مقالات

د. نور الدين العلوي: الدواعش والدبابة أعداء الشعوب

خرج علينا الدواعش أكثر تنظيما من مشاعرنا الفوضوية. فوجدنا أنفسنا على الجبهة الخطأ. نناقش في المجالس طول اللحية وحكم الكحل في العينين ونرد في الشوارع على قتل جنودنا في الجبال وفي الحواري. يتبع

د. نور الدين العلوي*

الربيع العربي، نعم الربيع العربي بكل الإصرار والإلحاح عاصف متفجر ودموي ومحي ومميت. ويتقدم في الأرض الخراب وسيكون له ثمر لذيذ ولو بعد حين وإن كان صبر أنصاره قليل.

وهذا كلام يخلط عامدا بين التحليل والرجاء؛ لكنه ينبني على ربط سليم للوقائع الجارية وينصح بالصبر والمطاولة، فالخروج من نفق القهر التاريخي لا يتم بكبسة زر. وها الدرس التركي الباهر يعيد الأمل في الربيع العربي دون أن يقلل من الخوف عليه.

من أين جاؤوا؟
غنى مرسال خليفة لمحمود درويش من أين جاؤوا ؟ وقد غنينا بحزن عميم ومهجنا كانت مشدودة للشعار الشعب يريد تحرير فلسطين. من أين خرج الدواعش في وجه الربيع العربي وقد غفلنا عن الطعن من الخلف. نعم قبل أن نبدأ في ترتيب بيوتنا الداخلية في فجر انطلاق الثورتين التونسية والمصرية هيمن البرنامج الأقدس للشعوب العربية تحرير فلسطين فخلطنا بين حرياتنا في الأقطار وحرية قطعة الوطن المغتصبة. كانت المعركة واضحة في القلوب مرتبكة في الشارع.

قرن من الوعي المتراكم بأن الوطن واحد وأن حرية كل جزء منه مربوطة حتما بحرية بقية الأجزاء. وفجأة وجدنا الدواعش بيننا بأسماء مختلفة لكن بغاية واحدة أن نرتد على أنفسنا وننسى الذهاب إلى المعركة الأم. أمٌّ معاركنا ومفتاح حرياتنا ومجدنا للزمن القادم.

خرج علينا الدواعش أكثر تنظيما من مشاعرنا الفوضوية. فوجدنا أنفسنا على الجبهة الخطأ. نناقش في المجالس طول اللحية وحكم الكحل في العينين ونرد في الشوارع على قتل جنودنا في الجبال وفي الحواري. جرى تحويل كامل للمعركة ونتيجة غياب الوعي بتقاليد العمل السياسي الشعبي الطويل النفس (وهو إحدى نتائج التفقير المنهجي للنخب والكفاءات الذي مارسته الدكتاتوريات طيلة نصف قرن على شعوبها).

صارت داعش (ولا أعني هنا بالذات قطعان القتلة المنتشرين بين العراق وسوريا) خبرا أولا وظهرت داعش بربطة عنق في الإعلام وأغرقتنا في معارك أخرى. لم يعد الحديث عن الحرية والتنمية وبناء الإنسان هو الموضوع، تهنا وكنا من الهشاشة حتى تهنا.

داعش كانت عدوا يسكن بيننا وقد طعنتنا من الخلف. من حركها؟ ومن وجهها؟ الصورة تتضح الآن أكثر. الخاسرون من الربيع العربي وفي مقدمتهم الصهيونية العالمية التي أرعبها الشعب يصيح بتحرير فلسطين.

ثم ظهرت الدبابة في الشارع من جديد
قبل أن نستفيق فنعود إلى ترتيب الأولويات قطريا وعربيا تحركت الدبابة العربية المحترفة في السير على رقاب شعبها دون شرف خوض معارك تحرير. أسقطت بداية التجربة الديمقراطية المتعثرة في مصر وارتدت على تونس وليبيا واليمن. وكان دواعش فقه اللحية ودواعش الإعلام والرقص الشعبي إلى جانبها يقبلون حذاء العسكري المنقلب ويضعونه على رؤوسه كل الحجج كانت مناسبة لكسر الموجة فانكسرت. سارت الدبابة على صدور النساء والأطفال وتخصص الجيش في بناء السجون عوض بناء جسور العبور إلى فلسطين بل صار الحديث عن فلسطين تخابرا خيانيا يفتح باب المحاكم العسكرية.

نتيجة فعل الدواعش وفعل الدبابة واحدة. كسر موجة الحرية وقطع الطريق إلى فلسطين. موجة الحرية هي جوهر الربيع العربي وعقله وهي التي كانت كفيلة بدفع كل المسائل الجوهرية المؤسسة إلى سطح النقاش والتداول. وبالحرية وحدها كانت ستبنى الدولة العربية الحديثة وتشرع في تعديل مناويلها التنموية وبالحرية كان الشعب العربي قد بدأ يصل إلى غزة وكان سيواصل العبور المدني في انتظار قلب معادلات السياسة في المنطقة لعبور تحريري جذري.


هذا اللقاء بين داعش والدبابة هو العدو (الذي خرب) وهو الهدف (الذي يجب أن يكسر) لمن أراد دفع معركة الحرية إلى مداها ليستعيد الربيع العربي ألقه ويكمل مشروعه. سيكون من النفاق السياسي أن يقف المرء ضد داعش  ويساند الدبابة.

شيء من الانسجام رجاء
لقد لمع لفيف واسع من النخب العربية ذات الهوى اليساري والقومي في معادة داعش الأصولية واستبقوا طيفا واسعا من الإسلاميين في محاربة داعش وكان هذا سيسجل لهم كسبق في الوعي والتموقع الديمقراطي ويخول لهم قيادة الشارع ضد داعش. لكن هؤلاء لمعوا أيضا وبكل ألوان الطيف في الوقوف مع الدبابة المصرية والسورية والحوثية والتركية أخيرا وحتى حفتر ربيب المخابرات الأمريكية وجد عندهم سندا قويا، (في ليبيا بالذات كانت الفضيحة والعار فحفتر وداعش واحد واليسار العربي والقومي العربي وقفوا في صف حفتر بلا مواربة ولا براقع)، وتجلت الفضيحة أكثر في أسبوع تركيا الدامي حين هلل اليسار العربي والقومي للانقلاب.

هذه المواقف كشفت أن معاداة داعش لم تكن من أجل الديمقراطية والعمل السياسي المدني الطويل النفس بل من أجل توريط خصومهم في داعش. حيث يجمعون في سلة واحدة وبشكل منهجي بين كل طيف الإسلام السياسي بما في ذلك حركة حماس في سلة الإرهاب الداعشي.
وقد انكشف هذا التناقض في التحليل والموقف بعد انقلاب تركيا حيث فضحت مساندة الانقلاب عدم إيمان هؤلاء بالديمقراطية وسعيهم الحثيث لغاية واحدة هي إسقاط خصمهم السياسي الأثقل وزنا حركات الإسلام السياسي المعتدل (الإخوان وتعبيراتهم القطرية) فكل ما يدمر هؤلاء الخصوم مرحب به ويجب الوقوف معه؛ بقطع النظر عن المسافة التي تفصله عن الديمقراطية. إن استئصال الإسلام السياسي (وحماس جزء منه) مقدم عند هؤلاء على الحرية والديمقراطية وهو التقاء موضوعي مع الصهاينة.

أخلاقيا وسياسيا لا يمكن للمرء أن يكون صادقا في معاداة داعش عدو الديمقراطية الأول في الوطن العربي وهو يساند بكل قوته سير الدبابة على صدور الخلق في الطرقات. لقد انكشف التناقض وتعرت النوايا بما لا يسمح مجددا بالغفلة عن أعداء الديمقراطية العرب الذين يفضلون السيسي صديق الصهاينة وحليفهم ومعطش مصر وقاهر شعبها على التعايش الديمقراطي مع أحزاب إسلامية مدنية لها عيوبها وقصورها وجهلها بإدارة المدينة لكنها وقفت بصدق ضد الدبابة. إن أنصار الدبابة وعشاقها هم أنصار الصهاينة وحلفائهم الموضوعين وإن صدعوا رؤوسنا بخطاب القطيعة مع العدو. الان عرفنا الخونة الجدد.
إن غنيمة الوعي للربيع العربي هذه الأيام هي أن انقلاب الجيش التركي الذي فشل قد مكن من الفرز على قاعدة الإيمان بالحرية والديمقراطية.
من كان انقلابيا فلا يدخلن علينا.
نعم وجب الفرز لتنقية الصفوف والتقدم على أرض صلبة بدون خونة في صف الحريات. هذا هو الدرس العربي من انقلاب تركيا الفاشل. لقد انكشف دواعش جدد بدون لحى ولا بيادة عسكرية. ويجب تصنيفهم مع داعش والعسكر الانقلابي .الان وهنا وجب إعادة ترتيب الصفوف على قاعدة فرز واضحة. معاداة الإرهاب السلفي حيثما ظهر يكون حتما بالتزامن والترابط التّامين مع معادة كل أشكال الانقلاب العسكري. فمن عاداهما دخل الديمقراطية.
الربيع العربي المتعثر سياسيا يخمر وعيه بالمرحلة ويتلقى الدروس من كل مكان. وعليه أن يشكر الشعب التركي على الدرس الهدية. لقد عرفنا من أين جاؤوا ، والي ما شاف من الغربال أعمى بعيون أمريكية.

____________________________

*كاتب وأكاديمي تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة