نور الدين عبد الكريم يكتب: الشاذلي والمحاولة التي لم تكتمل

من يشاهد هذه الحلقات، أو يقرأ كتاب الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي “مذكرات حرب أكتوبر”، يدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي كان على وشك الانتهاء لصالح العرب في عام 1973. يتبع

نور الدين عبد الكريم*

اعتاد الإعلامي أحمد منصور أن يعرض لمتابعي صفحته على الفيسبوك مقاطع أرشيفية قصيرة ومنتقاة، يختارها من أرشيف حلقات برنامجه شاهد على العصر. وقد وقع اختياره مؤخراً على مقاطع متنوعة من حلقات شهادة “مهندس العبور”، الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي رحمه الله.

سبق وشاهدت هذه الحلقات كاملة قبل حوالي خمس سنوات، ولا أخفي أني قبل ذلك كنت أجهل تفاصيل حرب أكتوبر، كما أني لم أكن قد تعرّفت بعد على شخصية الفريق سعد الدين الشاذلي، ولا على عقليته العسكرية القيادية المتقنة، وخبرته القتالية العميقة، والتي مكنته من العبور بالقوات المصرية لقناة السويس، وتحطيم خط بارليف الذي تم بناؤه من قبل القوات الإسرائيلية، التي احتلت أرض سيناء وقتها، وكان في معتقدها أنه لن توجد قوة على الأرض تقدر على تحطيمه والعبور من خلاله.

ليست المحاولة الأولى
من يشاهد هذه الحلقات، أو يقرأ كتاب الفريق الراحل “مذكرات حرب أكتوبر”، يدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي كان على وشك الانتهاء لصالح العرب في عام 1973، وأن أرض فلسطين المحتلة كانت على وشك أن تتحرر، لو طبقت هذه الحرب كما خطط لها الفريق دون تغيير أو تحريف في أوج ساعات انتصارها. وهذا ما أثار في خاطري الكثير من التساؤلات، وعلامات الاستفهام، لكن دون الاعتراض على قضاء الله وقدره.

هي نفس التساؤلات ذاتها التي جالت في خاطري يوماً، بعد أن قرأت أن “جيش الجهاد المقدس”، الذي كان يحارب المحتل البريطاني، والجماعات الصهيونية المسلحة قبل إعلان قيام دولة إسرائيل؛ والذي كان يقوده الراحل عبد القادر الحسيني، رحمه الله؛ حيث قرأت أن هذا الجيش قد تمكن من استعادة السيطرة على الكثير من المدن الفلسطينية، والريف الفلسطيني، بل تمكن من احتلال مستوطنات صهيونية، ومراكز بريطانية. كما أنه في مراحل لاحقة من تاريخ الثورة الفلسطينية، وبفضل العمليات التي كانت تنفذها “فرقة التدمير”، تحت قيادة فوزي القطب، رحمه الله؛ تمكن هذا الجيش من إيقاع خسائر وإصابات بالغة في صفوف العصابات الصهيونية المسلحة، وقوات الاستعمار البريطاني، وهو الأمر الذي دفع المستوطنين الصهاينة حينها إلى الخروج والتظاهر للمطالبة بإعلان فشل قيام دولة إسرائيل، والطّلب من قادتهم الإستسلام. وكاد هذا النضال أن يؤتي أكله، لولا سحب جامعة الدول العربية اعترافها بجيش الجهاد المقدس، وتوقفها عن دعمه وإمداده بالسلاح، الأمر الذي نتج عنه استشهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل الشهيرة، وإعلان قيام دولة إسرائيل بعد ذلك.

خطة الشاذلي المحكمة
لم يكن تأثير معركة العبور التي رسمها، وقاد تنفيذها الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية؛ أقل تأثيراً أو إيلاماً من عمليات جيش الجهاد المقدس داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد كانت مدروسة ومحكمة بعناية تامة، تميزت بعنصر المباغتة والمفاجأة.
حرص الشاذلي خلال سنوات عمله في القوات المسلحة المصرية على التفرغ إلى متطلبات وظيفته، وعدم الانجرار إلى السياسة ومغرياتها كما ذكر. وهذا ما أكسبه خبرة ومقدرة جعلته مميزاً في أي مسؤولية يقودها، وأي منصب عسكري يحمله. فعندما تمت ترقيته لقيادة القوات المسلحة المصرية، كان على علم تام بنقاط قوة وضعف “العدو الإسرائيلي”، وعلى هذا الأساس وضع الخطة العسكرية.
فيقول إن نقطة ضعف الإسرائيلين وقتها هي قلة عدد المقاتلين أولاً، والحروب طويلة الأمد ثانياً، أما سلاح الطيران، فهو ما يتفوق به على الجيش المصري. لذلك رسم خطته على أساس التركيز على نقاط الضعف هذه، والحذر من نقاط القوة. فكانت خطته تقتضي أن يتم اختراق جدار بارليف، والتحرك بالقوات المصرية مسافة لا تزيد عن 15 كيلو مترا شرق هذا الجدار، والعسكرة هناك، حيث إن السلاح المصري المضاد للطائرات سيوفر الحماية ما دامت القوات متمركزة عند هذا البعد، أما الهجمات الأرضية فهم لها بالمرصاد.

تكمن قوة هذا التخطيط أنه في حال نجاحه سيضع إسرائيل أمام خيارات محدودة: فهي إما ستنجر إلى حرب طويلة الأمد تستنزف قوى الجيش الاحتياطي، وهو ما يعني تعطيل الحياة المدنية للكيان. أما الخيار الثاني فهو الانسحاب من سيناء إقراراً بالهزيمة، وتمكين القوات المصرية من السيطرة عليها، وتركيب خطوط دفاعها الجوية على أرضها، وبالتالي الاقتراب أكثر من حدود أرض فلسطين المحتلة، وتهديد هذا الاحتلال الإسرائيلي بنفس الطريقة التي بدأت بها هذه الحرب. وطبعاً، لم يَغفل الشاذلي، في ذات الوقت، عن العمل على تطوير وتقوية سلاح الطيران، وذلك حتى يقوي من نقاط قوته في هذه المواجهة.

قبل تنفيذ هذه الخطة والبدء بالقتال، حرص الفريق الشاذلي على إعادة القوة والثقة بالنفس للجندي المصري، خصوصاً بعد خسارته حرب عام 67، فقام وعلى مدار عامين، على عقد لقاءات مستمرة ومباشرة مع ضباط جيشه، وفي نفس الوقت ابتكر آلية تواصلٍ مع جميع الجنود، وهي عبارة عن منشورات وكتيبات كان ينشرها بشكل دوري، تهدف إلى تقويتهم نفسياً وعسكرياً، وتزرع في قرارة أنفسهم أن حرب استعادة أرض سيناء قادمة، وأن النصر حليف الجيش المصري دون أي شك.
على هذا الأساس تم وضع الخطة وتنفيذها، ليتفاجأ العالم أجمع بقدرة المقاتل المصري، وتفوقه في القتال، ونجاحه في اختراق خط بارليف الأكثر تحصينا في ذلك الوقت، بل وتفاجأ الإسرائيليون بتمكن الجيش المصري من العسكرة شرق القناة وتصديه لكل محاولات اختراق صفوفه، بل إنهم وصفوا موقفهم هذا بمن اصطدم بصخرة صمّاء، كلما ارتطم بها أكثر، كلما تألم وعطُب جسده أكثر. فأسقط في أيديهم.

النصر الذي لم يكتمل
هكذا وُضعت الخطة، وهكذا تم التنفيذ، وهكذا ظهرت النتائج في الأيام الأولى، لولا تدخل رئيس الجمهورية أنور السادات، وإصداره قراراً بخروج القوات المصرية من حدود المظلة العسكرية التي شكلها السلاح المضاد للطائرات، وذلك من أجل التحرك في عمق أرض سيناء، ظناً منه أنها أصبحت متاحة وقابلة للاستعادة. ولم يكن بيد الفريق الشاذلي أن يرفض هذا القرار، خصوصاً بعد تهديد السادات له بمحاكمته عسكرياً لو رفض قرار رئيس الجمهورية.

وما أن تقدمت هذه القوات شرقاً حتى كانت كالصيد السهل للطيران الإسرائيلي، فاختلت موازين المعركة، ووقعت الخسائر في صفوف الجيش المصري، وحدثت فيه الثغرة الشهيرة بثغرة “الدفرسوار”، وهي ما نتج عنها تطويق القوات الإسرائيلية للجيش المصري الثالث بأكمله، ومن ثم توقيع اتفاقية وقف اطلاق النار، والتي اعتبرها الفريق سعد الدين الشاذلي هزيمة أعقبت نصراً  كان على وشك أن يكتمل ويُرسم بأجمل صوره.
تعددت الأقوال والروايات والتحليلات في سرد الأسباب التي دفعت السادات إلى الاقدام على هذه الخطوة، فهناك من اعتذر وبرر للرجل، وهناك من لامه واعتبر هذا خطأ جسيماً بحق المصريين، بل بحق الأمة العربية بأسرها.
حكمة الله
أما سعد الدين الشاذلي، فقد تم إعفاؤه من مهامه، وتم تجاهل ذكر اسمه في كل احتفالات الجيش المصري بذكرى هذه الحرب، بل عقب ذلك حُكم عليه بالسجن غيابياً واتّهامه بكشف أسرارٍ عسكرية، عندما دوّن مذكراته وشهادته على هذه الحرب.
تكثر التساؤلات التي تجول في الخاطر عند ذكر وسرد أحداث حرب أكتوبر بشكلها الصحيح، فبعد أن كان النصر قريباً، تنقلب المعادلة رأساً على عقب. وقبل ذلك، انقلبت الموازين أيضاً عند هزيمة جيش الجهاد المقدس في معركة القسطل؛ كانت الانتصارات تتوالى يسبق بعضها بعضاً، وفجأة وقعت الهزيمة، وخسرنا الأرواح، وهجّرت الملايين، وضاعت فلسطين.
ألم يُعد الفريق الشاذلي العدة الصحيحة ويأخذ بأسباب النصر؟ ألم يكن على الحق، مدافعاً عن أرضه ووطنه؟ ومثله كان عبد القادر الحسيني وجيشه؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)؟ ألم يقل أيضاً: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)؟ فلماذا تأخر النصر؟
الأحداث والأيام المتعاقبة هي من أجابت على كل هذه التساؤلات.
باختصار: لم يحن موعد التحرير بعد.
فالنصر في بيئة منهزمة هزيمة، والانتصارات توشك أن تتحول إلى انتكاسات إن لم توافق الإخلاص والصدق في سبيل تحقيقها. وكفى بثورات الربيع العربي مثالا على ذلك. فالأيام التي أعقبت تمكن الثورات المضادة أثبتت أنه ثمة خناجر كانت ستطعن في ظهر هذه الأمة لو كتب لثوراتها أن تنتصر، وهو ما سيحول دون بقاء وثبات هذا النصر. وما زالت الأقنعة تتكشف يوماً بعد يوم. 
رحم الله سعد الدين الشاذلي، وأجزل له ثواباً وأجراً بلا انقطاع حتى يوم الدين.  

_______________________

*كاتب أردني
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة