجنب مواجهة الفساد لذلك يصنفها في الفسدة ويستهدفها حتى الآن بالكلام لكنه إذا انفلت ستكون الأحزاب ومنتجاتها الحكومية أهدافا مركزية للكسر.

هل من إشارات ايجابية في مقاومة الفساد
تحدد هدف كبير في طريق بناء المستقبل السياسي والاجتماعي للبلد. البدء بمقاومة الفساد في كل المجالات. هناك إجماع وطني معلن حول هذه المسألة مثل الإجماع حول مقاومة الإرهاب. لكن الناس تنتظر إشارات تنفيذية. الفاسدون ظاهرون للعيان وحتى غير المطلعين يعرفون منهم الكثير أشخاصا وشركات وأعوان إدارة والأدلة على الفساد متوفرة ويمكن نشرها والبدء في الإجراءات. لذلك فالكثيرون سكتوا على تشكيل حكومات الشاهد التي حفّت بها شبهات ديمقراطية ودستورية في انتظار لحظة شجاعة في مقاومة الفساد.

وقد تمتلك هذه الحكومة أسباب بقاء وتجد مدافعين عنها من عامة الناس لو أظهرت الحزم الكافي في مقاومة الفاسدين بدءا بالإدارة وانتهاء بعالم الأعمال المشبوه والمافيات المنفلتة عن كل رقيب. مقاومة الفساد بجدية ستعطي للشاهد أسباب البقاء وقد تمنحه تاريخا سياسيا ينفتح على رئاسة الدولة وهو حق لرجل شجاع. لكن إنقاذ الموازنة بفرض إجراءات تقشفية على الطبقات الهشة والتفويت المشبوه في الملك العام (الشركات العمومية مثل الناقل الوطني تونس الجوية وشركتي الماء والكهرباء) ستكون إشارة بدء الاحتجاجات وستؤدي هذه الاحتجاجات إلى انفلات كبير يتسرب منه كل مريدي العنف والتخريب ولن تجد راعيا يعيدها إلى الصواب.

لنختصر إذا اتجه الشاهد إلى ضرب الفساد فستنجو الحكومة وتنجو الدولة وتحقق الثورة بعض أهدافها ويصير الشاهد زعيما أكبر من رئيس حكومة جاء من الفراغ، وإذا اتجه إلى فرض التقشف على الفقراء وأضرَّ بالحدود الدنيا للعيش المدعوم  فستسقط الحكومة وتنهار الدولة ويموت الشاهد سياسيا ويجر معه من جاء به وفرضه ويصيرون عبرة.

لا أحد يحب الحرب لكن المذلة لها ثمن
هذا التوازي الضروري بين مقاومة الفساد ونجاح الحكومة مرغوب ومطلوب وحتمي لذلك هو محل إجماع لدى المنتمين للثورة وخاصة لدى الأقلام المعارضة من غيرة على البلد وعلى الناس والثورة. فلا أحد يرغب في الحرب لأن كلفتها معروفة ومنظورة بالجوار القريب. الجميع يقول (نعرف بداية الحرب ولكن لا أحد يتوقع كلفتها ونهايتها) لكن النفور من الحرب وآثامها يجب ألا يتحول إلى سبب لابتزاز الناس بوضعهم بين خيارين مرين أما القبول بالفساد والتصالح معه بما يعنيه ذلك من الإبقاء على ماكينته التي أفسدت البلد أو تهديد الناس وتخويفهم بالحرب الأهلية في صورة رفضهم لإجراءات التقشف القاصمة. وهو ما ينعته العوام (بقَبِّل الأفعى أو ارم نفسك في البئر.)
مراجعة المشهد السياسي والاجتماعي وفتح آفاق جديدة له ممكنة ومتاحة وهناك  قبول شعبي بالإصلاح المتدرج عوض الثورة الحاسمة. وهذا امتياز يتوفر للحكومة لكن هروبها من الاستحقاق الرئيسي واستبدال الخيارات بأخرى غير شعبية مؤذن بما لا نريد ولكن من كتبت عليه خطى مشاها.

______________________

*استاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه