عبير الفقيه تكتب: السّرقة في أوربا كابوس السّائح العربي

سجّلت الشّرطة الإسبانية حيلة شائعة يعتمدها الجُناة لتجريد السّياح من ممتلكاتهم باتّباع خطّة متكرّرة تعتمد أساسا على استهداف أرقام السيارات الأجنبيّة الأوربيّة والمُؤجّرة من طرف العرب.. يتبع.

عبير الفقيه*

   أصبح السّفر إلى الخارج  يمثّل ركنا قارّا ومتكرّرا للعائلة العربيّة الميسورة، وحدثا (ولو مرّة في العمر) للعائلة مُتوسّطة الإمكانيّات، التي تجتهد في التّحايل على المصاريف اليوميّة لتوفير نفقات السفر إلى الخارج ولو لأيام معدودات. وقد يصل الأمر ببعض هذه العائلات إلى الاقتراض لتحقيق ذلك الحلم ولو لفرد واحد منها، على أساس أنّ المُتعة الحاصلة من السّياحة الخارجيّة ستشغل مساحة في الذّاكرة لن تمحوها بقيّة الأحداث الكبرى في حياة الشّخص و العائلة. لكن ماذا لو تبخّر برنامج المُتعة والفُسحة إلى كابوس من الإفلاس والتّشرّد في بلاد غريبة بسبب وقوعك فريسة للمحتالين واللصوص؟ مع استفادة دول أوربا في نصيبها من حركة السّياحة في المتوسّط بسبب الأزمة الحاصلة في مصر وتونس نتيجة اِختلال المناخ السّياحي على إثر أحداث الرّبيع العربي في 2011، بلغت السياحة إلى إسبانيا على سبيل المثال رقما قياسيّا هذه السنة (70 مليون سائح في 2016). وقد انعكست هذه الأرقام إيجابيّا على الاقتصاد بشكل يشير إلى القدرة الشّرائية العالية (في مجملها) للسّيّاح. إذ ساهم هذا الارتفاع المتصاعد لعدد السائحين في إنعاش قطاع الفندقة وإسعاد أصحاب المتاجر والمطاعم من ناحية وفتح شهيّة اللصوص لتسليط اهتمامهم على هذه الشّريحة من النّاس العابرة، باعتبارهم يتنقّلون غالبا بمالٍ وفير وهواتف وإكسسوارات غالية يمكن تجريدهم منها في غفلةٍ طبيعيّة أو مُفتعلة. إضافة إلى أنّها شريحة تجهل قوانين البلد وتُطمئن الجُناة إلى حدّ كبير، باعتبارها تضمن عدم تتبّعهم للمحاكمات في حالة إلقاء القبض عليهم.
 حسبما تُشير الإحصائيات في موضوع السّرقات في إسبانيا، يُمكن للسّائح العربي تفادي عديد الهفوات التي يقترفها دون قصدٍ كي لا يُحوّل متعة سفره إلى ورطةٍ تُنغّص عليه إقامته.
 أوّلا:  من المستحسن الاحتفاظ في العنوان الإلكتروني للشّخص بنسخة من جواز السّفر و أرقام بنوك البطاقات البنكية التي يستعملها ورقم التعريف للهاتف الجوّال الذي يحمله {IMEI}. ويجب الاحتفاظ بهذه البيانات في العنوان الإلكتروني تحديدا تحسّبا لضياع الهاتف نفسه، واِمكانيّة الوصول لهذه المعطيات الأساسية من أيّ جهاز كمبيوتر والحصول على نسخة منها مع محضر السرقة لتأمين سفرة العودة على الأقلّ. أمّا أرقام خدمة العملاء للبنوك التي يرجع لها السّائح بالنّظر، فتعتبر أسرع طريقة لتعطيل خدمات السّحب المالي لتجنّب جرائم التّلاعب بالحسابات البنكيّة. وأمّا رقم التعريف الدّولي للهواتف الذكية المذكور سابقا، فيتكوّن من خمسة عشر رقما يضمن بشكل كبير استرجاع القيمة الماليّة للهاتف {في حالة التمتّع بتأمين} وأيضا يؤمّن استرجاعه في حدّ ذاته في حالة القبض على حامله الجديد.
 ثانيا: الانتباه جيّدا منذ المطار إلى الحقائب وحمل الحقيبة الشخصية من جهة الأمام (ولو كانت حقيبة يد) وعدم صرف النّظر عن عربة الحقائب خصوصا عند خط سيّارات الأجرة و حتى في مقاهي و مطاعم المطار.
 ثالثا: عدم الاحتفاظ بكل المبلغ المالي والأوراق الشخصية في مكان واحد من الحقيبة، مع الحرص على عدم حمل الهاتف في اليد أو في الجيب الخلفي للبنطلون وتحاشي الاِحتكاك لحظات الدّخول الى المترو أو الخروج منه.
 رابعا: التّقليل من التّبرّج وحمل السّاعات والمجوهرات الثّمينة في الشّارع وإن كان المكان راقيا، والحقيقة تُقال في هذا المستوى، أنّ السّيّاح الرّوس والخليجيّين يُغالون في الظّهور بألبسة وإكسسوارات تحمل ماركات باهظة الثّمن، وهي ثقافة لا تستقيم مع ثقافة الشّارع الأوربي، باعتبار السّواد الأعظم في هذا المجتمع يستنكرها ويربطها بالثقافة الاستهلاكية ما يجعله يلفت انتباه اللصوص.
 خامسا: تفادي وضع الهواتف على الطّاولة وتعليق الحقائب اليدويّة على المقاعد في المقاهي والمطاعم، ومنع أي وافد على الطّاولة لطلب المعونة أو الأسئلة العشوائية التي لا توحي بشيء واضح.
 سادسا: في حالة تأجير سيّارة من وكالات تأجير السيارات في المطار أو خارجه، يُستحسن عدم الوقوع في فخّ الإيقاف المفاجئ من طرف مواطنين سواء داخل المدينة أو خارجها، من باب طلب المساعدة، أو حتّى تقديمها في حالة حصول عطب. وفي هذا المستوى، سجّلت الشّرطة الإسبانية حيلة شائعة يعتمدها الجُناة لتجريد السّياح من ممتلكاتهم باتّباع خطّة متكرّرة تعتمد أساسا على استهداف أرقام السيارات الأجنبيّة الأوربيّة والمُؤجّرة من طرف العرب (اعتمادا على وجوه السّائقين ومُرافقيهم). هذه الخُطّة تُطبّق من طرف شخصين أو أكثر، يلتصق فيها الأوّل بالسيّارة الهدف بمجرّد وقوفها عند إشارة ضوئيّة، يصيب عجلتها الخلفيّة اليُمنى بجرح غائرٍ مستعملا سكّينا من دون لفت انتباه السائق ومن معه. ويكون هذا الأوّل دائما على درّاجة ناريّة ويضع خوذة فوق رأسه، ويتقدّم أمتارا ويُنبّه السّائق لثقب العجلة بإشارة توحي بالنّوايا الحسنة. يتوقّف غالبا قُربه في أوّل فرصة، ويترجّل مُقدّما له النّصح بإجباريّة تغيير العجلة أو مدّه بعنوان ورشة ميكانيكي قريب. في حالة نزول السّائق ومرافقيه لمعاينة العجلة والثّرثرة مع “فاعل الخير” و ترك الباب الأمامي مفتوحا، لا تتطلّب عمليّة السرقة أكثر من دقيقة، يقترب فيها الشّخص الثاني ( يكون عادة على بعد أمتار من الموقع) زاحفا إلى باب السيارة ويختفي بما طالت يداه، ويختفي على إثره الشّخص الأوّل بدرّاجته في لمح البصر. في حالة نزول السّائق وغلقه ومرافقيه لأبوابهم فإنّ الأمر يتطلّب غالبا مشاركة أكثر من شخصين وإيهام السّائق بأية كذبة إلى حين غفلة منه وترك الباب مفتوحا والمرور إلى مرحلة سرقة حقيبة اليد والهواتف الموجودة على أحد كراسي السيارة.
  في العموم هي سيناريوهات “سِلميّة” لا تستوجب الاِلتجاء إلى العنف أبدا، فقط هي تبحث عن غفلة لثوانٍ معدودات لكي يغنم السّارق ما خطّط له مع ضمان ما خفّ من العقوبات في حالة القبض عليه، ويترك الضّحية في بحر من النّدم والتوتّر والخوف من الضّياع في أرض غير أرضه.
المُشكلة أنّ السّيّاح الذين تعرّضوا لإحدى هذه المفاجآت غير السّارة في إسبانيا يحسبون أنّ السّرقة حكر على هذا البلد، مع أن مافيات السّطو الانفرادي والمُنظّم تنشط في كل مُدن العالم مهما اشتدّت العقوبات باعتبارها نقاط تقاطع لتنقّلات السائحين من مختلف أنحاء العالم.
_____________________

*كاتبة تونسية مقيمة في إسبانيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه