مقالات

عبد القادر عبد اللي يكتب: العلاقات التركية الإسرائيلية

لا يوجد اتفاق بين طرفين يكون لصالح أحدهما إلا في حالة الحرب، وإعلان الهزيمة، وهذا ما يسمونه اتفاق إذعان، وهكذا فإن اتفاقية عودة العلاقات بين تركيا وإسرائيل لابد أن يكون لكل طرف فيها مصالح.. يتبع.

عبد القادر عبد اللي*

 
كانت السفينة مافي مرمرة [مرمرة الزرقاء] عنوانَ المرحلة التي خُفِّضَ فيها مستوى العلاقات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية التركية الإسرائيلية، ولعل “الليدي ليلى” التي حملت أول شحنة مساعدات إنسانية إلى غزة، ووصلت إلى ميناء إسدود في 28 من رمضان تكون عنوان مرحلة جديدة في هذه العلاقات.
جذور العلاقات التركية الإسرائيلية:
تأسست العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية في السابع من كانون الثاني/ يناير 1950 بتبادل التمثيل بعد الاعتراف التركي بدولة إسرائيل عام 1949.
وفي سنة 1958 عقدت إسرائيل مع تركيا معاهدات مخابراتية وعسكرية عدة، وتطورت هذه العلاقات باضطراد، ورفضت تركيا تخفيض التمثيل الدبلوماسي في مؤتمر الدول الإسلامية المنعقد في الرباط إبان هزيمة العرب التي سميت نكسة سنة 1967.
بنت إسرائيل علاقاتها مع تركيا على أساس استراتيجية حملت اسم “طوق الطوق”، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إقامة علاقة قوية مع الدول المحيطة بالطوق العربي، ومنها إيران وتركيا وإثيوبيا.
ولكن اتفاقية كامب ديفيد، وبعدها اتفاقية وادي عربة، والعلاقات الإسرائيلية الرسمية وشبه الرسمية مع كثير من البلدان العربية قللت كثيراً من أهمية هذه الاستراتيجية، لذلك لم تتأثر إسرائيل بتغيير النظام في إيران، وإغلاق السفارة الإسرائيلية فيها، كما أنها لم تتأثر من تخفيض علاقاتها مع تركيا.
لم يكن يناهض هذه العلاقة في تركيا قديماً سوى المجموعات الشيوعية، لأنها تعتبر إسرائيل قاعدة متقدمة للإمبريالية، حتى إن كثيراً من عناصر هذه المجموعات التي تعتمد الكفاح المسلح تدربت في معسكرات المنظمات الفلسطينية المختلفة في لبنان، وغالبية بقايا هذه المجموعات تقاتل اليوم في سوريا إلى جانب النظام.
لعل هذا ما جعل القضية الفلسطينية ثانوية جداً بالنسبة إلى الحكومات التركية المتعاقبة، وحتى سلبية.
وقد وصلت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى ذروتها في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي بعد أن فرضت أوربا شبه حظر على توريد الأسلحة للجيش التركي بحجة عدم احترامه لحقوق الإنسان في حربه ضد حزب العمال الكردستاني، فبادرت إسرائيل بتزويد تركيا بالأسلحة التي كانت تحتاجها، وعقدت معها صفقات كبرى.
وبعد تفتت الاتحاد السوفيتي وخبو نجم الأحزاب الشيوعية، استلهمت التيارات الإسلامية التركية الشعارات الشيوعية بالعدالة الاجتماعية ونصرة الشعوب المظلومة، وهكذا دخلت القضية الفلسطينية إلى السياسة التركية بقوة.
كون تركيا جزء من حلف الناتو، والعالم الغربي مكّنَ إسرائيل من إقامة بنى مؤسساتية، وحتى لوبي قوي في تركيا، ولعل جمعية الذكرى خمسمائة التي تأسست بمناسبة الذكرى خمسمائة لهجرة يهود الأندلس إلى الدولة العثمانية وتضم كبار رجال الأعمال الأتراك إحدى أهم هذه البنى، وهذا يعني أن إسرائيل حاضرة في الساحة التركية بقوة.
عند انفتاح حزب العدالة والتنمية على البلدان العربية بعد وصوله إلى السلطة، كثيراً ما كانت المعارضة وخاصة حزب الشعب الجمهوري تندد بهذا الانفتاح لأنه سيكون على حساب العلاقات المستقرة والمتينة مع إسرائيل على اعتبار أن سياسات الدول العربية متقلبة مزاجية وليست مؤسساتية.
التقلبات في العلاقات:
لقد مضى حزب العدالة والتنمية بسياسته، وحقق نجاحات مهمة، وفتح تركيا على العالم العربي، حتى إنه تمكن من تسويق العلاقة القوية مع إسرائيل، ولعب دوراً أساسياً بالمباحثات (المباشرة وغير المباشرة) التي جرت بين نظام دمشق وإسرائيل، وحتى إنه احتضن أول اجتماع أعلن عنه فيما بعد بين بشار الأسد وشمعون بيريز بحسب ما صرح عبد الله غول الرئيس التركي السابق. وبقي الأمر على هذا النحو حتى انفجار قضية سفينة مرمرة، وبدء ما اصطلح على تسميته الربيع العربي، وموقف تركيا الذي أيد التحول السياسي في البلدان العربية، فأصبح الانقسام بالنظرة إلى تركيا حاداً، وما كان يُرى جميلاً حتى الأمس بات سيئاً، والعكسُ صحيح.
كان تأييد حزب العدالة والتنمية للربيع العربي ينطلق من معاناة هذا التيار من الممارسات الديكتاتورية التي كانت سائدة في تركيا حتى فترة قريبة جداً، فقد كان تياره أكثر ضحايا تلك الديكتاتورية العسكرية.
ولكن الرياح لم تسر كما اشتهى سفّان تركيا، واستغّلت الثورة المضادة في الدول العربية قلة تجربة الإسلاميين بالحكم، وانقضّت على السلطة التي لم تغادرها أصلاً. إضافة إلى ما آلت إليه الأمور في ليبيا واليمن وسورية من حرب دموية لعبت فيها الدول الإقليمية والعالمية أدواراً سلبية.
الشروط التركية الثلاثة:
بعد حادثة مرمرة، خفضت تركيا مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى كاتب ثان، وعلّقت اللقاءات الثنائية باستثناء التي تتم في المحافل الدولية، كما علِّقت الاتفاقيات العسكرية والأمنية، ولكن العلاقات التجارية خارج العسكرية بقيت تسير كما هي، فهذه تقوم بها الشركات الخاصة.
عملت إدارة أوباما على إصلاح العلاقة بين تركيا وإسرائيل، وضغطت على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من أجل تقديم اعتذار عن مهاجمة سفينة مرمرة، وفعل قبل ثلاث سنوات، وبهذا حققت إسرائيل الشرط التركي الأول لإعادة العلاقات.
قبل سنة من الآن، وفي أثناء رحلة قام بها رئيس الجمهورية التركية إلى دول آسيا الوسطى، سأله أحد الصحفيين عما لو قبلت إسرائيل بتنفيذ الشرطين الآخرين، فماذا سيكون الموقف التركي؟ فكان الرد واضحاً وصريحاً: سنعيدها.
لم تكن التعويضات التي من المفروض أن تقدمها إسرائيل لأسر الضحايا موضع نقاش، ولكن المشكلة كانت في الشرط الثالث، وعلى الأصح بنوعية المواد التي سيرفع عنها الحظر، والمباحثات طوال هذه الفترة حول تفاصيل التفاصيل في عملية الرقابة، وكيفية دخول المواد، ومن سيقوم بالرقابة. ومنذ توتر العلاقات حتى اليوم هناك بند واحد تقريباً جرت مناقشته، وهو كيف ستدخل مواد البناء؟ فإسرائيل تعتبر الحديد مادة مزدوجة الاستخدام لأن له استخداما عسكريا، وقدمت تركيا إمكانية أن تقوم شركاتها بعمليات البناء.
أخيراً وافقت إسرائيل على أن تقوم تركيا ببناء بعض المنشآت، وقد سهّلت فعلاً البدء ببناء مشفى في غزة قبل الاتفاقية، إضافة إلى بعض مشاريع البنية التحتية ومنها محطة توليد كهرباء تبنيها ألمانيا بتمويل تركي.
تبدو الاتفاقية بخطها العام متوازنة، فتركيا حققت شروطها كلها، وإسرائيل بقيت تحاصر غزة، فالمواد التي ستدخل إلى غزة ستكون مراقبة دولياً، ولن تشكل خطراً على أمنها، بل هذا الاتفاق سيحمّل تركيا أعباء اقتصادية كبيرة لبناء مشاريع البنية التحتية.
آفاق التعاون بين البلدين:
عند استعراض قائمة المواد المتبادلة بين تركيا وإسرائيل نجدها متشابهة، أي إسرائيل تستورد من تركيا مواد تصدر مثلها إلى تركيا.
حصل تراجعٌ في الميزان التجاري بين تركيا وإسرائيل بداية القرن الحالي، وخاصة بعد وصول العدالة والتنمية إلى الحكم. هذا التراجع ناجم عن دخول تركيا التصنيع الحربي بشكل قوي، وظهور كثير من الفساد في صفقات الأسلحة التي كانت تصدرها إسرائيل لتركيا. وقد تحولت تركيا من مستورد رئيس للأسلحة إلى منتج، ثم إلى مصدِّر. والتجارب المقدمة في صناعة الأسلحة، تدل بوضوح على قطع تركيا شوط كبير على هذا الصعيد، وخاصة في الحرب الإلكترونية التي كانت إسرائيل المصدر الأساسي وشبه الوحيد لأدوات هذه الحرب.
على الصعيد السياسي كان المبدأ التركي منذ تأسيس علاقات تركيا مع إسرائيل هو لعب دور في تحقيق السلام. لعل وجود الولايات المتحدة كداعم قوي لوجهة النظر الإسرائيلية يحول دون لعب تركيا أي دور من هذا القبيل، ويمكن اعتباره مجرد ذريعة طرحت منذ خمسينيات القرن الماضي، وتتكرر حتى الآن، ولا يمكن تحميلها لحزب أو حكومة تركية معينة.
الانقسام الحاصل بالنظرة إلى عودة العلاقات التركية الإسرائيلية، وخاصة على الصعيد العربي، ناجم عن الانقسام السياسي القائم بالنظر إلى قضايا المنطقة، وعلى هذا الأساس تُستخدم العبارات والاصطلاحات، ومن أراد أن يرى في الأمر نجاحاً لتركيا يقول: “إعادة العلاقات” ومن أراد أن يراه خيانة للقضية الفلسطينية يقول: “تطبيع العلاقات”.
النظام السوري الذي كان لا يفوّت فرصة إلا ويطالب تركيا بإعادة علاقاتها مع إسرائيل قبل انفجار الثورة السورية من أجل متابعة المباحثات، يعتبر اليوم هذه الخطوة خيانة للقضية الفلسطينية. والأمثلة كثيرة، فإيران التي لم تتمكن سوى من إعلان كل سفينة سلاح يتم احتجازها في أية نقطة من نقاط العالم هي ذاهبة إلى المقاومة في غزة، سترى أن تركيا قطعت عليها الطريق بتدفق المنتجات التركية إلى القطاع. ولا يختلف بالأمر نظام السيسي الذي يلعب بورقة معبر رفح، فوجود مخرج بإشراف دولي يخسِّره هذه الورقة.
لا يوجد اتفاق بين طرفين يكون لصالح أحدهما إلا في حالة الحرب، وإعلان الهزيمة، وهذا ما يسمونه اتفاق إذعان، وهكذا فإن اتفاقية عودة العلاقات بين تركيا وإسرائيل لابد أن يكون لكل طرف فيها مصالح.
سيستفيد الغزاويون من تخفيف الحصار عنهم، ويسجل هذا النجاح لتركيا، وستستفيد إسرائيل من تخفيف الضغط الأوربي عليها في حصارها الخانق على القطاع لتظهر بأنها لا تمانع فك الحصار الإنساني.
بالنسبة إلى الغاز الطبيعي، فهذه القضية شائكة جداً، وليس من السهل حلها على المدى القريب، لهذا لم تدخل صلب اتفاقية الصلح. فاتفاقية ترسيم الحدود الاقتصادية البحرية بين قبرص اليونانية وإسرائيل ومصر تعارضه تركيا، وهناك خلل قانوني فيه لأن تركيا مع اليونان والمملكة المتحدة دولة ضامنة في قبرص، وهناك إشكال بترسيم الحدود الاقتصادية البحرية في المنطقة، وحقوق للقسم التركي من قبرص. بمعنى آخر، ستكون هناك إشكالات كثيرة، وتكون مصر طرفاً فيها.
ولكن هناك من يخلط بين هذا الأمر وبيع الغاز الطبيعي الإسرائيلي المنتج حالياً إلى تركيا. تركيا تستورد الغاز من روسيا وإيران وهناك خط آخر للطاقة يأتي من أذربيجان، والناقلات القطرية أيضاً تشحن جزءاً من الغاز الذي تستهلكه تركيا. وبالتالي فإن بيع الغاز الإسرائيلي لتركيا هو حاجة إسرائيلية أكثر منها تركية، وخاصة بعد المصالحة الروسية التركية، أو على الأقل يمكن اعتبارها خاضعة لمتطلبات السوق المتغيرة.

________________________

*كاتب سوري متخصص في الشأن التركي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة