ممدوح الولي يكتب: المواطن المصري وقناة السويس الجديدة

لجأت هيئة قناة السويس للتحايل بإعلان دخل القناة بالجنيه المصري، رغم أنه لا يتم دفع رسوم العبور بالجنيه، للاستفادة من فارق سعر الصرف، لتشير الى زيادة الدخل خلال تلك الشهور. يتبع

                     

ممدوح الولي*
هللت وسائل الإعلام المصرية لحفر التفريعة السابعة لقناة السويس البالغ طولها 35 كيلو متر ، في حين أن التفريعة التي تمت في عهد السادات بلغت أكثر من 40 كيلو متر، ومع ذلك تم تسمية التفريعة السابعة قناة السويس الجديدة، والتي تم تصويرها على أنها المنقذ للاقتصاد المصري، حتى ذكر رئيس هيئة القناة أنها ستحقق مائة مليار دولار إيرادات، رغم أن المتوسط السنوي لدخل القناة يدور حول خمسة مليارات دولار فقط.

وبعد افتتاح التفريعة في شهر أغسطس/آب الماضي ترقب المصريون إيرادات القناة، فإذا بالإيرادات تنخفض عما كانت عليه بنفس الشهر من العام السابق. 

وتكرر مشهد تراجع الإيرادات أيضا خلال الشهور الممتدة من أغسطس إلى يناير من العام الحالي  بلا انقطاع ، وفى شهر فبراير/شباط الماضي زاد دخل القناة لأقل من 15 مليون دولار، وكان ذلك بسبب كونه 29 يوما مقابل 28 يوما لنفس الشهر بالعام الماضي، والمعروف أن المتوسط اليومي لدخل القناة يتراوح ما بين 14- 15 مليون دولار ، لكن السبب الآخر هو جنوح سفينة بنمية خلال فبراير الماضي ودفعها غرامة 8.5 مليون دولار .

وفى مارس عاد الانخفاض مرة أخرى  لدخل القناة، لتسفر الشهور الثمانية التالية لافتتاح التفريعة ، عن نقص الدخل بنحو 168 مليون دولار بتراجع 5 %، وبعدها امتنعت هيئة قناة السويس عن نشر بيانات الدخل الشهرية حتى  الآن.

ولجأت هيئة قناة السويس للتحايل بإعلان دخل القناة بالجنيه المصري، رغم أنه لا يتم دفع رسوم العبور بالجنيه، للاستفادة من فارق سعر الصرف، لتشير إلى زيادة الدخل خلال تلك الشهور الثمانية بنمو 3.3%، في حين أن نسبة انخفاض سعر صرف الجنيه الرسمي أمام الدولار  بنفس الفترة بلغت 12.4%.

وفيما يخص أثر التفريعة  الجديدة على المواطن العادي، فقد بلغ عدد المشترين لشهادات استثمار مشروع التوسعة للقناة 1.1 مليون مشترى، غالبيتهم من الأفراد إلى جانب الشركات والهيئات ، وبلغ عائد الشهادات 12 % ومدتها خمس سنوات.
 

وفيما يخص الأفراد فقد انقسموا إلى  شريحتين، أولهما: من اشتروا الشهادات فئة عشر جنيهات ومائة جنيه ، وعددهم 220 ألف مشترى، وهؤلاء ممنوع عليهم استرداد قيمة شهاداتهم إلا بعد مرور السنوات الخمس، ويحصلون على العائد بشكل تراكمي بنهاية المدة ، ومحظور عليهم الاقتراض بضمان الشهادات .

وفي نوفمبر الماضي أصدرت البنوك العامة شهادات إيداع بعائد 12.5%، وتلاها رفع فائدة شهادات الاستثمار الى 12.75%، وقامت بنوك خاصة برفع فوائدها  لنفس المعدل، وزادت فائدة أذون الخزانة لمدة عام حاليا إلى 16 % وزادت فوائد سندات الخزانة عن ذلك، وهو ما يعنى خسارة هؤلاء فارق الفائدة، نظرا لعدم استطاعتهم الخروج من شهادات القناة إلا في  سبتمبر 2019 .

والشريحة الثانية للمشترين لشهادات القناة هم المشترون لفئة الألف جنيه وأصبحت فائدة شهادات القناة أقل لديهم من عوائد متعددة بالسوق.

وفى ظل بلوغ نسبة التضخم 14.8% في يونيو الماضي، فقد تحول العائد الحقيقي لأصحاب شهادات القناة إلى عائد سلبى بنسبة 2.8%، مما يعنى تآكل القيمة الشرائية لشهادات القناة .

– وهناك شريحة من المشترين قاموا بتحويل ما لديهم من دولارات بلغت قيمتها 2.3 مليار دولار  لجنيه مصري لشراء الشهادات. وبافتراض شخص حول عشرة آلاف دولار  لجنيهات، فإنه سيحقق عائدا خلال عامين من الشراء حوالى 17 ألف جنيه مصري؛ في حين أنه لو تمسك بدولاراته للآن لحقق زيادة رأسمالية في قيمتها بنحو 49 ألف جنيه بالعامين مع سعر صرف 12 جنيها للدولار ، بخلاف قيمة الفائدة على الودائع الدولارية بما يعادل أكثر من ستة آلاف جنيه بالعامين عند فائدة 4 % .

كما أن من احتفظوا بدولاراتهم لنوفمبر الماضي وأودعوها بالبنوك مع تحويلها إلى جنيه حصلوا على فائدة 15 % سنويا .

– أما غير المشترين لشهادات استثمار قناة السويس من عموم المصريين فقد أصابهم الضرر أيضا ، حين تم ضغط مدة تنفيذ التفريعة والاستعانة بشركات أجنبية للتكريك ، مما تطلب كميات ضخمة من الدولارات، قال محافظ البنك المركزي السابق إنها كانت من أسباب نقص الدولار، وتضخم السوق السوداء التي ساهمت في ارتفاع قيمة الواردات وزيادة نسبة التضخم .

كما تضرر المواطن أيضا بسبب توجيه استثمارات حكومية ضخمة إلى مشروع ليست له أولوية ، حيث كانت القناة قبل التفريعة تستوعب مرور 78 سفينة بها يوميا ، بينما المتوسط اليومي يبلغ 47 سفينة فقط ، وجاء ذلك على حساب أولويات أخرى منها المصانع المغلقة التي عجزت الحكومة عن تدبير 300 مليون جنيه لإنشاء صندوق لإقالتها من عثرتها ، وكذلك ارتفاع نسب وفيات الرضع بسبب نقص الحضانات بالمستشفيات وغيرها.

كما تم إهدار قدر من المال العام مع الاحتفال الضخم بافتتاح التفريعة وتعطيل مصالح المسافرين من المحافظات عبر الإسماعيلية مع إيقاف حركة الطرق خلال الاحتفال .
وفى ضوء خفض صندوق النقد الدولي بيوليو/تموز الماضي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي بالعام الحالي والقادم، واستمرار تباطؤ النمو بدول اليورو خلال العامين، وخفضه لتوقعاته لنمو التجارة السلعية والخدمية بالعالم بالعام الحالي، يتوقع استمرار تراجع ايرادات قناة السويس ، خاصة مع استمرار تراجع أسعار الوقود مما يدفع السفن لاستخدام طريق رأس الرجاء الصالح توفيرا لنفقات عبور القناة .

_________________________________

*كاتب وخبير اقتصادي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة