نور الدين عبد الكريم يكتب: لو لم يكن أردوغان ديمقراطياً؟

موقف الشعب التركي هذا يعد شهادة فخر واعتزاز بنظام حكمه القائم. وعلى الرغم من ذلك لا زلنا نجد من يقول أن الديمقراطية ليست من الإسلام

نور الدين عبد الكريم*

يرى الشيخ محمد الحسن ولد الددو أن نظام الحكم الإسلامي قد أمر بالشورى، قال تعالى: “وأمرهم شورى بينهم” الشورى (آية 38)، إلا أن القرآن الكريم لم يحدد آلية تطبيق هذه الشورى، ولم يلزم المسلمين بوسيلة معينة لذلك.

وقد دلني اليوتيوب على كلام الشيخ الددو هذا؛ في خضم نقاش مع بعض الأصدقاء، على صفحات الفيسبوك، حول موضوع الديمقراطية الحديثة، ومقارنتها بالشورى، ومن ثم الحكم عليها إن كانت متنافية مع نظام الحكم الإسلامي أو موافقة له. تزامن هذا النقاش مع أحداث الانقلاب العسكري الفاشل على النظام الشرعي في تركيا، والذي سجل حدثاً تاريخياً مفصلياً لتلك البلاد، حيث تمكن الشعب بكافة فئاته وشرائحه، من النزول إلى الشوارع وقطع الطريق على دبابات الانقلابيين وآلتهم العسكرية، والحيلولة دون إتمام مخططهم في غضون ساعات.  

النظام الديمقراطي القائم على الشفافية والعدالة في الحكم، والمساواة في الحقوق والواجبات، بين جميع أفراد الشعب بغض النظر عن الانتماء السياسي والديني والحزبي لهم؛ هو ما حرص أردوغان وحزبه الحاكم على تقديمه خلال ما يزيد عن عقد من الزمن، وهو ما حفز الشعب بكافة فئاته وشرائحه على الاصطفاف جنباً إلى جنب للدفاع عنه، ومواجهة الدبابة وإفشال هذا المخطط العسكري. هذا بالإضافة إلى معرفة وخبرة الشعب التركي بحقيقة ما يجره الانقلاب العسكري من ويلات وخراب عليهم لو كتب له أن ينجح.

الشورى التاريخية
موقف الشعب التركي هذا يعد شهادة فخر واعتزاز بنظام حكمه القائم. وعلى الرغم من ذلك ما زلنا نجد من يقول أن الديمقراطية ليست من الإسلام، بل تتعارض مع النظام الإسلامي في الحكم، وتتعارض كذلك مع الشورى التي أمر بها القرآن الكريم. ويستدل أصحاب هذا الرأي بموقف الصحابة عليهم رضوان الله في التعامل مع اختيار أول خليفة للمسلمين بعد رسول الله.


فاختيارهم لأبي بكر رضي الله عنه تم بعد شورى وتدارس للأمر في سقيفة بني ساعدة، نتج عنها مبايعته وإعلانه خليفة لرسول الله، ورئيسا للدولة. فلم يلجأ الصحابة إلى أخذ رأي كل المسلمين، ولم يجوبوا المدن والقرى التي كانت تحت حكمهم لأخذ رأيهم وكلمتهم في الأمر، وإنما تم تعميم الأمر عليهم.

لا ننكر هذه الرواية التاريخية، ولكننا لا نقول بأن هذا تشريع يلزمنا في زماننا، بل هو تشريع مناسب لزمن الصحابة عليهم رضوان الله، فإجماع الصحابة في ذلك الوقت يعد القول الفصل في الأمر، ففيهم من توفي رسول الله وهو عنهم راض، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، وفيهم السابقون الأولون في الإسلام، وفيهم المهاجرون والأنصار، وفيهم من آمن قبل الفتح، وفيهم من شهد بدرا وأحدا وبقية الغزوات مع رسول الله، وفيهم أهل بيعة الرضوان. فلو أجمع أهل هذا الفضل وهذه المكانة على أمر فمن يجرؤ على القول بغيره.
فإجماع هؤلاء الصحابة الكرام على أمر يجعله بمكانة الأمر الصحيح المعصوم من الخطأ.

أضف إلى ذلك، أن العرف السائد في ذلك الوقت كان أشبه ما يكون بالنظام القبلي. فإذا ما اتفق رؤساء القبائل على أمر فهو يسري على جميع أفراد القبيلة، ولا يقدم أحد على رفضه إلا إن كان ينوي الخروج عن رأي القبيلة وتبعيتها.
فاجتهد الصحابة في تطبيق الشورى لاختيار خليفتهم، واجتهادهم هذا لم يكن ثابتا على منهج واحد في كل الأحوال، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص لأحد من بعده، فاختار الصحابة أبا بكر، ثم اجتهد أبو بكر بالوصية لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فأقره الصحابة على ذلك، ثم اجتهد عمر بالوصية لستة من الصحابة، فوقع الاختيار من بينهم على عثمان، رضي الله عنه. إلى أن وقعت الفتنة وتعذر الإجماع بعد ذلك.

مسألة اجتهادية
فاجتهادات الصحابة هذه تُثبت أن آلية تطبيق الشورى تعتبر أمراً اجتهادياً، قد تختلف من زمن إلى زمن، ومن بيئة إلى بيئة أخرى. فما اختلاف الصحابة بعد مقتل عثمان، ومن ثم تغيير نظام الحكم هذا، وتثبيت مبدأ التعيين ضمن الأسرة الحاكمة الذي طبقه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، إلا مثالا على ذلك. وفي حين يرى البعض أن ما قام به معاوية بن أبي سفيان مخالفٌ لمبدأ الشورى وإجماع اخوته من الصحابة، إلا أن المنطق يقول إن اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتغير التركيبة الديمغرافية لسكانها، بعد حوالي خمسين عاماً من الفتوحات والغزوات، التي أعقبت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيجعل من المستحيل تحقيق الإجماع الذي حصل في الفترات السابقة، بل سيجعل من التغيير في هذه الآلية أمراً حتمياً، فلو لم يجتهد فيه معاوية، لربما اجتهد فيه غيره من بعده.

التخوف من الديمقراطية
تعتبر الديمقراطية الحديثة آلية دخيلة على المجتمع المسلم، موروثة من ثقافة خارجية، وليس كل أمر خارجي محرم، طالما لم يثبت تعارضه مع الدين الإسلامي وضوابطه. ربما أكثر ما يخيف معارضي هذه الديمقراطية الحديثة هو احتكامها لرأي الشعب، لا للتشريع الإسلامي، فكما نرى أن هذه الديمقراطية قد أنتجت في الغرب قوانين وتشريعات أجمع عليها أغلبية المصوتين، وهي قوانين تتعارض مع الدين الإسلامي؛ فالخوف قائم لديهم من تشريع قوانين مشابهة لها في الدول العربية والإسلامية حين تطبيق هذه الديمقراطية. وهو ما يجعل البعض يقول بفرض التشريع الإسلامي بشكل الإلزام والفرض، وكأنه وصي على قرارات الشعب ومصالحه، الأمر الذي سيثير القلاقل والفتن والخلافات بين أفراد الوطن الواحد.

ما لا يدركه أصحاب هذا القول، هو أن حكم دولة كبيرة بمؤسساتها وشعبها وطوائفها، ليس كحكم عائلة صغيرة مكونة من أب وأم وبعض الأبناء. فبإمكان أحد الوالدين مثلاً أن يصدر قراراً لا ينال رغبة جميع الأبناء، وذلك تمشيا مع تقاليد وعادات العائلة. وقد يضطر الأبناء إلى الاستجابة والخضوع لهذا القرار من باب البر بالوالدين وطاعتهما، واحترامهما. لكن تطبيق هذا الأمر على مستوى الدولة بأسرها في عصرنا الحاضر، وضمن العرف السائد دوليا، يعتبر أمراً مستحيلا.

الآراء الداخلية الرافضة لهذه الوصاية ستجد من يدعمها ويقوي من شأنها في الخارج. فالتركيبة السكانية لبلادنا العربية والإسلامية تتألف من شرائح وفئات مختلفة، فيها المسلم وغير المسلم، وفيها الليبرالي، والعلماني، والملحد، وفيها من تأثر بثقافة إسلامية، ومن تأثر بثقافة غربية. وكلهم مواطنون تعارف النظام الحديث على أن لكل فرد فيهم حريته الشخصية وحقوقه وواجباته. فمن المستحيل بمكان، فرض رأي عليهم لمجرد أن من بيده مقاليد الحكم يرى أن رأيه هو الصواب والأصح.
إن كان الإسلاميون حريصين على تطبيق الشريعة الإسلامية، وسن القوانين والدساتير بما يتوافق معها، فعليهم رفع درجة الوعي والمعرفة والإيمان بها لدى فئات المجتمع والناخبين. كما أنهم مطالبون، بالإضافة إلى ذلك، بتقديم نماذج سياسية واقتصادية ناجحة تجعل بوصلة الناخبين تتجه صوبهم، وتكسبهم ودّهم وولائهم. وحينما يتم ذلك فلن يشعروا بالخوف من تلك القوانين الغربية التي لا تناسب المجتمعات العربية والإسلامية، لأنها لن تجد من يصوت لها.
لو كانت هذه التشريعات الإسلامية، تفرض فرضاً في زماننا، حتى لو كانت دون رأي الأغلبية؛ فلما كنا رأينا حزب العدالة والتنمية في تركيا مستمرا في حكم البلاد منذ عام 2002، ولما رأيناه يفوز في كل دورة انتخابية بعد الأخرى منذ ذلك الوقت. ولما رأينا تركيا ثابتة صامدة أمام كل ما يحاك ضدها من مؤامرات وتخطيطات، والتي لن يكون آخرها محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة هذه.
من يرى أن الشورى تتيح للحاكم سن القوانين دون رغبة رعيته ورغما عنهم فهو يسيء فهمه للشورى، ومن ظن أن الديمقراطية ستخرج المجتمعات الإسلامية عن إسلامها فهو يسيء فهمه للديمقراطية أيضاً.
فالأمر يعود أولا وآخرا إلى مستوى وعي الشعوب وإيمانها بالقضية التي تحملها الأحزاب والجماعات. وتحقيق هذا الأمر سيجعل من الديمقراطية آلية حديثة لتطبيق الشورى التي أمر بها القرآن الكريم، وبالشكل الصحيح. وإلى أن تظهر لنا آلية جديدة، يمكننا الحكم بأن الديمقراطية هي الأفضل حاليا لتطبيق هذه الشورى
________________________

*كاتب أردني وباحث في الجامعة الاسلامية بماليزيا

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة