عبد الحافظ الصاوي يكتب: “مجموعة العشرين”..إهمال لتركيا

عبد الحافظ الصاوي*

لا يمكن اغفال حالة التحيز داخل المنظمات والتجمعات الدولية لصالح الدول الغربية وأمريكا، حيث تسخر امكانيات هذه المنظمات والمؤسسات لخدمة اقتصاديات الدول الغربية دون غيرها، والاقتصاد الدولي يشهد هذه الحالة بوضوح في إدارة البنك والصندوق الدوليين، وكذلك داخل منظمة التجارة العالمية.
وبالنظر إلى اجتماع مجموعة العشرين الذي عقد بالصين يوم السبت 23 يوليو الحالي، نجد أنه سار على نفس المنوال، حيث ناقش المجتمعون في الصين – على مستوى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية – أثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي على النمو العالمي. بينما أحداث تركيا تطرح نفسها بقوة، وهي عضو بمجموعة العشرين.
وثمة فارق بين ما حدث في بريطانيا وتركيا، فبريطانيا مرت بأحداث سياسية عبر تصويت أفضى إلى نتائج غير مرغوبة من بعض الدول الغربية وأمريكا، بينما في تركيا محاولة انقلاب عسكري فاشلة، كانت تستهدف عودة الاقتصاد التركي لمصاف الدول المتخلفة مرة أخرى، وتلغى ثمارا تنموية تم الوصول إليها بعد نحو عقد ونصف من الزمن، تم فيها بناء قواعد انتاجية ومالية تؤهل تركيا لتحقيق مستهدفها في 2023 بأن تكون ضمن أكبر 10 اقتصاديات على مستوى العالم.
وكان الأجدر أن تحظى قضية دعم وتأييد الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطيًا من قبل اجتماع مجموعة العشرين، وأن تعلن عن دعمها لبقاء الاقتصاد التركي ضمن قوى الدفع للنمو العالمي، شأنها شأن بقية الأعضاء. وبخاصة أن مجموعة العشرين يسيطر على عضويتها دول تدعي الديمقراطية.
• أجندة مشبوهة
عدم إشارة البيان الصحفي الصادر عن اجتماعات مجموعة العشرين بالصين إلى الأحداث في تركيا، وأهمية مساندة الاقتصاد التركي لعبور هذه الحالة الطارئة، تبعث على أن مجموعة العشرين لا تحظى بحالة من التوازن تجاه قضايا أعضائها، إن رسالة مجموعة العشرين تجاه تركيا تحمل دلالة سلبية، وهي أن أمريكا والغرب يسيطران على المجموعة ويوجهان اهتماماتها، أو أنهما يستكملان دورهما في تثبيت الاتهام الموجه إليها بالضلوع بدور في محاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا. وهو استدلال يقويه حادثة فشل مجلس الأمن في إصدار بيان يدعم العملية الديمقراطية في تركيا، ويدين الانقلاب العسكري الفاشل.
لا قدر الله لو نجحت هذه المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري في تركيا، أتوقع وبعيدًا عن تفسير نظرية المؤامرة، أن هذا الاجتماع كان سيعلن عن دعم مجموعة العشرين للاقتصاد التركي والوقوف بجوار تركيا لاستمرار عضويتها في مجموعة العشرين، من خلال الحفاظ على قوة اقتصادها، وتحقيق مستهدفاتها التنموية.
وإذا ما كانت المؤسسات المالية الدولية تحاول أن تحسن صورتها، من خلال طرح بعض الدراسات والكتابات العلمية حول سياساتها التي تعمل في إطارها، كما حدث في مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فعليها أن تتسم كذلك بالعدالة في تناول قضايا واهتمامات أعضائها، ومجموعة العشرين ليست ببعيدة عن المؤسسات المالية الدولية، حيث إنها تتبنى نفس السياسات الاقتصادية الرأسمالية، وإن كانت عضويتها تضم بعض الدول الصاعدة، ومن بينها الدول أعضاء مجموعة البريكس مثل (الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا)، كما لا يخفي أن تركيا استضافت اجتماعات مجموعة العشرين نهاية عام 2015.
• آثار محدودة
ما شهدته تركيا من تداعيات اقتصادية سلبية إلى الآن، هي آثار محدودة، تتمثل في انخفاض قيمة العملة التركية بنحو 3.5%، كما تراجعت بورصة إسطنبول بنحو 4% – 5%، ومثل هذه المعدلات تحققت في ظل الظروف السياسية التي عاشتها تركيا في النصف الأول من عام 2015، وبعد انتخابات البرلمان في يونيو 2015، ثم استعادة العملة والبورصة قوتهما بعد انتخابات البرلمان في نوفمبر 2015.
ويرجع ذلك بشكل واضح إلى قوة البناء الاقتصادي في تركيا، حيث يعتمد الناتج المحلي التركي على قاعدة إنتاجية تمكنه من تحقيق فائض في ميزانه التجاري في مجال الزراعة والغذاء، كما يحقق القطاع الصناعي بالناتج المحلي التركي قيمة مضافة حقيقية، من خلال الاعتماد على توفير احتياجات البلاد بشكل كبير من المنتجات الصناعية، والتوجه للتصدير. فضلًا عن استفادة حقيقية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي زادت في عام 2015 – على الرغم مما مرت به البلاد من أزمة سياسية تخص الانتخابات البرلمانية على مدار عام 2015 بالكامل – بنحو 3  مليارات و800 مليون دولار عما كانت عليه في عام 2014، ولتصل إلى 16  مليارا و500 مليون دولار، وكانت قطاعات الصناعات التحويلية والخدمات المالية وقطاع النقل، هي القطاعات الرائدة والمستقبلة لنصيب الأسد من هذه التدفقات الاستثمارية المباشرة.
• تقدم منتظر
من المتوقع أن تشهد مؤشرات الاقتصاد التركي انطلاقة حقيقية خلال الفترة القادمة، من خلال ترسيخ تجربتها الديمقراطية، وانطلاق الحكومة التركية من عقبات ومعوقات الدولة العميقة أو الكيان الموازي، فينتظر أن تكون هناك قرارات اقتصادية واصلاحات مالية وإدارية، ومواجهة للفساد بشكل كبير. وبخاصة أن عمليات التطهير تشمل مؤسسات الجيش والقضاء والتعليم والإعلام، وهي مؤسسات مهمة ولها دورها في دعم تنافسية الاقتصاد التركي خلال الفترة القادمة.
وإذا ما كانت الدول الغربية والولايات المتحدة تقفان في خندق التربص بالتجربة التركية، فعلى الدول الصاعدة أن تسعى لمزيد من التعاون الاقتصادي مع تركيا، وكذلك الدول العربية المساندة والدعمة للتجربة التركية، مثل قطر، من خلال الحرص على ضخ استثمارات جديدة، والعمل على إنشاء مؤسسات لترويج المنتج التركي بالأسواق غير العربية، أو تشجيع القطاع الخدمي التركي في مجالي الخدمات المالية والسياحة والعقارات.
_________________________

*كاتب مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه